التصحّر الناجم عـن تملّح التـربة في العراق
|
د. عبد الجبار خلف (*)
مفهوم التصحر وانواعه في العراق:
لقد اصبح التصحر حدثا اعلاميا قبل ان يعّرف واقترحت اساليب جيدة الوصف لمعالجته قبل ان يفهم كعملية قابلة للرد العملي من قبل الانسان. وكنتيجة لذلك باتت الاصدارات الأعلامية مليئة بالتضليل والاساطير والمبالغة حول التصحر، وطرحت علاجاً كرّس الظاهرة أحيانا بدلا من التخفيف منها. والتصحر هو من الاخطار الناتجة عن الظروف الطبيعية وفعل الانسان وهو مشكلة قابلة للمعالجة من قبل المسؤولين عن تخطيط وادارة البرامج الأنمائية في البلدان الخاضعة للتصحر.
وطالما ان العراق يقع في معظم اجزائه الوسطى والجنوبية ضمن الظروف القاحلة حيث لايزيد معدل سقوط الامطار السنوي على 400 ملم، وفي الاجزاء الشمالية منه ضمن الظروف شبه القاحلة والتي تزيد فيها كمية الامطار عن هذا الحد، لذلك فهو يقع بالنتيجة ضمن الاراضي المشمولة بالتصحر. ان الترابط بين نقص الامطار والحرارة العالية يجعل معظم اراضي العراق هي صحراوية. وبسبب المعدلات العالية للتبخر فان التربة والنبات يفقدان الرطوبة القليلة الحاصلة من الامطار، وبالتالي فان النباتات لا يمكنها العيش بدون اجراءات ري كثيفة. وبالرغم من ان ظروف العراق قاحلة الا ان هناك نباتات يمكنها العيش في بعض المناطق في شكل دائمي فيها مثل البلوط في جبال زاكروس والنخيل في الوسط وجنوب العراق ضمن السهل الرسوبي على العكس من المناطق الصحراوية فيه.
مشكلة تدهور الأراضي العراقية بسبب التملح:
ان تملح الاراضي في العراق هو ظاهرة تدهور او تصحر الاراضي في منطقة السهل الرسوبي نتيجة عملية تراكم الاملاح الذائبة مثل كلوريدات وكبريتات الصوديوم والكالسيوم والمغنيسيوم (والمنقولة من من مصادر تكونها المختلفة بواسطة عوامل النقل المختلفة وتحت الظروف الطبيعية السائدة من المناخ الجاف والظروف الطوبوغرافية والهيدرولوجية للتربة بلأضافة الى فعاليات الأنسان من زراعة واجراءات ري) في جسم التربة الى ان يصل هذا التراكم الى اقصى مداه في تملح الطبقة السطحية للتربة ومنطقة الجذور مما يتسبب في اضرار دراماتيكية للنبات والتي تؤدي بالنهاية الى موته المحقق، الأمر الذي يؤدي الى ظهور انواع اخرى من التصحر للارض نتيجة لفقدانها الغطاء النباتي. وفي العراق تعتبر مشكلة الملوحة والترب الملحية من اعظم المشاكل الرئيسية التي تعيق تطور الزراعة في الوقت الحاضر وخاصة في وسط وجنوب العراق. بدأت عملية التملح قديما في العراق وهي لاتزال نشطة الى يومنا هذا، بل انها تزداد بزيادة استخدام الارض وتحت الظروف الحالية والناتجة عن اجراءات الري، ارتفاع منسوب المياه الجوفية ،ظروف المناخ الجاف وعدم وجود اجراءات ادارة مناسبة. وبالرغم من ان هذه المشكلة نالت اهتماما كبيرا من قبل المؤسسات والدوائر العلمية ذات العلاقة ومنذ الخمسينات، حيث بذلت العديد من المحاولات لدراستها ومعالجتها، الا انها لاتزال تعتبر من اهم المشاكل التي تواجه الزراعة في القطر. واذا تم استثناء المناطق الصحراوية في غرب وجنوب العراق (والتي يحتوي بعضها على ترسبات ملحية اثناء تكوينها) والتي تشكل حوالي 50% من مساحة العراق وكذلك المناطق الواقعة شمالا فوق الخط المطري 400 ملم /سنويا، نجد ان معظم الاراضي القابلة للزراعة ضمن السهل الرسوبي متأثرة بدرجات متفاوتة من الملوحة.
ومن الناحية التأريخية، فان مشكلة الملوحة في العراق رافقت الزراعة منذ القدم .فقد اشارت العديد من الدراسات الى وجود وثائق تأريخية للفترات 2400ق.م، 2000 ق.م تشير الى انتشار الملوحة بشكل كبير في جنوب وادي الرافدين للفترة 2400 - 1700 ق.م. كذلك توجد وثائق تشير الى انتشار الملوحة في وسط وادي الرافدين للفترة 1300- 900 ق.م، الا انها كانت اقل خطورة من الفترة السابقة. والفترة الثالثة كانت بعد سنة 1200 ق.م والتي توفرت فيها وثائق كثيرة حول الترب الملحية، وخيرمثال على ذلك هو انتشار الملوحة في منطقة النهروان. يمكن الاستنتاج من الدلائل التاريخية السابقة الى ان مشكلة الملوحة قد ظهرت في العراق منذ القدم ورافقت الزراعة فيه، الا ان هذه المشكلة لم تظهر بشكل واضح انذاك وذلك بسبب الزراعة غير الكثيفة التي كانت سائدة. اما اتساعها الكبير في الوقت الحاضر فيعود الى استخدام الزراعة الكثيفة واستعمال الري بشكل واسع وارتفاع مستوى الماء الجوفي الامر الذي عجل في زيادة تملح الاراضي فزاد من خطر هذه المشكلة. ويكون توزيع الأراضي الملحية في العراق بشكل عام كما يلي
ـ مناطق الجزيرة الشمالية والصحراء الغربية والبادية الجنوبية ،وتكون ذات ترب قليلة التملح مع وجود بعض التملح الموضعي بسبب ترسب بعض الأملاح اثناء تكون هذه الترب بشكل عام.
ـ مناطق وسط وجنوب العراق، وتكون ذات ملوحة عالية ولاتزال عملية التملح وتدهور هذه الاراضي تجري فيها وبشكل فعال ومستمرلحد الآن.
ـ مناطق في اعلى السهل الرسوبي الاوسط وتكون ذات ملوحة متوسطة.
ـ المناطق الشمالية من العراق هي مناطق بدون تملح حيث يزيد فيها معدل سقوط الامطار فيها عن 400ملم / سنويا. وهذا يوضح بأن تملح الأراضي في العراق يقل مع زيادة المنسوب الطوبوغرافي للأرض.
مصادر تكون الأملاح ووسائل نقلها الى الأراضى في العراق:
ان تكون الأملاح في الطبيعة يأتي من عدة مصادر اهمها: تجوية الصخور والمعادن، البحار والمحيطات، البراكين. أما اهم الوسائل الفعالة لنقل الاملاح من مصادر تكونها الى الترب في العراق فهي :-
أ- ميــاه الـــري: تشير المصادر الى ان ماتضيفه مياه الري من الاملاح الى الترب في وسط وجنوب العراق يقدر بحوالي 3 ملايين طن. وتضيف مياه الري الحاوية على 1غم / لتر من الاملاح حوالي 1كغم/م3 في المناطق المروية سنويا. وبموجب تحاليل مياه نهري دجلة والفرات من قبل وزارة الموارد المائية للسنوات الاخيرة من القرن الماضي 1998 / 1999، فان كمية الاملاح المقدرة التي يمكن ان تضاف الى الاراضي المروية سنويا في وسط وجنوب العراق هي حوالي 1كغم /م3 من نهر دجلة (آخذين بنظر الاعتبار تحاليل المياه من بغداد وحتى مدينة العمارة) ، وحوالي 1.7كغم /م3 (آخذين بنظر الاعتبار تحاليل المياه من مدينة الفلوجة الى القرنة).
ب- المــياه الجــوفية الأرضــية: وهي من المصادر المهمة لنقل الاملاح الى الترب في العراق. ويزداد تمليحها للاراضي كلما زاد تركيز الاملاح فيها كلما ارتفع مستواها وقربها الى سطح الارض، حيث تقوم بنقل الاملاح من مكان لاخر عند تحركها تحت سطح التربة.
(*) المديرية العامة لأدارة الموارد المائية
|
|