قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

من هم جيرانك في الآخرة؟!
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *يونس الموسوي
حينما تقرأ عن حياة المؤمنين الماضين تصاب بالذعر، لأنهم كانوا يبتلون بأشد الابتلاءات وتصب عليهم شتى أنواع البلاء والعذاب، فكانوا يأخذون الواحد منهم ويوضع المنشار فوق رأسه فيشق إلى نصفين دون أن يصده ذلك عن دينه، وكانوا يمشطون أجسادهم بالسكاكين والسيوف كما يمشط شعر الرأس، فتختلط عظامهم بلحومهم وتسيل دماؤهم أودية، وما كان ذلك يردهم عن إيمانهم، وكان من قصصهم أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ بعث نبياً حبشياً فآمنت به طائفة من المؤمنين وكفرت به طائفة، ولـمّا قاتلهم وقع أنصاره في أسر المشركين، فحفروا لهم اخدوداً وجعلوا فيه النار ثم نادوا بالمؤمنين: من كان من أهل ملتنا فليعتزل (يبتعد عن النار) ومن كان على دين هذا النبي فليقتحم النار، فجعلوا يقتحمون النار، وأتت المرأة معها صبي لها فهابت النار، فقال لها صبيها: اقتحمي! فاقتحمت النار وكانوا هم أصحاب الاخدود الذين عرفنا بهم القرآن الكريم، وفيه يقول تعالى: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ"؛ هو لم يكن إسماعيل بن إبراهيم النبي - سلام الله عليهما- بل كان اسماعيلاً آخر، أتعلمون ماذا فعل به قومه؟! لقد قتلوه شر قتلة؛ لقد انتزعوا جلدة وجهه وفروة رأسه!! هكذا كان المؤمنون الذين سبقونا، وبهذه الطريقة عبروا عن إيمانهم وطاعتهم لرب العزة.
ونحن، إذ نعد أنفسنا من المؤمنين نطلب من الله ـ سبحانه وتعالى ـ يومياً أن يرزقنا الجنة.. فهل من المعقول أن نكون بمنزلة هؤلاء، وأن نجلس إلى جوارهم في جنة واحدة دون أن يبتلينا الله ـ عزوجل ـ ودون أن نظهر صبرنا وإلتزامنا بمبادئ الدين في وقت الشدّة؟
أقول هذا لكي تتضح الصورة أمامنا بشكل جلي، إنه لايدخل الجنة إلا من نجح في اختبار الدنيا، فهذه هي سنة الله في الحياة وهي جارية على جميع البشر وإذا كان أولياء الله الصالحون لايعبرون هذا الصراط إلا بعد أن تمشط أجسادهم بالسيوف والسكاكين، فهل سأعبر أنا الصراط دون ان يمس بدني ألم او أذىً خلال فترة حياتي.
ولكي لانخدع أنفسنا فأن الرجل الذي وقعت على قلبه أعظم الابتلاءات مما لم يذقه الأولون ولا الآخرون وهو الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ، فانه يكشف عن حقيقة قوم يخدعون أنفسهم عندما يتمسكون بكلمات الدين ويخالفونها بأفعالهم، ولذلك جاء هتاف الإمام الحسين -عليه السلام- وهو يسير إلى كربلاء: (الناس عبيد الدنيا والدين لعقٌ على ألسنتهم يحوطونه مادرت معايشهم فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديانون).
فهؤلاء يتكلمون بالدين ويرفعون شعارات دينية ويعلنون الولاء لأهل بيت النبوة -عليهم السلام- والطاعة لرب العزة، مادامت تلك الأمور محدودة بالكلمات والشعارات، ولكن عندما يتطلب الأمر منهم الجهاد والعمل والدفاع عن تلك القيم والكلمات، أو حينما يتوجب عليهم الصبر في مصيبة الفقر وفقد العزيز أو بقية المصائب، ينهارون ويسقطون ويعترضون على رب العزة ان لماذا ابتلاهم بتلك المصائب؟!
إذن.. اذا كنت تريد الجنة فالطريق أمامك واضح لاغبار وغموض فيه، وما عليك سوى الصبر والتجلّد على آلام الشوك والمنغّصات حتى تصل إلى نهاية الطريق، وتستحق أن تكون بجوار الاولياء الصالحين من المؤمنين الذين صبروا وصمدوا قبل ان ينشروا بالمناشير ويقطعوا بالسكاكين، طبعاً هذا لايعني ان حياة المؤمن يجب ان تكون على هذه الشاكلة والمواصفات، فالله ـ سبحانه وتعالى ـ يبشرنا في قرآنه بحياة كريمة، ولكن بشرط الإلتزام بالمنهج والسير على الصراط الذي وضع حدوده النبي وآل بيته ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ.
إن الله سبحانه وتعالى أرشدنا في قرآنه ومن خلال النبي وآل بيته -عليهم صلوات الله- إلى طريق السعادة، لكننا اخترنا طريقاً آخر، فماذا نتوقع أن تكون نهاية الطريق الذي اخترناه؟ إننا الآن نحصد النتائج الطبيعية للدرب الذي سلكناه خلال عشرات السنين الماضية، وإذا لم نتراجع عن هذا الطريق ونتحول إلى صراط أهل البيت ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ، فأن أوضاعنا ستزداد سوءاً.
وهكذا تسير حقائق الواقع مع حقائق الغيب في اتجاه واحد والغاية هي تحقيق التكامل الإنساني، لأن الذي يتجه في المسلك الخاطئ فإما يردعه عقله لما يراه من نتائج سيئة لذلك المسير أو يردعه دينه لما تقدم إليه من التحذير والتنبيه، فالابتلاء هنا يكون على أشكال مختلفة بحسب مرتبة الإنسان وواقعه الإيماني، فالمسلم الذي يرتكب ظلماً يبتليه ـ الله سبحانه وتعالى ـ بسبب الظلم أو الذنب الذي ارتكبه، والمؤمن يبتلى أيضاً حتى يثبت حقيقة إيمانه، والنبي أيضاً يبتلى حتى يرفع الله ـ عزوجل ـ درجته، فالابتلاء يكون تأديباً للمسلم الظالم، وامتحاناً للمؤمن ودرجة للأنبياء.
وهناك منازل في الجنة لايبلغها إنسان إلا بابتلاء عظيم في جسده، وحصل أن زرتُ ذات مرة قريبة لي وكانت مصابةً بداء السرطان وقد انتشر المرض في جسدها حتى كنت أشعر أن كل خلية من خلايا بدنها تتألم من الوجع، ففكرت ماذا أقول حتى أخفف شيئاً من آلامها فتذكرت هذا الحديث الشريف عن الإمام الصادق -عليه السلام- حيث يقول (إن في الجنة منزلة لايبلغها عبد إلاّ بالابتلاء في جسده).
وعليه فلابد للمريض ان يصبر على الألم، ولكن بعد أن يعرف حقيقة ما هو فيه، وأن الله سبحانه وتعالى يبتليه بذلك رحمةً به وحتى يرفعه إلى درجة عالية، وهكذا سيتمكن هذا المريض من التغلب على الوساوس والشكوك الشيطانية التي تأتيه وتقول له: لماذا يفعل الله بك ذلك؟
ويجب أن يدرك الإنسان في قرارة نفسه وهو يعيش آلام المصاب أو المرض أو الفقر وغير ذلك أن الله ـ عزوجل ـ رحيم به وانه ابتلاه بهذا الأمر لحكمة، وعليه هو ان يتعرف عليها حتى يحسن التعامل معها، فإما أن يكون صاحب ذنوب فيستغفر الله منها ويتوب إليه وإما أن تكون درجة له يرفعه ـ عزوجل ـ بها ليصل إلى مراتب عالية.
وهذه هي سنة الحياة ولامناص من تجربتها، وقد ورد لدينا في الأحاديث انه ما من أربعين يوماً يمرون على الإنسان إلا ويبتلى بشيء من أنواع البلاء وأقله الهم لايعلم له سبباً ففي الحديث عن الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ حيث يقول (ما من مؤمن إلا وهو يذكّر في كلّ أربعين يوماً ببلاء إما في ماله، أو في ولده، أو في نفسه فيؤجر عليه، أو همٌ لايدري من أي هو).