النقد بين مفهومين
|
* علي ياسين
جمع قدماء النقاد العرب تحت اسم عمود الشعر وجوه صياغة القصائد كما استنتجوها من الادب الجاهلي خاصة ثم من شعر صدر الاسلام فالعصر الاموي وتوقفوا عنده، ونبذوا ما بعده وتحاملوا عليه، وقد تضمن مفهومهم لعمود الشعر ما يخص اللفظ من حيث جرسه ومعناه في موضعه من البيت، ثم ما يتعلق بمفهوم المعنى الجزئي في ذاته، ثم ما يخص تصوير المعاني الجزئية وصلتها بعضها ببعض.
هذه المفاهيم الثلاثة التي انحصرت بها مقاييس النقد أقصت الكثير من معاني الشعراء العباسيين الكبار الذين لم يعبأوا كثيراً لهذه المفاهيم وقواعده الصارمة فجددّوا في معانٍ وصور كثيرة مثل مسلم ابن الوليد وبشار وابي نؤاس وابي تمام الذي كان شعره مثار كثير من الجدل والخصومة بين أنصار القدماء والمحدثين. فالنقاد القدماء أرجعوا عمود الشعر الى مقاييس بلاغية محضة، وفيما يخص المفهوم الاول فهم يشترطون في اللفظ ألّا يكون غريباً في استعماله ولا مبتذلا، ومقياسه ان يكون بحيث تفهمه العامة اذا سمعته، ولا تستعمله في كلامها ثم يشترطون ألّا يقع في حروفه تنافر بحيث يثقل في نطقه. فمثلاً كلمة (أيضاً) في هذا البيت يعدّونها مبتذلة
كانت فأودى بها جودٌ ولعْتُ به وللمساكين أيضا بالندى ولَعُ
وكذلك الحال فيما لو استعملت كلمة ثقيلة في النطق للايحاء بمعنى مثل كلمة (قَرقْرى) في هذا البيت:
ألاهل الى شم الخزافى ونظرة الى قَرِقْرى قبل المماتِ سبيل
وفضلاً عن هاتين الناحيتين الجماليتين في اللفظ فهناك ناحية جمالية ثالثة اشترطها النقاد الاقدمون وهي ان يقع اللفظ موقعه من القافية بشكل طبيعي بحيث لا يأتي به الشاعر لمجرد اتمام البيت فيمكن الاستغناء عنه. اما ما يخص المعنى الجزئي فقد ذكروا فيه اموراً ثلاثة هي؛ شرف المعنى، وصحة المعنى، ثم الاصابة في الوصف؛ اما شرف المعنى وهو ان يقصد الشاعر الى ما سموه بـ(الاغراب والابداع) اي اختيار الصفات المثلى اذا وصف الشاعر أو مدح بغض النظر عن واقعه وهم لذلك يمتدحون امرأ القيس عندما يصف فرساً بأنها سريعة العدو دون ان يستحثها راكبها لانها فرس كريمة حين يقول:
على سابحٍ يعطيك من قبل سُؤْلهِ أفانين جريٍ غير كزّ ولا واني
ويفضلون ذلك على وصف امرئ القيس نفسه لخيل البريد بانها لا تجري إلّا اذا ضربها راكبها بالسياط مع ان امرأ القيس صادق في الحالين لانه في البيت الاول يصف فرساً كريمة وفي الثاني يصف خيل البريد كما كانت فيه ومدار تفضيلهم في ذلك هو (الابداع والاغراب) اي بلوغ أقصى الصفات، فيجب ان توصف الفرس بالسرعة في جميع حالاتها فتشبه البرق والريح والغيث والسيل.. اما صحة المعنى وهو الامر الثاني الذي اشترطوه في المعنى الجزئي فهو ألا يخالف الشاعر الحقيقة التاريخية المعروفة اذاتعرض لذكرها وألا يخالف العرف السائد لذلك يرى الآمدي ان البحتري خرج على عمود الشعر حين وصف انه بكى فراق الحبيبة، وان الدموع زادت من لهيب شوقه اثر الفراق بقوله:
نصرتُ لها الشوقَ اللّجوجَ بأدمعٍ تلاحقْنَ في أعقابِ وَصْلٍ تصّرما
ويعلل الآمدي لذلك بأن الشوق يشفيه البكاء ولا يزيد منه وانما قاس الامدي البيت بهذا المقياس لان المألوف في الشعر الجاهلي ان البكاء يشفي من الشوق كما اعترضوا على قول كثير:
خليليّ، هذا ربعُ عزّةَ فاعقِلا قلوصيكما، ثم ابكِيا حيث حلتِ
لان السائد ان الشعراء الجاهليين كانوا يقصدون الديار والاطلال للوقوف عليها وهم على ركائبهم دون النزول عن مطيهم فكان الشاعر يقول: (قفا) و (قفوا) اذا صادف الاطلال في طريقه فاذا اضطر الى ان يعرج عليها في مسيره قال (عوجا) او (عوجوا) لذلك رأوا ان كثيراً خالف العرف في بيته. اما ما نخص الامر الثالث وهو الاصابة في الوصف فقد عابوا على ابي تمام وصفه الحلم بالرقة في قوله:
رقيق حواشي الحِلم، لو أن حِلمَه بكفّيك، ما ماريت في أنه بُرْدُ
لأنه لم يصف الحلم بالرقة احد من شعراء الجاهلية وصدر الاسلام وانما يوصف الحلم بالعظمة والرجحان والثقل فيقال انه يزن الجبال حلما. أما ما يخص المعاني الجزئية في داخل القصيدة او ما سموه: (التحام أجزاء النظم والتئامها) فيقصدون بذلك ان يتم انتقال الشاعر من كل جزء من اجزاء القصيدة الى الجزء الذي يليه على نحو جيد، على حسب ما جرت عليه تقاليد القصيدة العربية في الجاهلية على الرغم من ان هذه الأجزاء في القصيدة –من وقوف على الاطلال وذكر الديار والحبيب والوصف الدقيق للخيل والابل ثم المدح- لا صلة بينها في الحقيقة، ولا يمكن ان تكون لها وحدة فنية من نوع ما وانما يريدون اجادة وصل هذه الاجزاء وكفى، وهو ما يسمونه (حسن التخلّص) من غرض الى آخر في القصيدة الواحدة، ورغم اعترافهم ان حسن التخلّص على هذا النحو في القصيدة الواحدة مما عني به المتأخرون دون الجاهليين والمخضرمين الّا انهم اتخذوا القصيدة الجاهلية نموذجاً يحتذى به على ما بين اجزائها من تفاوت يتناقض مع ما نعرفه اليوم من معنى الوحدة، وقد كانت ابيات هذه القصيدة تتوالى على نحو لا يبرره إلّا واقع حياة الشاعر الجاهلي ومشاعره النفسية في رحلته مع الاطلال والرسوم والبكاء وذكريات الصبا والوصف، وغالباً ما يكون للابل وما لاقاه في رحلاته من مشاق وصعوبات لينتقل إلى غرض القصيدة من مدح وغيره ثم ينتهى من قصيدته دون أن يعنى بخاتمتها.
ومنذ العصر العباسي حفل النقاد والشعراء معاً بالبدء وبالانتقال من والى الغرض ثم بالخاتمة وحول ذلك تدور الوجوه البلاغية العربية من براعة الاستهلال والتخلص او الخروج ثم براعة الختام ثم عني النقاد بصلة المعاني بعضها ببعض ولذلك عابوا أبيات الشعر التي لا صلة بين معانيها، ويحكي الجاحظ ان شاعراً قال لآخر: أنا أشعر منك فقال له: وبم ذاك؟ قال: لاني اقول البيت واخاه وتقول البيت وابن عمه وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
وبعضُ قريضِ القوم أولادُ علة يكدُّ لسانَ الناطق المتحفّظِ
يقصد ان هذا الشعر-لتنافره وانقطاع الصلة بين ابياته- يشبه ابناء الضرائر. وهذا يعني انهم لم يقصدوا وحدة القصيدة في معناها العضوي وان أجزاءها الفنية يجب ان تكون ذات وظائف عضوية، بل كل ما قصدوه ان على الشاعر ان يجيد وصل اجزاء القصيدة وصلا جيداً على نظامها المأثور فكان مبلغ جهدهم هو الدعوة الى تقليد الاقدمين أو محاذاتهم وهذا ما جعلهم يتحاملون على المجددين من الشعراء في العصر العباسي والزموهم بقواعد قاسية، فبالنسبة للمفهوم الاول فان اللفظ الدارج (كلمة ايضاً في البيت) قد يجود بموقعه ولا يغني عنه سواه في ذلك الموقع، وكذلك الحال فيما لو استعملت كلمة ثقيلة في النطق للايحاء بمعنى جمالي، اما البحتري فلا وجه لنقده سوى لانه خالف ما جرى عليه عرف الشعر الجاهلي، لان البكاء في اثناء الانفعال يزيد من العاطفة، واي معنى لنقد كثير سوى انه خالف العرف السائد فما يضر بناء القصيدة وجماليتها ان كان قد وقف على مطيته أو نزل منها وعقلها، وكذلك الحال مع ابي تمام عندما خالف المجاز اللغوي قصداً الى التجديد في وصف الحلم. ان النقد البنّاء يتجاوز كثيراً من هذه الحدود الضيقة التي ذكرها النقاد قديماً في عمود الشعر، فالقصيدة لا ترجع الى البلاغة وحدها في نجاحها بل الى مدى نجاح الصورة في اثارتها للشعور وصلتها بذات النفس ومع ذلك نقول: انه لولا النقد القديم وما بذله النقاد القدامى من جهد في شرح معاني الشعر لما توصلنا الى هذه الآراء في العصر الحديث وتحديد اتجاهات الشعر وخصائصه الجوهرية.
|
|