قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

لماذا التملّق في مجتمعنا؟
*علي ضميري
حيث تكون مقاييس الفرد ومعاييره في الحياة الدنيا قائمة على قواعد معنوية و روحية وثقافية نبيلة وكريمة، فإنه لاريب يجد في صفة التملق وفعل التذلل للآخرين، ما يتناقض وتلك القواعد والمعايير، ذلك أن المقاييس والقواعد المعنوية النبيلة تعني المفاهيم الإيمانية والدينية، والدين والإيمان كما هو معروف يأبيان على الإنسان التملّص من الكرامة التي أودعها الله سبحانه وتعالى. ويؤكدان على أنهما قد جعلا العزة وقوة الشخصية لأهل الدين والإيمان.
فلا يمكن بحال من الأحوال تصور شخص ذي دين وإيمان مفتقراً إلى الشعور بالعزة والكرامة. أي أن الإيمان والعزة بمنزلة وجهين لعملة واحدة أو كونهما حلقتين يستحيل التفريق والفصل بينهما.
أما إذا كانت المقاييس والمعايير لحياة الإنسان ذات طابع مادي، فإنه لن يرى التطور والتقدم الحقيقي، مالم يتخذ من التزلف والتذلل للآخرين مسلكاً دائماً في حياته، نظراً لأن التطور وإحراز النجاح الحقيقي – حتى على الصعيد المادي- بحاجة ماسة إلى كرامةٍ وعزة وقوة في الشخصية وتعقل، فيما التذلل يبعده عن الحقائق والقواعد الرصينة للحياة. ومن دون العزة والتعقل، يبقى الإنسان تابعاً ذليلاً لإرادة غيره، وما دامت المقاييس مادية فإنه يبقى عرضة لرغبات الآخرين التي لاشك تنتهي إلى استغلاله والصعود على كتفيه، ومن ثم إلى سحقه بصورة مروّعة.
وعلى ذلك، فإن ممارسة فعل التملق للآخرين وتعمد التزلف لديهم، تعني وجود صفة أخلاقية رذيلة في ذات الفرد قد حلّت محل صفات الإيمان والتعقل وقوة الشخصية.
وكم كان للسان الإنسان المتملق من دور في تدمير حياته، وتدمير حياة أشخاص أبرياء ومصائرهم، لمجرد الرغبة في التدمير، أو للحصول على مكاسب مادية مؤقتة وزائلة، يمنحها ظالم لشخص ضعيف النفس ورذيل الأخلاق؟!
وهذا ليس بالبعيد عن الظلمة دائمي البحث عن المتملّقين ضعاف النفوس ممن يبيعون ذواتهم بأبخس الأثمان، أو لمن يدفع أكثر على أفضل التقادير ليبنوا على اكتفاهم صروحهم، فيخدعون الناس بقوتهم المزيفة، غير مبالين بما يقدمونه للظلمة من خدمات كبيرة، لولاها لما كان لهم أن يبسطوا نفوذهم، ويسلبوا ذوي الحقوق حقوهم.
ولكن المتملقين يزيدون أسيادهم ضلالاً، ويرعبون الناس بكلماتهم حتى أن المستكبرين الظلمة يصل بهم الأمر إلى تصديق كلمات هؤلاء الرعاع وما ينفثونه من سموم.
وكم هم في عصرنا الحاضر، أولئك الذين يتزلفون إلى السلاطين، بعد أن يبيعوهم ضمائرهم فيكتبوا لهم ما يشاؤون ويصورون لهم الخيال حقيقة، بينما الثمن يدفعه الأبرياء من دمائهم وحقوقهم؟ ولعل من المؤمنين من ينخدع بألاعيب وحيل أهل المعاصي بداعي مستواه الفكري والعقائدي البسيط، فتراه قد يسقط معهم، بعد أن يداهنهم لتحقيق المصالح الدنيوية، أو لعدم التقيد بتعاليم السماء.
ولاريب في أن الإسلام قد عدّ الاهتمام أو العمل لكسب رضا العاصين والمنكبين على ارتكاب الخطايا أمراً محظوراً على اتباعه. خصوصاً بعد توفر القدرة لديهم على معرفة الحق وأهله. إذ الخوض مع العاصين يكلف الفرد المسلم والمؤمن العارف الكثير من الخسارة التي يصعب تعويضها.
ثم لماذا يتملق المؤمن العارف أهل الباطل؟ ولماذا يعرض الدين بعمله هذا إلى خطر كبير. لاسيما وأن أهل الباطل لايخشون مصالح الدين، بل ولايكنّون له أي احترام؟ هذا إضافة إلى أن أهل المعصية والعاكفين على ظلم أنفسهم والآخرين، لاينبغي تملقهم ولا مداراتهم؛ حتى في صغائر الأموروجزئيات القضايا، لأن ذلك مما يزيدهم جرأة على الدين وارتكاب الكبائر من المعاصي والذنوب.
أما موقف الإنسان المؤمن من المتملقين؛ فيجدر به تقديم النصح والتعليم لهم، بأفضل الطرق والأساليب، ثم إذا رأى إصراراً على النهج، توجّب عليه استشعار مزيد الحذر منهم، ثم الوقوف بوجههم ومواجهتهم. أو الابتعاد عنهم، لأنهم كما الجراثيم الفتاكة ذات القابلية على نقل الأمراض بسرعة فائقة، إذ البلاء والعذاب الإلهي مترصّد بهم، ويتوقّع لذلك البلاء والعذاب أن يحلّ بساحتهم في كل آن، وليس مستغرباً أن ينزل بهم وبمن يرضى طريقتهم في الحياة ومسلكهم في التعامل.
وقد أوحى الله سبحانه وتعالى - كما يقول الإمام محمد الباقر (عليه السلام)- إلى شعيب (عليه السلام) أنه سيعذب مئة ألف من قومه، أربعين الفاً من المسيئين، وستين الفاً من الصالحين، فقال شعيب: هذا جزاء المسيئين فما بال الصالحين؟ فقال عزوجل: لأنهم داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي.
وفوق هذا وذاك، فإن المتملق يؤدي دوراً خطيراً للغاية مع من يصادق ويصاحب، إذ المصادقة والمصاحبة تقتضي من الصديق أن يبين له عيوبه ويتوجه إليه بالنصح بترك العيب والإقلاع عنه، إلا أن المتملق يغطّي على عيوب صاحبه، بل ويصورها له حسنات، فيزيده ضلالاً ويعمق فيه نقاط ضعفه، ليستغلها بما تمليه عليه مصالحه ومشروعه بعد حين.
نعم، إن الإسلام قد أولى اهتماماً لانظير له في إطار تربية الإنسان على الاحتفاظ بكرامته وعزته، وأراد له أن يكون كائناً مستقلاً حراً، فلا يتبع كل ناعق ولايتزلف لكل ذي قوة وسلطان، حتى أنه كان من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) تواضعه المعروف في مجلسه ومنطقه درءاً منه لكل متزلف، وكان يعلّم أصحابه طريقة الفصل بين حبهم له وبين اختلاط الأمور لديهم وبين ضرورة ولزوم طاعته لهم، بعيداً عن مظاهر التملّق والتذلل، وكان (صلوات الله عليه وآله) كثيراً ما يقول: (إنما أنا ابن امرأةٍ كانت تأكل القديد) فيجلس بين أصحابه وأتباعه حتى يعجز القادم الغريب على تحديده من بينهم مالم يدلّ عليه.
وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه أنكر على رجلٍ من محبيه كان قد قبّل يده الكريمة، ثم هوى على قدمه الشريفة ليقبّلها، فقال له (عليه السلام): (إن كان هذا ما تصنع لي فماذا ابقيت لربّك) نظراً لأن التذلل يفقد الإنسان قيمته وكرامته، والدين الإسلامي يأبى على ابن آدم أن ينتهي به المطاف إلى فقدان كرامته، إذ الكرامة وحدها هي ما يميّزه عن غيره من مخلوقات الأرض.