بين أمرين
مدخل الى الزاوية
|
ضياء العيداني
هذا هو عنوان زاوية ثابتة نرجو أن نوفق للاستمرار فيها وهي تسلط الضوء على مفردات ثقافية – اجتماعية يراها الانسان في احيان كثيرة على طريقين أو أمرين في حياته، وطالما نجده يأخذ بأحد الطريقين فيتعرض لمطبات والتباسات تضطره للوقوف حائراً تارةً، وقد توقعه في الخطأ تارةً أخرى، وهو في كل ذلك (بين الأمرين) يعتقد أنه في الطريق الصحيح ولا غبار على سلوكه وأعماله.
مثال ذلك التوكل على الله ومسؤولية الانسان، حيث البعض يقول بالاكتفاء بالتوكل على الله تعالى وأنه "من يتوكل على الله فهو حسبه"، لكن هل هذا منطق يقبل به الاسلام؟ قطعاً كلا، وإنما يدعونا الاسلام الى التوكل على الله وتحمل المسؤولية في نفس الوقت، ولا أن نسلك السبل التي يتحدث عنها البعض حالياً، بان على الانسان تحمل مسؤولية كل شيء، فتكون بيده الاسباب والنتائج، ولا دخل للعامل المعنوي في النجاح والموفقية.
وليس خافياً على قرائنا الكرام أن الاسلام كدين عالج قضايا الانسان كافة، وعلى كل الاصعدة السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والدينية، ووضع النقاط على جميع الحروف، الامر الذي يدعونا للعودة الى المنهج والمنهل، الذي سهّل الطريق اليه علماؤنا وباحثونا الاجتماعيون ولهم في ذلك كل الشكر والتقدير، فقد بذلوا الجهود المضنية ليحددوا لنا المعايير والضوابط وفق التعاليم الإسلامية الإلهية ومنهج النبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، لتكون الدليل لطريقنا في الحياة، كيف نتعامل مع المفاهيم والقيم ونستفيد منها لحياتنا خير استفادة، وكان لابد من الاشارة الى سماحة آية الله السيد هادي المدرسي، الذي أسهم بمديات بعيدة في الثقافة الاجتماعية على ضوء النظرية الاسلامية من خلال كم كبير من المؤلفات أغنت المكتبة الاجتماعية، وله ولجميع العاملين في سبيل الله جزيل الشكر والتقدير.
وفي مقابل هذا النموذج الاسلامي نجد اليوم نموذجاً آخر يسعى لوضع قوالب وأطر لمفاهيم وقيم اجتماعية تكون معياراً للفرد في حياته، وقد وقف هذا الآخر في النقيض من المنهج الاسلامي، لأسباب ليس أقلها نشوؤه في البلاد الغربية التي تستقي ثقافتها من خليط غير متجانس من الديانة المسيحية غير الحقيقية، ومن منظومة الأفكار والتصورات التي ابتدعها فلاسفة أوربا على مدى القرون الماضية، وما حصل هو ان بعض الطلبة والاكاديميين من ابناء مجتمعنا وربما بنوايا حسنة ارادوا الوصول الى النموذج الأصح والأمثل للفرد والمجتمع، فتوجهوا الى تلك البلاد، قبل أن يلقوا ولو نظرة الى تراثهم وحضارتهم الغنية بالمؤلفات والعلوم التي اعترف علماء الغرب انفسهم بثرائها وقيمتها الحضارية.
وكان شعار هذا البعض هو جلب النجاح لمجتمعهم بحقائب السفر من الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا أو اليابان وغيرها، غافلين أو متغافلين – والله العالم- أنهم يتخبطون في قضية النظرية والتطبيق، فربما يكون تصرف أو سلوك معين يُعد من ضروريات الحياة في الغرب، وهو هنا أمراً مستهجناً وحتى مضرّاً، فضلاً عن انه لايشكل الحل الناجع للمشكلة القائمة عندنا، مثالاً على ذلك (الخمر) يصنعه ويتناوله معظم أفراد المجتمعات الغربية وقاية من البرد، فيما نرى التشجيع وفسح المجال أمامه في مجتمعاتنا بحجة انه يساعد على الهروب من المشاكل! فنحن نهرب من المشاكل بالخمر ولم نتعلم منهم كيفية حل المشاكل من دون تناول الخمر.
وذهب البعض منهم ممن يُطلق عليهم بـ(المفكر) الى أبعد من ذلك، القول بان (الحجاب المبكر يصنع شخصية ضعيفة للمرأة في المستقبل)، أو انه كلما زادت الحشمة والالتزام الديني إزاء القضايا الجنسية زاد الكبت وانتشر الشذوذ الجنسي، ولعلهم في ذلك مصداق الآية الكريمة: "واذا تتلى عليهم آياتنا قالوا أساطير الأولين، "كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ".
ومن هنا نجد فشل الانظمة السياسية في بلداننا الاسلامية بسبب اتباعها النهج العلماني، فقد عجزت عن تقديم الحل والنموذج الذي ينسجم وتاريخ وثقافة الشعوب الاسلامية، لكن تبقى ثمة محاولات لترويج بعض المفاهيم والقيم بأشكال مختلفة وفي مناسبات عديدة، وإضفاء مسحة جديدة عليها، غير تلك التي جاء بها الإسلام الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وسلط عليها الضوء لتكون واضحة جليّة للمسلمين وللعالم كله، لذا نحن نعاني من مفردة (الحرية) لأن معظم الشباب وفي كل مكان يستحضر في ذهنه التحلل الخلقي والنظر الى كل شيء وفعل كل شيء. كما نعاني من مفردة (الارهاب) التي توجه أصابع الاتهام لكل من يروم المشاركة في نشاط اسلامي سواءً على الصعيد الفكري أو الاجتماعي أو حتى السياسي.
وختاماً نقول: ان المنهج الاسلامي وأحاديث المعصومين (ع) قد تركا نتاجاً ضخماً في هذا المجال وقد سعى كثير من علمائنا الأبرار والباحثين الى صب هذه الافكار بنظم اجتماعية لكي لا يكون للآخرين عذر بذلك وللمتطلع الموضوعي سوف يتضح مدى اهتمام الاسلام بهذا الجانب وكيف تؤدي به الى النجاح الحقيقي لا إلى تطبيق ماهو غير مضمون النجاح.
|
|