قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
سؤال عبر التاريخ..
هل يزيد الخليفة أم الإمام الحسين (ع)؟!
*طاهر القزويني
بعض جهلة المسلمين يقولون إن الحسين (عليه السلام) خرج على إمام زمانه وقد قتل بسيف جده!
هؤلاء لايعرفون شيئاً من التاريخ ولايفقهون دينهم وهم فضلاً عن ذلك لايقرؤون حتى كتبهم، وهذا هو أعظم الجهل حيث أن الشخص يقول بأشياء وهو لايعلم أنه يخالف بذلك الكتب المعتبرة لديه، ولا ندري أنصدّقه ونكذب كتبه؟
فقد ورد في كتب التاريخ كافة نصوص الاتفاقية التي أبرمها الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية وقد تضمنت بنوداً كثيرة لكن أهمها هي خلافة الحسن (عليه السلام) في حالة وفاة معاوية ابن أبي سفيان، وفي حالة وفاة الحسن تذهب الخلافة من معاوية بن أبي سفيان إلى الحسين بن علي (عليه السلام)، وكان هذا من أهم بنود اتفاقية الصلح التي جرت بين معاوية والإمام الحسن (عليه السلام).
وقد استشهد الإمام الحسن (عليه السلام) في حياة معاوية بن أبي سفيان، ونتيجة لذلك وحسب بنود إتفاقية الصلح فإن الخلافة كان يجب أن تذهب إلى الإمام الحسين في حالة وفاة معاوية.
ثم مات معاوية وقبل موته أوصى لابنه يزيد بالخلافة مخالفاً بذلك نصوص الاتفاقية التي أبرمها مع الإمام الحسن (عليه السلام)، وليس عجباً من بني أمية هذا الفعل الشائن الذي تمقته العرب فما بالك بالمسلمين.
لكن جناية معاوية ونقضه للعهود والمواثيق لاتسقط الحقوق والقرارات الملزمة عقلاً وشرعاً، فحسب القوانين الوضعية في ذلك الوقت كان الإمام الحسين (عليه السلام) هو خليفة المسلمين الشرعي حسب نصوص وبنود الاتفاقية بين معاوية والامام الحسن التي وقعها دون ضغط أو إجبار، وقد تحولت نصوص الاتفاقية إلى قوانين إجرائية، قام معاوية بتنفيذ الكثير من بنودها ولاسيما تلك البنود المتعلقة بدفع مقادير من الأموال للإمام الحسن (عليه السلام) ليقوم هو الآخر بدفعها إلى فقراء المسلمين وأسر الشهداء الذين قتلوا في صفين وغيرها من المعارك.
إن تنفيذ معاوية بن أبي سفيان للعديد من بنود تلك الاتفاقية مع الامام الحسن تؤكد انها كانت ملزمة بالنسبة إليه وكذلك بالنسبة إلى الزمرة الحاكمة من آل بني أمية وملزمة للمسلمين جميعاً، وبهذا الشكل نستطيع أن نفهم علة الرسائل التي بعثها أهل الكوفة للإمام الحسين (عليه السلام) بأن يأتي إليهم ليسوسهم ويقودهم إلى الخير والصلاح، فهؤلاء كانوا يعرفون بمضمون الاتفاقية بين الإمام الحسن (عليه السلام) ومعاوية، وانه حسب القوانين المدنية، لاتكون الخلافة إلاّ للإمام الحسين (عليه السلام)، فقد كانت الاتفاقية ملزمة للأمة مثلما هي ملزمة بالنسبة إلى السلطات الحاكمة، ومن هذا الباب فقد عملت الأمة بما يتوجب عليها فعله من مناصرة خليفة الحق، ودعوته إلى الكوفة ليتسلم مقاليد الأمور حسب القوانين المرعية آنذاك.
وربما يشعر القارئ أننا تحدثنا فيما مضى عن القوانين المدنية ولم نتطرق بشيء إلى التشريع السماوي، فنحن نعتقد بإمامة الحسين (عليه السلام) وهي منزلة أرفع وأسمى من منصب الخلافة، ولكننا أردنا الحديث عن هذا الموضوع إبتداءً حتى نقول لمن لايفقه في هذا الموضوع شيئاً، إن الإمام الحسين (عليه السلام) كان خليفة المسلمين بحسب القوانين الوضعية والأعراف الاجتماعية آنذاك، فضلاً عن كونه إمام المسلمين حسب الروايات والأحاديث الموجودة في كتب المسلمين جميعاً في أن الحسن والحسين إمامان قاما أوقعدا، فكيف يتوقعون بعد هذا كله أن يبايع الإمام يزيداً وهو فوق كل ذلك راكب الفجور شارب الخمور و...؟!
من هنا كانت خلافة يزيد مغتصبة، بمعنى أنه اغتصب منصب الخلافة وذلك من خلال نقضه للاتفاقية التي أبرمها أبوه مع الإمام الحسن (عليه السلام)، وكان الأجدر به لو كان مسلماً حقاً أن يلتزم بعهد أبيه والقرارات الرسمية التي كانت توجب نقل الخلافة للإمام الحسين(عليه السلام)، أضف إلى هذا أنه لم يكن الشخص المؤهل لقيادة الأمة، ولاتتوفر فيه الصفات اللازمة لمن يتقدم لمثل هذا المنصب، فلم يعرف عنه علمه بشيء من العلوم الإسلامية ما عدا معرفته باللهو واللعب مع القرود!
وقد كشف يزيد حماقته وغباءه عندما تصور أنه قادر على الاصطدام بالامام الحسين وقتله هو وأهل بيته وأصحابه بتلك الصورة الفجيعة، وقد تحمل بذلك لعنة الأمة والتاريخ، وعندما عرضوا على الإمام بيعة يزيد قال: (مثلي لايبايع مثله) وكل من يحترم نفسه ويحترم دينه لايبايع يزيد حتى وإن لم يكن بمنزلة الإمام الحسين (عليه السلام)، وهذا يجري على كافة علماء الأمة، فمن يحترم علمه لايمكن أن يبايع شخصاً مثل يزيد.
لكن هناك قضية هي غاية في الأهمية وهي: كيف تمكن رجل مثل يزيد وهو المتوغل في الرذيلة والانحطاط أن يتربع على مقادير الأمور ويجعل من نفسه أميراً للأمة؟
يبدو أن الأمة الإسلامية في ذلك الحين مرت بمراحل في حياتها جعلتها تتنازل عن الكثير من مبادئها والقبول بالواقع المزري الذي يحكمه يزيد.
فيزيد لم يأت من فراغ، بل جاء بعد تمهيدات ومؤامرات حدثت منذ وقت طويل، وأهم هذه التمهيدات هي عزل مقام الإمامة من حياة الأمة، فالناس بجهلهم أصبحوا لايفرقون بين يزيد والإمام الحسين (عليه السلام)، وهذه هي الجريمة الكبرى التي حدثت في التاريخ الإسلامي وأدت إلى أن يبقى الإمام الحسين بل وبقية الأئمة الأطهار (عليهم السلام) من بعده شبه وحيدين في الساحة يواجهون طغيان وانحراف السلطة وأيضاً المجتمع، ثم يستشهدون ويدفنون دون أن تحدث أية ضجّة في الأمة أو يهتز عرش خليفة مزيف أو حاكم ظالم.