قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
قصة من الواقع،
مصير الظالمين للحسين (عليه السلام)
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة 1-3
*علي فاضل
كانت الأيام أياماً عجافاً صعبة مرت على جميع الناس في العراق، ومنها مدينة كربلاء المقدسة، فمن جهة؛ كانت قرارات الدول الكبرى تعصف بالبلاد، بينما الممارسات الظالمة والسياسات القمعية للنظام الحاكم تنخر في بنية المجتمع بما أصبح معلوماً واضحاً للقاصي والداني.
من بين الذين عصفت بهم تقلبات الحياة واستهلكهم شظف العيش، سائق لسيارة حمل صغيرة له من الدنيا زوجة بسيطة وأولاد صغار.
استغرق محمود وهو يقود سيارته البسيطة، بأفكاره وهمومه، خصوصاً وأنه غادر بيته بعدما راحت زوجته وأطفاله الثلاثة يشكون له ما يحتاجونه من مأكل وملبس وغير ذلك.
فراح يفكر بالطريقة التي يوفر لهم ما يحتاجون بينما سيطرت على المدينة المقدسة أجواء الحرمان وبوادر الجوع والاضطرابات الأمنية، فيما تصل إلى الأسماع أصوات إطلاقات نارية من هنا أو هناك، لاسيما وأن السلطات والقوات العسكرية قد أنهت إلى حد ما جرائمها في القضاء على الانتفاضة التي انتشرت في المدينة، منذ وقت ليس بالبعيد، فكانت آثار الخراب وبوادر الجريمة واضحة للعيان.
ارتأى محمود أن يلجأ إلى ركن وثيق، علّه يتخلص به ومن خلاله من كل الهواجس التي تحيط به فقدحت في ذهنه فكرة قرّر بعدها أن ينطلق نحو الحرم الطاهر لسيد الشهداء (عليه السلام).
وحيث اقترب ترجّل من السيارة وخطا بعض خطوات نحو الصحن الشريف ولكنه اكتفى بأن راح يناجي سيده ومولاه من عند الباب الخارجي وهمس إليه بما كان يفيض من قلبه فشكا وبث من الهم بمدى إيمانه بريحانة المصطفى وأنه باب قضاء الحوائج حتى أحسّ بالدموع تتهاطل على وجنتيه فكفكف دموعه على عجل وعاد أدراجه نحو سيارته.
وفجأة! استولى عليه ذهول جامح إذ شعر بكفٍّ تربِتُ على كتفه وحيث التفت بهلع، وجد الحاج علي يخاطبه بصوت جهوري ويقول له:
أين أنت يا أبا شكري؟! لقد افتقدناك كثيراً ما هي أخبارك وأخبار سيارتك وهل مازلتَ تمتلكها؟
وهكذا أمطره بوابل من الأسئلة عن شؤونه حتى قال له أخيراً: إن كنت بلا عمل في الوقت الحاضر، فأرجو منك أن لا تمانع في الذهاب إلى مدينة الناصرية لتحمل لي منها كمية من الخضروات وبعض المواد الغذائية مؤكداً له أن العمولة سترضيه.
ازداد محمود ذهولاً من هذه العاصفة المفاجئة من الأسئلة والمجاملات والأكثر من ذلك شعوره بخفقان قلبه الغريب لسرعة استجابة دعائه لله بعد لجوئه إلى الإمام الحسين (عليه السلام) .
ثم رأى نفسه يرد على الحاج علي ببعض الكلام الطيب والتحية، معلناً ضمن ذلك موافقته الفورية على هذا العرض الرائع ولمَ لايوافق، وهو في أشد حالات العوز التي واجهها في حياته، العوز إلى المال والعمل وما يطعم منه أفراد اسرته.
وبعد الاتفاق العاجل، أوصاه الحاج علي بأن يقصد المنطقة المحددة، وسلمه العنوان الدقيق ليحمل البضاعة منها ويعود بها في نفس اليوم، فأكد له محمود أنه سيذهب ليخبر زوجته ثم يتوجه إلى مهمته.
غادر محمود بيته بعد أن شيعته زوجته إلى الباب، وهي تدعو له بالتوفيق والحفظ من كل شر فيما كان يردّد عبارات التوكل على الله والامتنان من مولاه سيد الشهداء؛ الذي كان خير وسيلة لحصوله على الرزق الحلال.
***
انشغل محمود بالتأكد من الحبال التي أوثق بها البضاعة البسيطة وسلم مقداراً من المال لصاحب المحل الكبير المتوفرة فيه أنواع الأطعمة والفواكه والخضروات وانطلق مستبشراً بما ستعود عليه مهمته من رزق مبارك.
حيث كان محمود سارحاً بفكره، وماذا سيشتري لأطفاله ليدخل السرور على قلوبهم إذ كان يعلم أنهم ينتظرونه مع أمهم بفارغ الصبر لم يجد نفسه إلا وقد اضطرته سيارة اجتازته بسرعة جنونية، فلم يتمكن إلا من الانحراف إلى جانب الطريق، لكن المصادفة المشؤومة أنه رأى أمرأة في مواجهته مباشرة، كانت واقفة على حافة الطريق ومهما حاول الضغط على كوابح السيارة إلا أنه عجز عن تحاشيها فاصطدم بالمرأة التي كانت تقترب من سن الشيخوخة وهي تنظر إليه محدقة بذهول ودهشة.
هاج الاضطراب والهلع بمحمود الذي ترجل من السيارة بعد لحظات أحسّ خلالها أنه في كابوس رهيب فيداه بدأتا بالارتجاف، وجبينه تصبب عرقاً بينما راح يضرب على رأسه وهو يصرخ باسم الحسين وأبي الفضل (عليهما السلام) وحيث أسرع إلى المرأة المطروحة على قارعة الطريق، لم ينتبه إلى تعثره المرة بعد الأخرى فأوصل نفسه إليها ليسعفها شيئاً ما ولكنه وجدها جثة خامدة، وكأنها ميتة منذ أمد بعيد.
حدّق محمود بالجثة وبدأ يندب حظه العاثر، متحيراً فيما عليه أن يصنع، أ يلوذ بالفرار؟ أم يحمل هذه الورطة الكبيرة إلى أقرب مستشفى؟! وماذا للمستشفى أن تفعل بهذه الجثة؟ هل يسلّم نفسه لمركز الشرطة؟ وماذا سيكون موقفه من ذوي المرأة القتيلة أو تجاه أسرته، وهو الذي ودّعها لطلب الرزق الحلال في هذه المهمة التي تخيّلها بسيطة في بداية الأمر بل إنه تساءل في نفسه عما إذا كان هذا هو الرزق الذي أكرمه به الإمام الحسين (عليه السلام)؟!
ولكنه قرر في نهاية المطاف أن يسلم أمره لله تعالى ثم يسلم نفسه للشرطة بعد أن يحمل الجثة إلى أقرب مستشفى، أو يطرحها على بابها، وفعلاً قام بذلك، وهو غافل عن أن الطريق أثناء الحادث ولدى حمل الجثة كان شبه خالٍ من السيارات حيث لم يلتفت إليه أحد فطرح الجثة عند باب مستوصف المدينة، وقفل راجعاً حيث سلّم نفسه إلى مركز الشرطة، إذ قدّم نفسه لضابط المركز بعد أن شرح له القصة، قصة الحادث، بالكمال والتمام.
فما كان من الضابط إلا أن قام بمهامه الروتينية، ثم أمر أحد أفراد شرطته القلائل، بسوق محمود إلى غرفة التوقيف.
فوجد محمود نفسه يجلس في غرفة الاعتقال الموقت، وكانت غرفة أو قاعة بسيطة جداً فاستلقى على بساط متواضع، وهو لايشعر بالوقت الذي يمرّ عليه حتى جنّ عليه الليل، فغفا في هجيع منه بعد أن توقف ذهنه عن تصور ما سيلقاه في الغد رغم أن آخر كلمة نطق بها قبل أن يستسلم للنوم كانت: يا حسين! يا أبا عبدالله!
نهض محمود مصعوقاً على صوت الباب العتيق لغرفة التوقيف حيث فتحت والشرطي المخضرم الذي صاح باسمه مجلجلاً فاستعاذ بالله منه، بعد أن عاد إليه وعيه فتذكر ما أصابه بالأمس وحين ساقه الشرطي إلى الضابط رأى ثلاثة أشخاص جالسين وهم يرتدون الملابس العربية.
سأله الضابط عما إذا كان يعرفهم أم لا؟
فأجابه بالنفي القاطع.
فأخبره الضابط أنهم من أقارب المرأة التي صدمها يوم أمس فتأكد لمحمود أنه مقضي عليه لا محالة، خصوصاً وأنه على علم مسبق بالأعراف والتقاليد العشائرية المعقدة لأهالي تلك المنطقة، فتجسدت أمام مخيلته في ذلك الموقف المريب وفي تلك اللحظات الحرجة صورته وهو يساق إلى حبل المشنقة، بل وكيف يلفظ أنفاسه الأخيرة، بسبب حادث عرضي لم يكن مسؤولاً عنه.
ولكنه إذ ذاك، عاد إلى وعيه على صوت الضابط الذي سلّمه مفتاح سيارته، مؤكداً له أن هؤلاء الأشخاص قد وقّعوا على وثيقة التنازل عن كافة حقوقهم تجاهه آمراً إيّاه بكل غضب وانفعال بالإسراع بالمغادرة حتى أنه - من فرط هلعه ومفاجأته - لم يجد الفرصة الكافية لإبداء الشكر لهم أو الاعتذار والمواساة لهم فخرج مسرعاً من مركز الشرطة غير مصدّق لما رأى وسمع وركب سيارته بكل ارتباك، منطلقاً بها بما سنحت له سرعتها، بعد أن راح ينظر في مرآتها الداخلية يحدّث نفسه بما سيقول لصاحب البضاعة ولأسرته عن سبب التأخير.
***
أفرغ محمود البضاعة للحاج علي في محله وأقبل عليه هذا الأخير بكل لهفة عن سبب التأخر المريب وهمّ بتقديم المبلغ المتفق عليه، ولكنه غادره بسرعة، مما زاد في إثارة تعجب الحاج علي إزاء هذا التصرف حتى أنه ناداه باسمه أكثر من مرة غير أنه لم يلق في محمود أذناً صاغيةً، بعد أن انطلق بسيارته مبتعداً.
***
أوقف محمود سيارته عند باب بيته، ودخل مسرعاً، فاستقبلته زوجته وطفلاه اللذان تعلّقا به بكل لهفة، وبادرته زوجته بوابل من الأسئلة فيما كان لايزال مأخوذاً بتداعيات الحادث، فلم تجد الزوجة الحنونة إلا أن أسرعت إليه بقدح من الشاي فتناوله منها بعد أن ألقى بنفسه على أريكة كانت تتوسط قاعة الاستقبال المتواضعة.
وبعد هنيئة بدأ محمود- فيما طفلاه يتلاعبان في زاوية من البيت- يقصّ على زوجته كل ما اعترضه من الأحداث، أما منظر زوجته إذ ذاك، فلم يكن أقل إثارة وتأثراً وذهولاً، ثم إنها سألته عما يزمع القيام به، فأجابها بأنه يجهل ما ينبغي أن يصنع ثم طلب منها أن تعدّ له فراش النوم وبعد أن استلقى عليه وجد نفسه ينقلب مضطرباً أرقاً فيما حاولت زوجته أن تخفّف عنه وتذكّره بضرورة التوكل على الله، خصوصاً وأن ذوي المرأة القتيلة قد تنازلوا عن حقهم ولكن؛ أنّى له بالهدوء وهو الذي لم يواجه مثل هذا الموقف من قبل!
***
في صباح الغد، أخبر محمود زوجته بعزمه على التوجه إلى الحاج علي ليخبره تمام القصة، ويطلب إليه أن يعثر له على الحل المناسب لأزمته فودعته وهي تتوسل وتستغيث بالإمام الحسين وأبي الفضل العباس أن ينجي زوجها من حالته النفسية التي استولت عليه وقلبت حاله.
دخل محمود على الحاج علي الذي لم يضيع وقتاً في إمطاره بوابل أسئلته فكرّر عليه محمود تفاصيل قصته، طالباً إليه أن يرشده إلى حل مناسب، خصوصاً وانه كان يعرف بفطنة الحاج علي ومكانته الاجتماعية والاقتصادية في السوق، ومدى احترام الناس له.
فأطرق الحاج علي طويلاً، وهو يقلب مسبحته وقد بدت عليه علامات الاهتمام الشديد، وبعد فترة ليست بالقصيرة، كان محمود خلالها يراقب حبات المسبحة وهي تتقاطر على بعضها رفع الحاج علي رأسه نحو محمود وقال له:
يحلّها حلاّل المشاكل! أرى أن نصطحب معنا يا محمود بعض المعارف من رجال السوق، ونقصد أهل المرأة التي دهستها، ونواسيهم ونقدم لهم الاعتذار، ونستمع إلى أقوالهم، ونرى ما يطلبون من دية.
فقاطعه محمود قائلاً:
كأنك يا حاج لاتعرف أهل تلك المنطقة وتقاليدهم وأضاف محمود بارتباك:
ولاشك أنهم سينتقمون منّي إذا عدت إليهم، ورأوني ثانية ولن يرضيهم بدل الدم مال.
فردّ عليه الحاج علي بالقول:
-أتفهّم مخاوفك وقلقك، لكنني على يقين يا محمود، من أن الذي أخرجك من مركز الشرطة وخلّصك من هذه الورطة، لايغيب عنه، أو لايصعب عليه أن يكفيك كل شر، هل تدرك ما أقول يا محمود؟ هل تعي قصدي جيداً؟
- نعم، قال محمود.
- وهل نسيت أنهم كانوا قادرين كل القدرة على قتلك، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، وتنازلوا عن حقهم، ثم أضاف الحاج علي قائلاً: لابد من وجود سركبير، وكبير جداً وراء تصرفهم هذا .
ثم إن الحاج علي أكد لمحمود أنه سيخبر بعض وجهاء السوق ليتوجهوا معه إلى أهل القتيلة ويروا ماذا يقضي الله ويكتب.
ثم إنهما اتفقا على الخروج والسفر في يوم الغد فشكره محمود على موقفه منه داعياً له بالخير وتسديد الرأي.
*تتمة الحكاية في العدد القادم