لنضع ثقتنا بمن يستحق
|
*علي ضميري
الإنسان بطبعه كائن اجتماعي، وهكذا خلقه الله سبحانه وتعالى، ومن هنا كان لابد له من العيش مع أبناء جلدته من أفراد عائلته وأقربائه وأصدقائه، وأبناء مدينته وبلاده، بل المطلوب والمتوقع منه أن يتواصل ويتبادل الأمن والاحترام ويتعايش مع من يلزم من أشخاص البلدان الأخرى.
وبعد اقتناعه التام بضرورة العيش مع الجماعة وتبادل المنفعة والمصلحة معهم، وعدم امكانية العيش بصورة منفردة وانعزالية، يجد نفسه أمام الخطوة الثانية وهي الدخول في أنواع وأشكال من التعامل مع الآخرين، والذي يتطلب قبل أي شيء تشييد جسور الثقة بينه وبين الطرف المقابل، سواء أ كانت هذه الجسور تصل الى جماعة معينة أم شخص معين.
وفي ظل هذه القاعدة والحاجة الإجتماعية تظهر الحاجة والضرورة للتعرف إلى الصفات والمميزات اللازم توفرها في الإنسان ليكون جديراً بالثقة والاعتماد عليه وبعبارة أخرى، من هو الشخص الجدير بالثقة؟ وبمن نثق أساساً؟
فيا ترى أ أن الكلام الجميل لوحده مدعاة لوضع الثقة بصاحب هذا الكلام؟ أم أن المنظر الجيد والهيئة الفذة كافيان للاعتماد على من يتمتع بهما، دون التأكد من واقعهم وماضيهم، ومع الجهل بمدى التزامهم بالتعاليم الدينية والأوامر السماوية، أو حتى تحليهم باحترام القواعد الإنسانية المتعارفة والنبيلة؟
قبل الخوض في تفصيل الإجابة، علينا التأكد من وجود أشخاص وهم كثّر تتحكم بهم الازدواجية الشخصية، حتى أنهم يبطنون ما لايعلنون، ويتظاهرون بما لا يملكون، خدمة لأهدافهم ومصالحهم، فتراهم يتقربون ويتحببون بمختلف المدّعيات والأقاويل والشعارات، لمن يتخذونه فيما بعد جسراً لتحقيق مآربهم وأمانيهم، ولعلهم يضفون على أنفسهم صبغة غير صبغتهم الباطنية والحقيقية، فينجحون في كثير من الأحيان في التلاعب بعقول وأفكار من يتقربون ويتزلفون إليه، فيكسبون ثقتهم، وهم في حقيقة الأمر ليسوا أهلاً للثقة أبداً.
ويمكن أن يكون السبب في ذلك أن الإنسان في بعض الأحيان لا يولي التأكد والتحقيق عن شخصية وسلوك من يجعلهم محط ثقته ومورد اعتماده، اهتماماً يذكر ولعله يكتفي بما تمليه عليه الظواهر ومعلوم أن هذا المنحى من التعامل ليس من العقل في شيءٍ، إذ العقل يكره ويأبى على صاحبه الانخداع ولا يستحسن السذاجة مطلقاً، إضافة إلى أن الإسلام وتعاليمه الفذة يرفضان الوثاقة دون التحقق مع التأكيد على الإبتعاد عن إساءة الظن.
فقد أوصانا ديننا الإسلامي بأن لانجعل من حياتنا كتاباً مكشوفاً وساحلاً مشرعاً، وأن لانكشف سراً من أسرارنا إلا عند الضرورة، وكذلك لانميط عنها اللثام إلا لمن اختبرنا فيه رجاحة عقلة، وحسن أمانته، وشهرته الطيبة.
وليس خافياً أن هذه الصفات لاتتمثل ولا تتوفر إلا لدى من يخشى الله عز اسمه
بل إن الشارع المقدس حذرنا من مجرد مشورة من لايعرف خوف الله إلى قلبه سبيلاً ومجرد المشورة قد لاتقدم ولاتؤخر في قرار الإنسان شيئاً، مادام قد عقد هذا الأخير عزمه. فكيف بقضية إيلاء الثقة والاعتماد على شخص ما، هذا الأمر الذي قد يكلف المرء حياته في بعض الحالات والأحيان.
ولقد نعرف كم وضع الدين شروطاً في إطار موضوع تقليد المكلف لمجتهد من المجتهدين، وهو الذي يعكس حالة من حالات الاعتماد والثقة بهذا المرجع أو ذاك.
مما يشير إلى أن المطلوب منا فيما يتعلق بتحقيق الغايات النبيلة والمشروعة، أو إنجاح مشاريعنا المعنوية والمادية، أو مجرد القيام بعمل ما، كانتخاب الممثلين السياسيين في سلطة البلد مثلاً عدم وضع الثقة في أي كان، لاسيما في الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعيشها مجتمعاتنا المعاصرة، أياً كانت شعاراتها وادّعاءاتها، لأن عكس ذلك يكلفنا الكثير من الخسارة والندم.
وما علينا إن اعتمدنا وسلكنا طريقة التحقق والتأكد من الشخص أو الجهة التي ننوي الثقة بها، والله عزوجل يقول لنا: "إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا" (الحجرات،6) أي تحققوا لمجرد التأكد من نبأ ما، وسيّان فيما إذا كان هذا النبأ مهماً جداً، أو على درجة أدنى من الأهمية، فلا نصدق كل خبر يصلنا، لاسيما إذا كان الناقل شخصاً معروفاً بعدم التقيد بشروط وصفات العدالة، لأننا إن صدقناه دون تأكد، فلعلنا نظلم قوماً آخرين، أو لعلنا سندخل أفكاراً مشكوكاً بصحتها إلى أذهاننا فنبني عليها قناعاتنا، والأفكار كما هو معروف هي المحرك للإنسان وتصرفاته.
ولابد أن نعرف، أن هذا المطلوب منا يتفاوت كل التفاوت مع الحالة السيئة والمدانة سلفاً حيث يبدأ الإنسان فيها بالشك والريبة بكل من يصادفه ويلقاه، أو هو على اتصال وعلاقة به، إذ الإنسان مطالب عقلاً وشرعاً في الوهلة الأولى أن يميّز نفسه بقوة الشخصية وبالذكاء والفطنة، وقد قال أميرالمؤمنين عليه السلام بهذا الصدد: (لاتكن صلباً فتكسر، ولا تكن ليناً فتعصر).
فلا يدع الفرد، ولايسمح للآخرين، وبخاصة من يجهل حقيقتهم باستغلاله، فينالوا غاياتهم السيئة منه أو بواسطته، بعد أن يمهد لهم أن يخدعوه بأحاديثهم المعسولة ومظاهرهم الكاذبة، وإنما عليه بالدرجة الأولى أن يتحلى بالإيمان والبصيرة والاستفادة من التجارب، لينجح كما نجح ذوو العقول الراجحة والبصائر النيّرة.
ومن أجل كل ذلك، نجد أنفسنا ملزمين باختبار الصديق قبل أن نضع فيه كل الثقة، ثم لنتعرف إلى هدف من نشترك وإياه في عمل ما أو مسيرةٍ ما، وهذا الاختبار الذي يفضي إلى التأكد، مالم نحقق منه ربحاً ما، فهو على أقل تقدير يجنبنا أية خسارة فلا نضطر إلى الهزيمة وإعلان تعرضنا للغبن.
|
|