قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
محاضرة يلقيها... سَمَاحَةُ المَرجِعِ الدّيني آيةُ اللهِ العُظمى السَيد مُحَمّد تَقِي المُدَرّسِي
الإشاعات والاتهامات المتبادلة معول لهدم المجتمع
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة إعداد: ضياء باقر
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
"إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ * لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (سورة النور).
آمنت بالله...صدق الله العلي العظيم
المجتمع الايماني، يكون افراده متعاونين وهدفهم التواصي بالخير والتعاون عليه وحينما يواجهون خطراً ما فانهم يواجهونه كبنيانٍ مرصوص، واذا عمروا البلاد عمروها بإيدٍ قوية، ونفوس طيبة، وإخلاص نقي، واذا أصابهم خير فإن الخير يعم الصغير منهم والكبير، القوي والضعيف، كل أولئك يتساوون في الخير الذي يصيبهم؛ ولكن السؤال ماهي ركائز هذا التعاون الاجتماعي؟ ولماذا نجد أن بعض المجتمعات التي من المفروض أن تكون ذات صبغة إيمانية وإسلامية رفيعة، نجدها فاقدة لمثل هذه الصفات، كالتعاون والتكافل، والتشاور والتواصي بالخير؟
القرآن الكريم يبين لنا في سورة النور التي يبدو انها خصصت لبيان البيت الإسلامي الرفيع، ذلك البيت الذي يستلهم صفاته من بيت النبوة والرسالة، ومن بيت النبي (ص)، وبيت علي وفاطمة والحسنين (عليهم الصلاة والسلام)، "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ" فهذه الآيات من سورة النور تدور حول كيفية بناء هذا البيت، البيت الرفيع الذي بنته السماء لكي ترفع باستمرار بيت العزة والكرامة والمثل والقيم والذكر، هذه السورة حينما تحدثنا عن هذا البيت الذي من المفترض ومن الضروري ومن الواجب أن يكون مثلاً لكل بيت، بل للمجتمع الاسلامي الذي هو بعمومه بيت واحد، فالانسان هو ابن لمن هو اكبر منه، وأخ لمن هو في سنه، وأب لمن هو أصغر منه، هكذا علّمنا الإسلام ان نعدّ البيت كياناً واحداً وهو بيت الجميع، لكن السؤال لماذا اذن نجد في هذا المجتمع بعض الخلل، ونجد ثقافة بعض الناس غير اسلامية، وسلوكهم غير اسلامي، بحيث أن الواحد منهم يريد أن يربح على حساب الآخر، أو يريد أن يربح بضرر الآخر، لا يتعاونون على البر والتقوى، وإنما يتعاونون على الإثم والعدوان لماذا ؟!
الجواب على ذلك: الثقافة لهذا المجتمع لم ترقَ لحد الآن الى مستوى ثقافة المجتمع الاسلامي الأصيل، لأن معرفته قليلة، ولا يعرف ماذا يفعل، فتجد أن المجتمع الاسلامي الواحد الذي يقول عنه القرآن الكريم "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" ويقول عنه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): (المؤمنون كالجسد الواحد...)، لم يصل الى تلك الثقافة ولم يصل بعد الى ذلك المستوى.
ومن هنا أريد ان استلهم من آيات هذه السورة الكريمة معنى وأسباب وركائز الثقافة الاسلامية فيما يتصل بالمجتمع وبوحدته وتعاونه، وبتشاوره، والقرآن الكريم يضرب لنا مثلاً عن حادثة وقعت في عهد النبي (ص)، هذه الحادثة هي أن بعض المنافقين اتهموا بعض أزواج النبي (ص) بالإفك، ومثل هذه الشائعة عادة تنتشر لأن الخبر المثير هو الخبر الذي يتصل بالدين والسلطة والجنس، وفي هذا الخبر كانت تتوفر المواصفات الثلاث وهي متعلقة بالرسول الأكرم، فالنبي كان هو طرفاً في هذه الشائعة، كما كان زعيماً وقائداً، والأمر الثالث كان حديث إفك، ولذا انتشرت هذه الشائعة في المجتمع انتشار النار في الهشيم، واذا بدأت الألسن تلوك، وأخذ الناس يعبر احدهم الشائعة للآخر بدون أن يسأل هل أن هذا صحيح؟ (سماع رواية لا سماع رعاية)، دون تثبيت على هذا الأمر، فنشروا الشائعة، فنزلت الآيات الكريمة، والمعروف أن المثل القرآني يعمّ، لأن القرآن الكريم ينزل في أناس ويجري في غيرهم من الذين هم بصفتهم، فإذا نزلت آية في شخص لا تستمر في هذا الشخص بل تنطبق على غيره حتى لو كان في غير زمانه كقوله تعالى "تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ" حيث نزلت هذه الآية في أبي لهب، لكنها تنطبق على غيره ومن يسير على نهجه، ويعمل مثل عمله، فيقول له القرآن "تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ"، ونفس الآية تنطبق عليه، وكذا الحال بالنسبة للشائعة، فالشائعة في هذه الأمة هي نفسها في تلك الامة، والقرآن الكريم يقول عن المجتمع الذي تنتشر فيه شائعات السوء ويخوض الناس فيه مع الخائضين، ويتحدثون باللغو، ويهتمون بالشائعات، هذا المجتمع غير اسلامي، لماذا؟
قبل أن أجيب عن هذا السؤال وأفسر هذه الآيات الكريمة، أبين لكم قضية اخرى، أهم ما يؤكد عليه الدين وما تؤكد عليه قوانين الأرض كلها تقريباً وهي بناء الأسرة، يعني حرمة الزنى هذه حرمة شديدة جداً، فالزنى المُحصن حده القتل، والزنى بذات محرم حده القتل، والزنى بالإكراه حده القتل، أقرأوا كتاب الحدود في الاسلام وهذا بإجماع الفقهاء من جميع المذاهب الاسلامية بلا استثناء، والزنى غير المُحصَن مع الشهود الأربعة يكون حده كما تعرفون الجلد بثمانين جلدة، حتى لو مات تحت الجلد، لذا فإن أشد الأمور حرمةً هو الزنى، والنظر الى الأجنبية سهم من سهام إبليس وحرام، والبيت يجب أن يكون محصناً، واذا كان هناك شخص قد اطلّ عليك من بيت آخر فإذا نهيته ولم ينتهِ وزجرته ولم ينزجر، لك الحق أن تضربه بالسهم وتعمي عينه، والرسول (ص) كان جالساً في حجرة من حجره مع بعض أزواجه فإذا بشخص ينظر من شق الجدار، فالنبي اخذ عصا وأقبل عليه فولى الشخص هارباً، فقال له النبي: لو لم تهرب لفقأت عينك، لماذا يقول نبي الرحمة هذا؟ لأن البيت يجب أن يكون مُحصَناً ولا يجوز خرق البيت أنّى كان، يجب أن تكون عائلة كريمة، لأن الأسرة طريق لوحدة الأمة، والأسرة هي الأب والأم والأطفال، الى الأسرة الكبيرة والى الأسرة الأكبر والعشيرة فالقبيلة، هذه حلقات لتوحيد الأمة، التي بعضها يتصل ببعض فتسهم في توحيد الناس، وأهمية الأسرة هو أنها اللبنة الأساسية لبناء الأمة.
إذن هدف الإسلام الأبعد من الأسرة هو بناء المجتمع الفاضل والقوي والرصين، أليس كذلك؟ أما ما يخترق هذا البناء من الزنى والشذوذ الجنسي واختراق حصانة البيوت وما أشبه، فكل ذلك يفرق الأمة فلذلك يحرمها الإسلام تحريماً كاملاً كما يحرم ثقافة الشائعات الباطلة، أو الكلام السيئ، والتهمة، أو الغيبة، أو إشاعة الفاحشة، كل هذه تقوم بنفس الدور الذي تقوم به الفواحش الأخرى، مثلما الزنى يمزق المجتمع، فان إشاعة الفاحشة وإشاعة التهم أيضاً تمزق المجتمع، لذلك في احاديثنا بأن حرمة الغيبة كحرمة الزنى، لماذا؟ لأن عندما يغتاب الناس بعضهم البعض سيتمزق المجتمع وتتحطم وحدته، قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ" يعني المجتمع المتفرق النبي منه بريء، فمن اجل وحدة المجتمع لا بد أن تكون الثقافة طيبة، وذلك حينما تكون الكلمة طيبة والتوجيه طيباً.
أيها الأخوة:
انظروا الى هذه النقطة، إذا جاءك شخص وتكلم عن شخصٍ ثانٍ وسبّه فأنت أمامك ثلاثة مواقف:
الموقف الأول: أن تذهب للشخص المعني وتقول له بأن فلاناً قد سبّك، فتكون ممن وصفهم الله تعالى: "مشاء بنميم" وهذا حرام طبعاً.
الموقف الثاني: لا تنقل الكلام الى الشخص المعني بالكلام إنما تذكر الكلام لأشخاص آخرين كأن تقول لهم: كنت جالساً وجاء فلان وتكلم عن فلان بسوء، فهذا يدخل تحت عنوان الغيبة، "أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ".
والموقف الثالث: تذهب إليه وتقول له: كيف هي علاقتك بفلان فيقول لك: ليس لي معه علاقة، فتقول له: بل جاء عندي ومدحك وقال بأنك إنسان طيب، صوّام، قوّام.... الى آخره، يمكن أن تكذب عليه، فتقول الكلام الطيب على عكس ماذكره الشخص للإصلاح، فإن ذلك الشخص كان قد سبّه وأنت تكلمت على مدحه، وهذا ما يسمونه بالإصلاح، والكذب في الإصلاح صدق عند الله، وتذهب عند الثاني وتقول له: إن الشخص الذي تكلمت عنه قد مدحك بغيابك أمامي وتكلم عنك بكلام طيب، فهؤلاء عندما يرى احدهم الآخر في الشارع سيسلّمون على بعضهم البعض ويتفقون.
إن المجتمع الاسلامي يقول: الكذب في الإصلاح صدق عند الله، بدلاً من أن تمزق وحدته، وبدلاً من أن تحكي عليه اذهب وغير الحديث 180 درجة حتى يتصل الطرفان مع بعضهما، أما أصحاب (الإفك) في أيام النبي (ص) قاموا بعمل خاطئ وأن هذا العمل الخاطئ أدبهم لماذا؟ لأن الآيات قد نزلت والناس استغفروا ربهم وتوحدوا، "إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُم" وهذا الافك لم يأت من غريب، ولا تقعدوا دائماً وتقولوا الإستعمار والاجانب، لا والله، فالمشكلة منك (بسمارچ منچ يالوحة)، "إنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُم" يعني أصلحوا أنفسكم، لاحظوا الخلل في داخلكم، لا تنظروا الى الآخرين، وانظروا الى انفسكم، "لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ".
ففي بعض الأحيان تظهر في المجتمع إشاعة، لكن أصحاب البصائر والرؤيا الصحيحة يواجهون هذه الإشاعة، فتتحول الإشاعة الباطلة الى إيجابية في الأمة، لأن الأمة تصلح نفسها بهذه الطريقة "لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ" وكل شخص اشترك في هذه الإشاعة ولم يتثبت ونشرها فهو شريك فيها، "لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ"، أما اذا كان شخصٌ كبير في السن أو عالم دين أو سياسي رفيع أو عضو في المجلس البلدي او مجلس المحافظة او عضو في البرلمان أو أي شخص له شخصية، اذا دخل في الإشاعة فذنبه عظيم لماذا؟ لأن الناس يرون التدين فيه وجهه، وهو ينشر الرذيلة والفساد في المجتمع – لعنهم الله – ولا وفقهم الله "وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ" يعني ذنب هذا الإنسان يكون أعظم من غيره لأن الناس يجدون فيه ملجأ وكهفاً للكلام الصحيح، فاذا هو ينشر الفاحشة ويشيع الجريمة فيكون ذنبه أعظم "لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ" المجتمع ماهو دوره؟ دور المجتمع هو التحصن ضد الإشاعات الباطلة، "لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً".
يعني يا أخي؛ حينما تتكلم على الدولة، فانك انت الذي انتخبتها، وإذا تكلمت عن مرجع، فهو مرجعك، وعندما تتكلم عن عالم دين فهو عالمك، فالكلام يرجع إليك، فمن يبصق في السماء ينزل مابصقه على وجهه، يعني انتم إذا اشعتم الفاحشة والغيبة والتهمة، وفي المجتمع يسود الكلام السلبي دائماً، فهذه السلبيات ترجع اليكم "لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ" فهذا كلام باطل، وما دام الكلام ليس فيه شهداء فهو باطل حتى لو كان حقاً لكنه باطل لماذا؟ لأن الإسلام لا يريد أن ينتشر في المجتمع مثل هذا الكلام السلبي "لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ" لا أدري أ أن هذا الكلام حق أم باطل؟
لاحظوا هذا المثال: أربعة كانوا جالسين على شرفة، وفي الطرف الآخر كان هناك بيت عليه ستارة، فأزيلت هذه الستارة وأذا شاهدوا بأن انساناً يزني بأخرى شاهدوا الزنى مباشرة ففضحهم الله، وثلاثة من هؤلاء ذهبوا عند الحاكم وقالوا: اننا شهدنا (كذا وكذا)، فقال لهم الحاكم: أين الرابع؟ فقالوا: إنه آتٍ في الطريق، فقال لهم: ما دام لم يأت معكم فاضربوهم سبعين جلدة حد القذف، فيقولون له: لكنه آتٍ في الطريق، فيجيبهم: مادام لم يأت معكم في نفس اللحظة فلا نقبل منكم شهادة، يعني الإسلام دقيق ويريد التثبّت ولا يريد كل شخص يتكلم عن الثاني بلا دليل أو برهان، نعم هناك مراجع قضائية وجهات معينة يوصلون لهم الخبر وهم يتخذون القرار وهناك محكمة وقضاء فهذا بحث آخر، أما نشر الفساد في المجتمع - العياذ بالله - فهذا غلط كبير، المبتلون بأمراض معينة مثل السل والإيدز، الشيطان يوسوس لهم وهذا ثبت علميا فيقول لهم: لماذا أنتم فقط المبتلون بهذا المرض؟ دع غيرك يبتلى به أيضاً! فيشرب من قدح هذا وذاك ولا يقول لهم أنا مبتلى ليبتلي الآخرون مثله، فهؤلاء الذين يشيعون الشائعة لهم نفس الحالة ولديهم عقدة في داخلهم وحقارة يريدون أن يبثوا هذا في المجتمع، حتى يكون المجتمع مثلهم، لذلك الإسلام منع ذلك فقال: هذا كذب "وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" يعني هذا وراءه نقمة إلهية.
نحن في ليالي الجمعة وفي هذه الليلة انتم مدعوون الى قراءة الأدعية المباركة والدعاء لأهل العراق للخلاص والنجاة من هذه الكربات، نحن في أدعية في مثل هذه الليالي نقرأ (اللهم إغفر لي الذنوب التي تنزل النقم) ما معنى النقم؟ فالإرهاب وقلة الخدمات وانقطاع الكهرباء والمرض وانتشار الأوبئة وغيرها أليست بنقمة، فالدعاء ماذا يعني (اللهم إغفر لي الذنوب التي تنزل النقم)، وهذا يعني أن هناك ذنوباً معينة نحن نرتكبها فالله ينزل علينا بسببها النقم أو قد ارتكبناها سابقاً فلم نستغفر منها ولم نتب منها فتنزل النقم علينا، فيا أخواني: هذا جدّ وليس بهزل، يومياً يموت بين (50- 60) شخصاً في العراق، فبأي حساب والى متى؟ ربما هناك عوامل مادية لكن ايضاً هناك عوامل معنوية، تعالوا نراجع أنفسنا ونستغفر الله سبحانه وتعالى لعله من أسباب هذه النقمة هذه الروح السلبية السائدة، هذا الكلام الذي ينتشر بين الناس بعضهم البعض، الكل يتكلمون عن بعضهم، هذه الشائعات في المجتمع لعل هناك نفوساً مريضة، ضعيفة، معقدة، لعلها هي التي تصنع الشائعة لكن الناس يجب أن يقفوا أمامها كالبنيان المرصوص، إذا سمعوا كلاماً عليهم أن يقولوا: هات دليلك، أو يقولوا: هذا ليس بدليل فأحظر دليلك وإلا فأنت كاذب، "فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ" فما دمت لم تأتني بدليل قاطع فانت تكذب، يقول: أنا لم أقل، نعم قالوا لك وانت نشرته فأنت مشترك مع ذلك الذي قال لك، فهذا كذب، فتعالوا نبنِ المجتمع على أسس نظيفة، والكلمة الطيبة كلمة الإصلاح، وكلمة العدل والحب والألفة، هذه الكلمة يجب أن ننشرها في المتجتمع، واذا نشرنا هذه الكلمات في المجتمع فإنه سيتوحد وإذا توحد فإنه يتعاون على البر والتقوى ويتشاور في أموره ويتواصى بالخير والحق والصبر وهذا المجتمع يصبح كالبنيان المرصوص، أما اذا مزقنا أحشاء هذا المجتمع بهذه الكلمات الفاسدة فالمجتمع يصبح كما هو عليه الآن.
نحن اليوم بحاجة الى أن نؤدب أنفسنا، ولعل هذه المشاكل والنقم والصعوبات والكوارث التي تتوالى على بلدنا، لعلها إنذار، يعني حتى ننتبه نحن ونتوجه ونغير سلوكنا حتى يتغير المجتمع باتجاه صحيح، لكن إذا لم نسمع ونتغير ونتوجه ونعمل ونتب الى الله سبحانه وتعالى فإن العذاب الكبير وراءه تدمير كامل، ونسأل الله أن يوفقنا في التوبة والعودة اليه باستغفار وفهم الحقائق وتغيير سلوكنا، وأقول كلمة أخيرة:
أيها الأخوة:
قد تقول إنه ما الذي سيصلح هذا المجتمع الكبير؟ يا أخي ابدأ بإصلاح نفسك ومحيطك، وانتج مجموعة مترافقة قوية، والناس يرون فيكم هذا التعاون والتلاحم وهذه المثالية في العلاقات، فالمجتمع سيصلح بسببكم، دعونا نصلح أنفسنا، وكل شخص يصلح نفسه يبدأ بنفسه ومحيطه وأهله، نسأل الله سبحانه أن يوفقنا ويرزقنا العزيمة لكي نواجه الأخطار والمشاكل، ونواجه حتى نفوسنا إن كانت مريضة، نسأل الله ان يعيننا على أنفسنا كما أعان الصالحين على أنفسهم ويبصرنا بعيوبنا ويذكرنا بهذه العيوب ويعيننا على إصلاحها، نسأله سبحانه وتعالى ان يجعل محيانا محيا محمد وآل محمد ومماتنا ممات محمد وآل محمد بحق محمد وآل محمد صلواته عليهم أجمعين.