قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

عقدة الخوف لدى المجتمع العراقي
شريف الشامي
لم يكن الخوف وليد الصدف في التاريخ البشري بل إنه جزء من طبيعة الانسان منذ ان عرف الحياة والموت بحيث انه ارتبط به ارتباطاً وثيقاً في كل مفردة من مفردات الحياة اليومية. بل انه احياناً يصبح جزءاً من ثقافة المجتمع ،و الشعب العراقي مثله مثل بقية شعوب العالم، له موروثات ثقافية يتوارثها جيلاً بعد جيل، وتميزه عن بقية شعوب العالم، مما يجعلها من أهم العلامات التي تكسبه صفته وشخصيته المميزة بين الشعوب.
ولا توجد ثقافة شعبية خطأ وثقافة شعبية صحيحة، بل توجد ثقافة رشيدة وثقافة غير رشيدة، وبكل تأكيد انه لا توجد ثقافة شعبية سليمة مئة بالمائة ولا يشوبها شائبة. لذلك فإن المجتمع العراقي نشأ في ظل ثقافة قد تختلف في حيثياتها عن ثقافة شعوب العالم الاخرى اضافة لتركيبته الاجتماعية والتعددية الاثنية والمذهبية ولدت لدى الجميع مايطلق عليها عقدة الخوف لدى المجتمع العراقي ولم تأتي هذه العقدة من فراغ بل انها وجدت نتيجة الظروف التى مرّ بها الشعب العراقي يمكن اجمالها بمجوعة من النقاط : الظروف السياسية التي مر بها العراق، و طبيعة الانظمة التي حكمت العراق، الحروب وطبيعة السلطة الدكتاتورية التى حكمت العراق.
ان الظروف السياسية التى مرّ بها العراق تختلف كليا عن بقية شعوب العالم بحيث ان هذه الظروف اصبحت واضحة للعيان بعد سقوط الصنم، حيث ان الطبقة التى حكمت العراق والنظام السياسي التقليدى اصطدم بالتغيير الجديد والواقع الجديد الذي لم يكن مألوفاً لديه من قبل، فولدت لديه عقدة الخوف وما نطلق عليه فقدان الامتيازات وبتعبير أصح فقدان السلطة، بمعنى عدم مشاركة الآخرين معه في ادارة البلاد (اي طبيعة الطبقة الواحدة في الحكم) هذا بالنسبة للعرب السنة .اما بالنسبة للجانب الاخر, (الحروب وطبيعة الانظمة التى حكمت العراق) , فان طبيعة الحروب المدمرة وحجم الضحايا وممارسات السلطة القمعية ولدت عقدة الخوف لدى المجتمع العراقي وبخاصة مع مجموعه(الغالبية) من ابناء الشعب العراقي وهم العرب الشيعة والاكراد وبقية اطياف الشعب العراقي، واصبح الشعب يعيش حالة الريبة تجاه الآخر وهذا ما افرزته الاحداث والممارسات التى أعقبت سقوط الصنم بحيث ان الاخوة الكرد اصبحت لديهم عقدة الخوف من المركز ومن العرب نتيجة الظروف التى مروا بها مما تولدت لديهم هذه العقدة المستعصية وهذا امر طبيعي ونتيجة طبيعية للسياسات الدكتاتورية والفردية. وفيما يخص الجانب الشيعي تبدو هذه العقدة واضحة ايضاً نتيجة الظلم الذي لحق باتباع مدرسة اهل البيت(ع) منذ استشهاد الامام علي (ع) حتى يومنا هذا. بحيث انهم تحولوا لمنهج المعارضة الرافض للظلم الذى يقف دائما في مواجهة السلطة الظالمة. من هنا فان عقدة الخوف لدى المجتمع العراقي لايمكن تجاهلها ويجب ايجاد الحلول الناجعة لها، الا وهي تبادل الثقة بين الاطراف وبناء نظام يقوم على اساس المشاركة وازالة كل آثار السلطة الفاشية وماخلفته من احداث جسام .
ان عامل المصارحة الهادئ هو الكفيل باصلاح ماخربه الجناة، وزرع روح الثقة داخل المجتمع العراقي هوالكفيل بمعالجة الاوضاع والدمار الذي خلفته السياسات الحمقاء، لذلك فإننا سنقف أفراداً و جماعات، دولة و مجتمعاً، عاجزين عن مواجهة التحديات المصيرية في زحمة التغيرات المتسارعة ونحن منقسمون حتى إزاء القرار الوطني، ندور في حلقة مفرغة، تتلاعب بإراداتنا المصالح المتضاربة و تتقاذفنا التيارات المتناقضة، نخترع لأنفسنا الأعذار، نختلق مؤامرات و متآمرين و نلصق الذنب بالآخر. في المحصلة النهائية السنة تخاف الشيعة وبالعكس، والاكراد تخاف العرب والتركمان تخاف الاكراد والمسيحيون يخافون المسلمين. يجب حل المشكلة واسبابها دون خجل، فهذه المشاكل والعقد خلفتها الانظمة التى توالت على حكم العراق اضافة للواقع الاجتماعي والحالة الاقتصادية. وفي الختام ان الحل الامثل هو الاطار الوطني ونكران الذات وبناء دولة القانون ونظام المؤسسات على اساس مايلي:
اولا: ازالة الاسباب التى ادت الى عقدة الخوف في المجتمع العراقي الا وهي الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي اوجدتها سياسات الانظمة القمعية التي تعاقبت على حكم العراق. ثانيا: العمل من اجل زيادة الوعي الاجتماعي و الحس الوطني. ثالثا: العمل على جعل المواطن العراقي شريكاً حقيقياً في بناء الدولة بحيث يصبح المواطن هو الحامي الاول قبل رجل الامن.خامسا: بناء نظام المؤسسات وتفعيل القانون وفق احقية المواطن في الواجبات والحقوق ويكون القانون والدستور هو الحد الفاصل بادارة الدولة. سادسا: معالجة حالة الفقر وفق برنامج اقتصادي يعتمد بالدرجه الاولى على ذوي الاختصاص. سابعا: الثقة المتبادلة بين مكونات الشعب العراقي. ثامناً: بناء الشخصية العراقية القادرة على صنع الحياة والتى تفتخر بتاريخها وتحول هذا الفخر والعزة الكرامة الى عامل حقيقي في ازدهار العراق ورقيّه.تاسعا: انصاف ضحايا النظام وتأهيل المكونات التى لحقت بها اضرار. عاشرا: عدم السماح للاطراف الخارجية بالتدخل في شؤون العراق الداخلية. ان مشاكل العراق الداخلية يمكن حلها من خلال الحوار الوطني بعيداً عن سياسة الابتزاز والمصالح الضيقة التى تمثل مصلحة طرف على حساب آخر. ان العمل الجاد من اجل جعل مصلحة العراق اولا هو الحل الامثل الذي يجعل العراق يعيش حالة من الاستقرار وبذلك يمكن ازالة عقدة الخوف، اي زيادة الشعور الوطني لدى المواطن بحيث انه ينظر اولا واخيراً الى العراق ولاينظر الى طرف آخر يعول عليه مبتغاه .. انها مسؤولية الجميع.