قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
من مفاخر حوزة كربلاء المقدسة..
الميرزا السيد هادي الخراساني.. امتداد لحركة العلم والجهاد
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة * حسين هاشم آل طعمة
ما يزال الحديث مستمراً ومتواصلاً عن كواكب العلم والمعرفة من مراجع دين وعلماء ولا سيما في كربلاء المقدسة، من الذين رفدوا مسيرة العلم والمعرفة بالبحث والتحقيق والاجتهاد والتضحية وأقروا بزكاة العلم فنشروه في الآفاق. لتكون الحوزة العلمية والمناهج الدراسية والاجيال مدينة الى جهود أولئك العلماء الافذاذ واتعابهم.
هذه المرة نتطلع الى كوكب آخر في سماء الحوزة العلمية بكربلاء المقدسة الذي اكتسب ضياءه وبهاءه من وجود الجثمان الطاهر لسيد الشهداء الإمام الحسين (ع) في هذه البقعة المباركة من الارض، إنه المرحوم الميرزا السيد محمد هادي الحسيني الخراساني (قدس سره)، الذي يعد أحد زعماء الحوزة العلمية في مدينة التضحية والشهادة.
نشأته:
ولد في مدينة كربلاء المقدسة سنة 1297 هـ (1879م) وكانت نشأته في التحصيل العلمي في الروضتين الحسينية والعباسية المطهرتين. ومن ثم اودعه والده في حلقات خفظ القرآن الكريم واتقن قراءة القرآن الكريم والأدعية المأثورة بشكل جيد وهو ابن سبع سنين. ومن ثم اودعه في حلقات دروس الشيخ موسى القزويني المعروف بـ (المكتبدار) ودرس لديه كتاب (الجوهري) وكتاب (نصاب الصبيان) وغيرها.
وبعد ذلك انتقل مع والده من كربلاء الى مشهد الرضا بطوس سنة 1309هـ (1891م) فدرس على يد العديد من العلماء الأجلاء ومنهم السيد محسن الشيرازي والمعروف بـ (دست غيب) وقرأ عنده حيزاً من كتاب (جامع المقدمات). ودرس عند اخيه من والده وهو السيد ميرزا آغا ويكبره بأربع سنوات ودرس لدى الشيخ علي أكبر ودرس عند والده.
وفي مدينة طوس أخذ السيد هادي يدرّس كتاب (الأنموذج) على بعض الطلبة وهو في مدرسة ميرزا جعفر وهو ابن الأثنتي عشرة سنة. ودرس أيضاً عند الفاضل البسطامي وعند الفقيه السيد حسين الأسترآبادي في مدرسة ميرزا جعفر ودرس شرح النظام على شافية ابن حاجب في الصرف. وشرح الجامي على كافيته في النحو، وكتاب المغني لأبن هشام في مدرسة النواب لدى فضيلة الاستاذ الأديب النيشابوري، كما حضر السيد هادي درساً في الأسطرلاب، ودرس العلوم الاخرى مثل الجفر والطلسمات وغيرها.
عاد الى مدينة كربلاء المقدسة ويصف السيد هادي هذه العودة المباركة كما في كتابه (لمحة الاربعين) بقوله: (.... ثم تشرفت الى كربلاء مسقط رأسي ومحل أنسي، فاشتغلت بالدروس وتمحض انشغالي بالفقه والأصول، وكان اول حضوري درس الخارج في كربلاء لدى الشيخ العلامة الآخوند المولى محمد كاظم الخراساني)، وبعد ذلك انتقل السيد الخراساني الى مدينة النجف الأشرف ليواصل تحصيله العلمي فيها. فمكث في مدرسة السليمية وشرع بالتدريس في مرحلة السطوح، كما حضر ابحاث العلامة الميرزا محمد باقر الأصطهباناتي في المعقول، وحضر أبحاث سماحة العلامة شيخ الشريعة الاصفهاني في مباحث الألفاظ.
*سامراء .. الانطلاقة*
توجه السيد الخراساني الى مدينة سامراء سنة 1320 هـ (1902م) بعد مكوثه في النجف الاشرف وكربلاء المقدسة مدة خمس سنين، ومن هذه المدينة المقدسة التي لم يغب عن ذاكرتها المجدد الشيرازي، كان السيد الخراساني على موعد مع احداث جسام على الصعيدين: الاجتماعي والسياسي ففي سامراء كان الميرزا الشيخ محمد تقي الشيرازي قد تولى زعامة الامة بعد رحيل المجدد الشيرازي، فلازمه في الحوزة العلمية وفي ادارة شؤون الناس، وفي تلك الفترة شهد العراق تخلخلأ في الوضع الامني متأثراً بما جرى في ايران من تطورات سياسية هامة عُرفت بثورة الدستور، الامر الذي فسح المجال لبعض ضعاف النفوس وشذاذ المجتمع بتهديد الناس بالسطو والسرقة والاعتداء على العلماء وعلى طلبة العلوم الدينية.
وتداركاً للموقف اجتمع السيد الهادي الخراساني مع عدد من السادة والمشايخ الأجلاء بالشيخ محمد تقي الشيرازي، ليفكروا في حل لمواجهة هذا الخطر الذي يهدد المجتمع، وبعد المذاكرة في ذلك أمر الشيخ الشيرازي بالكتابة الى بغداد واطلاع من يهمه الأمر.
كما كتب رسائل الى علماء الكاظمية وعدد من المؤمنين من اعيان بغداد ليطلعهم على ما يجري في سامراء، وانتشر خبر الاضطرابات وتهديد علماء الدين في هذه المدينة المقدسة، وذلك بجهود السيد محمد هادي الخراساني، أما السلطات العثمانية من جانبها فانها بدلاً من أن تتابع القضية وتبين حرصها على الأمن والاستقرار وملاحقة مثيري الشغب والفتن، فانها اعربت عن قلقها من احتمال حدوث انتفاضة شيعية ضد العثمانيين، فارسل وكيل والي توفيق بك أوامره لرجاله في سامراء للتحقيق في الاوضاع، فما كان من السلطات العسكرية العثمانية في سامراء إلا ان اقتحمت مجلس الميرزا الشيخ محمد تقي الشيرازي موجهين له اللوم والعتاب لمراسلته الوالي في بغداد دون علمهم واخبارهم، فردّ عليهم الشيخ الشيرازي بقوله: اذا كانت السلطات العثمانية حاضرة ومسيطرة على الاوضاع وبصدد إحلال الأمن والاستقرار ولم تكن متواطئة مع مروجي الفتن والاضطرابات، فلماذا لم تقمع هذه التحركات وهي تجري أمام الانظار؟
وعندما وقعت السلطات التركية في موقف محرج من هذا الرد، وأسقط في أيديهم، قالوا للشيخ الشيرازي حددوا الافراد الذين باشروا في اثارة الاضطرابات بأسمائهم واشخاصهم لنلقي عليهم القبض فتحل القضية بهدوء.
وبعد المراجعة والمشاورة قرر العلماء الاجلاء عدم الكشف عن روساء الفتنة لان ليس في ذلك من فائدة والاهم من ذلك ليس من مصلحتهم نظراً الى انهم يعدون اقلية مقابل اكثرية، ولكن السيد هادي الخراساني بقي عالقاً في اذهان العثمانيين الذين أوقفهم عند حدهم في مؤامرة النيل من علماء الدين في سامراء، لذلك ومن غير سابق انذار امرت سلطات الوالي بإحضار الذين كانوا الواسطة بين الشيخ الميرزا الشيرازي وبين المرسل اليهم، والذين كانوا السبب في نشر القضية، وهم جماعة من طلبة العلم وعلى رأسهم السيد الهادي الخراساني فأرسلت السلطة التركية فوجاً مؤلفاً من مائة جندي يقودهم ضابط اسمه (فاروق بك) لالقاء القبض على السيد الهادي الخراساني ومن معه من طلبة العلم.
وكان السيد الخراساني من اكثر المقربين للمرجع الاعلى الميرزا الشيخ الشيرازي، حيث كان أول عمل رسائله وخطاباته، ومنها ما خاطب به المرجع الشيرازي المؤمنين بمراعاة الأمور وتحمل الصعاب في ظل الحرب العالمية الاولى وما تركته من انعكاسات اقتصادية سيئة على العراق.
وفي سنة 1335هـ (1916م) عزم الشيخ محمد تقي الشيرازي ومعه السيد الهادي الخراساني وبقية المشايخ والسادة الاجلاء على مغادرة سامراء والتوجه الى الكاظمية، وبعد عام كامل توجهوا الى كربلاء المقدسة لاتخاذها مقر اقامة دائمية وقد احتفى اهالي كربلاء بهذا القدوم المبارك فازدهرت حوزة كربلاء العلمية واصبحت مناراً ونوراً وقاداً كما اصبحت القاعدة الكبرى لانطلاق أول ثورة جماهيرية ضد الاستعمار البريطاني بقيادة المرجع الشيرازي، وكان السيد الهادي الخراساني ثقة المرجع في هذه المهمة والساعد الايمن له، وكانت ثقة كبيرة ومطلقة كما عبر عنها السيد الخراساني نفسه في كتابه (لمحة الاربعين).
وقد بلغ السيد الخراساني من الثقة لدى المرجع الشيرازي مبلغاً عظيماً، حيث كان يمضي في بعض الاحيان على الفتوى التي أجاب عنها السيد الخراساني باسم الشيخ الشيرازي من غير مراجعة على الرغم مما كان عليه الشيخ الشيرازي من الزهد والورع والاحتياط، وهذا دليل على ما كان عليه السيد الخراساني من الاحاطة العلمية في المسائل الشرعية.
وعندما اعلن البريطانيون أنهم سوف ينصبون حاكماً بريطانياً على العراق، ثارت ثائرة الشعب العراقي وهرعوا الى المرجع المجاهد الشيخ محمد تقي الشيرازي، فكانت الفتوى الصادرة عنه واضحة وصريحة وهي: (ليس لأحد من المسلمين ان ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطة على المسلمين)، فوقعها أيضاً ومنهم سماحة السيد هادي الخراساني.
وكان السيد هادي الخراساني أحد المشاركين في ثورة العشرين الخالدة، مدافعاً عن ارض المقدسات ضد الانكليز الطامعين المحتلين، وبفضل هذه الثورة فقد ولدت لاول مرة في العراق ما يعرف بـ (الحكومة الوطنية)، وبهذا تكون لمدينة كربلاء المقدسة وحوزتها العلمية وعلمائها المجاهدين الفضل الأكبر في استرداد السيادة والكرامة للشعب العراقي الغيور في وطنه العزيز.
وبعد وفاه قائد الثورة والمرجع الديني الشيخ محمد تقي الشيرازي بتاريخ 3 ذي الحجة سنة 1338هـ الموافق 13 آب سنة 1920م. كان ينظر الى السيد هادي الخراساني، وخاصة من قبل الكربلائيين على انه الشخص المناسب الذي يحل محل المرحوم المرجع الشيرازي للرئاسة العلمية في حوزة كربلاء المقدسة. وبالفعل كان أهلاً لهذه المهمة فقد أعلنت مرجعيته في رئاسة الحوزة العلمية.
كربلاء العلم والجهاد
ومن كربلاء المقدسة ومن جوار الإمام أبي الاحرار وسيد الشهداء، انطلق السيد هادي الخراساني في دوره الاجتماعي والسياسي لتقويم كل ما اعوّج من أمر المسلمين في العراق وخارجه، ومن ابرز ادواره الوقوف بوجه القرار الجائر بترحيل الشيخ مهدي الخالصي بسبب انتقاداته للحكومة التي شكلها طالب النقيب ومعارضته الشديدة لاتفاقياتها مع الاستعمار البريطاني، وكان قرار ترحيل الشيخ الخالصي سنة 1923 الى ايران. وهو ما اعترض عليه معظم علماء الدين في مقدمتهم المرجع الكبير الشيخ النائيني وآية الله الاصفهاني، كما انتقد القرار وبشدة السيد الخراساني، الذي تحدى السلطات الحاكمة آنذاك وأجرى للشيخ الخالصي موكب توديع جماهيري حاشد، حيث سار لمسافة طويلة مع سيارته، مما أحبط المخطط الرامي الى النيل من علماء الدين والتقليل من شأنهم.
وكان موقفه بارزاً وشاخصاً في قضية تهديم مأذنة العبد وأطراف الحرم الحسيني الشريف وهو ما جاء ذكره في مقال سابق في هذه الصفحة، فكتب مع عدد من علماء كربلاء المقدسة برقية الى الملك فيصل الثاني والوصي عبد الإله يستنكر فيها قرارات رئيس الوزراء آنذاك ياسين الهاشمي، وكان مما ينقل من مواقفه الاجتماعية على مشروع الهدم الطائفي امتناعه عن ادارة صلاة الجماعة في الحرم الحسيني الشريف، وكان يقف أمام الناس لأداء فريضة الصلاة منفرداً، لأثارة الرأي العام على قرار هدم وتخريب المعالم الأثرية لكربلاء المقدسة.
ولم يكن السيد الخراساني بعيداً عما كان يجري في ايران والممارسات اللادينية التي كان تتبعها السلطات البهلوية ضد الحوزات العلمية، وفرضها القيم اللاأخلاقية في المجتمع، كما لم يكن بعيداً عما جرى على مراقد أئمة البقيع في المدينة المنورة، حيث أبرق الى الحكام السعوديين برسائل الاحتجاج والاستنكار على ما قاموا به من هدم معالم قبور الأئمة الأربعة الأطهار عام 1925، وعلى أثر ذلك ألف كتاباً أسماه (دعوة الحق)، أكد فيها بطلان ما قام به السعوديون من تدمير معالم أئمة المسلمين والاستخفاف بمشاعرهم الدينية.
والى جانب اهتمامه بالحوزة العلمية ومتابعة الشؤون الاجتماعية والسياسية، فقد أولى السيد الخراساني أهمية كبيرة للتأليف، حيث أغنى المكتبة الإسلامية بمجموعة قيمة من المؤلفات الفقهية والاخلاقية والتاريخية والعقائدية، بلغت (143) عنوان كتاب.
وفي الثاني عشر من ربيع الاول سنة 1368هـ الموافق لسنة 1948م خمدت شعلة السيد هادي الخراساني مخلفاً في نفوس المؤمنين الحزن واللوعة، وجرى في كربلاء المقدسة تشييع مهيب و ووري الثرى في الحجرة الواقعة شمال الصحن الحسيني الشريف التي تقع عندها حالياً (باب السلالمة)، وقد عطلت الاسواق والحوازات، وأقيمت له مجالس المآتم في العراق وإيران، فهو رحل عن هذه الدنيا، لكنه طبع في التاريخ بصماته الجهادية والعلمية والاجتماعية ويبقى في ذاكرة الاجيال ليكون ضمن السلسلة المضيئة عبر التاريخ للعلماء المجاهدين في سبيل الله تعالى.