قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

شهيد فخ.. امتداد لشهيد الطف
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *محمد طاهر محمد
سجل هذا الثائر العلوي أروع صفحات المجد وكتب اسمه من نور في سجل الخالدين، وسيبقى ذكره على امتداد رقعة التاريخ، يمد الأجيال والاحقاب بأسمى معاني الإباء والكرامة، بطل فخ، أمير مكة وفاتحها، فرع الدوحة المحمدية، المتسلسل من النبعة العلوية الصافية، شبل من اشبال الزهراء، ورث كل صفات العقيدة الخالصة والإباء والإقدام عن آبائه معدن البطولة والفداء، قارع الباطل والكفر بنفسٍ أبية وأحيا الحق بدمه وقدم نفسه فداءً لعقيدته، إنه ابو عبد الله الحسين بن الحسن بن الحسن المثنى بن الحسن ابن علي بن ابي طالب (ع) وأمه زينب بنت عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن ابي طالب (ع).
إن تلك الشجرة الطيبة الواردة في القرآن الكريم والتي اصلها ثابت وفرعها في السماء كانت مثال الروح المتطلّعة الى العدالة والانسانية والرحمة والقيم العليا والحق ولاخير وإعلاء كلمة الله، فسعت بكل ما لديها من طاقات لترسيخ مبادئ الإسلام الحنيف وتطبيق شريعة المصطفى (ص) وبما تملك من خصال العلم والشجاعة والصبر والتضحية والإيثار فلم يعرف التاريخ سيرة أزكى واطيب واطهر وانقى من سيرتهم (ع) التي كانت كلها صفحات مشرقة وصور رائعة وبطولات وتضحيات تهدي الانسانية الى طريق الحق والخير والاصلاح. من هذه الصفحات المشرقة التي تلألأت على جبين الدهر هي ثورة الحسين بن الحسن (شهيد فخ) التي تجلت فيها معالم الشجاعة العلوية والإباء الحسيني في مواجهة الكفر والانحراف ويحدثنا التاريخ عن ملكاته النفسية واخلاقه الكريمة.
الاضطهاد - الشرارة
مما اجمع عليه المؤرخون أن العباسيين لم يحكموا بحكم الإسلام فقد أوغلوا بارتكاب الجرائم وسفك الدماء وقد امتلأت كتب التاريخ بصفحات جورهم وظلمهم وما جُبلوا عليه من الشر والغدر فضلاً عن انهماكهم في مجالس اللهو والليالي الحمراء فكانت هذه الاعمال هي العامل الرئيسي لثورة الحسين، يقول الشيخ محمد الساعدي: (إن اسباب ثورة صاحب فخ نتيجة لضغط والي المدينة من قبل موسى الهادي على الطالبيين وهو عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر ابن الخطاب وإرهابه لهم وتحديه اياهم بماكان يفرضه عليهم من الحضور عنده كل يوم للعرض حذراً لما يتوقعه منهم عند غيابهم عن المدينة، فكانت الثورة في الواقع نتيجة الارهاب والضغط الشديدين وأخذهم دعاة الحق بالقوة والاذى مع العلم أن الحسين في فترات مختلفة وبوسائل شتى حاول إيجاد التفاهم الايجابي وعدم الركون والرجوع الى القوة والحرب بينهم وبين ذلك الوالي فلم يفلح ولم يحض منه برد وقبول حسن) (1).
ولم يكتف الوالي عرض بني الحسن كل يوم بل تعدى الأمر الى اتهامهم بما ليس فيهم فأخذ الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن ومسلم بن جندب الهذلي وعمر بن سلام وهم مجتمعون وأشاع أنه وجدهم على شراب فأمر بضربهم فضرب الحسن ثمانين سوطاً وابن جندب خمسة عشر سوطاً وابن سلام سبعة اسواط وجعل في اعناقهم حبالاً وطيف بهم في المدينة مكشفي الظهور ليفضحهم فبعثت الهاشمية صاحبة الراية السوداء في أيام محمد ابن عبد الله فقالت له: ولا كرامة لا تشهر أحداً من بني هاشم، وتشنع عليهم وانت ظالم فكف عن ذلك وخلى سبيلهم، فجاء الحسين ابن علي الى الوالي العمري وقال له: قد ضربتهم ولم يكن لك ان تضربهم فلم تطوف بهم...؟ فأمر بهم فردوا وحبسهم ثم أن الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله بن الحسين كفلا الحسن ابن محمد فأخرجه العمري من الحبس، ثم قدم الحجاج لأداء مناسك الحج وقدم من الشيعة نحو سبعين رجلاً فنزلوا في دار أفلح بالبقيع ولقوا الحسين وغيرهم من العلويين فبلغ ذلك العمري فأنكره وأفرط في التحامل عليهم والاساءة اليهم واخذ كل واحد منهم بكفالة قريبه وولى عليهم رجلاً يعرف بأبي بكر بن عيسى الحائك مولى الانصار فعرضهم يوم الجمعة فلم يأذن لهم في الانصراف حتى بدأ الناس يجيئون الى المسجد، ثم اذن لهم فكان قصارى احدهم أن يتوضأ للصلاة ويروح الى المسجد فلما وصلوا حبسهم في المقصورة الى العصر ثم عرضهم فدعا بأسم الحسن بن محمد فلم يحضر فقال ليحيى، والحسين بن علي: لتأتياني به أو لأحبسنكما، فإن له ثلاثة ايام لم يحضر العرض ولقد خرج أو تغيّب فشتمه يحيى وخرج فمضى ابن الحائك هذا فدخل على العمري فأخبره فدعا بهما وتهددهما وأغلظ لهما فغضب يحيى بن عبد الله وقال له: ماتريد منّا؟ فقال: أريد أن تأتيانا بالحسن بن محمد، فقالا: لا نقدر عليه وهو في بعض ما يكون فيه الناس، فابعث الى آل عمر بن الخطاب فاجمعهم كما جمعتنا ثم اعرضهم رجلاً رجلاً فإن لم تجد فيهم من قد غاب اكثر من غيبة الحسن عنك فقد انصفتنا. فحلف على الحسين بطلاق امرأته وحرية مماليكه أنه لا يخلي عنه أو يجيئه به في باقي يومه وليلته وأنه إن لم يجىء به ليركبن الى سويقة – منزل بني الحسن قرب المدينة – فيخربها ويحرقها وليضربن الحسين ألف سوط وحلف بهذه اليمين إن وقعت عينه على الحسن بن محمد ليقتلنه من ساعته فوثب يحيى مغضباً، فقال له: أنا اعطي الله عهداً وكل مملوك لي حر إن ذقت الليلة نوماً حتى آتيك بالحسن بن محمد أو لا اجده فأضرب عليك بابك حتى تعلم أني قد جئتك وخرجا من عنده وهما مغضبان وهو مغضب فقال الحسين ليحيى: بئس لعمر الله ما صنعت، حين تحلف لتأتينه به وأين تجد حسناً؟ فقال: لم أرد أن آتيه بالحسن والله وإلا فأنا نفيٌ من رسول الله (ص) ومن علي (ع) بل اردت أن دخل عيني نوم حتى اضرب عليه بابه ومعي السيف إن قدرت عليه قتلته، فقال له الحسين: بئسما تصنع تكسر علينا أمرنا وما كان بيننا وبين اصحابنا من الميعاد، وكانوا تواعدوا أن يظهروا بالموسم فقال له يحيى: وكيف أكسر عليك امرك، وإنما بيني وبين ذلك عشرة ايام حتى نسير الى مكة.
فوجه الحسين الى الحسن بن محمد فقال: يا ابن عمي قد بلغك ما كان بيني وبين هذا الفاسق فامض حيث احببت، فقال الحسن: لا والله يا ابن عمي بل أجيء معك الساعة حتى أضع يدي في يده، فقال له الحسين: ما كان الله ليطلع علي وانا قادم على محمد (ص) وهو خصيمي وحجيجي في دمك ولكني أفديك بنفسي وأقيك لعل الله ان يقيني من النار.
وعملا في الخروج من ليلتهم ووجه الحسين فجأة يحيى وسليمان وأدريس بني عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن الحسن، وعبد الله بن الحسن، وابراهيم بن اسماعيل، وعمربن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسن ابن الحسن وغيرهم من آل ابي طالب فاجتمعوا سته وعشرين رجلاً من ولد علي (ع) وعشرة من الحاج ونفراً من الموالي وجاء يحيى فضرب على العمري باب داره فلم يجده وجاؤوا فاقتحموا المسجد وقت الصبح ثم نادوا: (أحدٌ... أحد) فسمعهم العمري فمضى هاباً على وجهه حتى نجا وصلى الحسين بالناس الصبح ودعا بالشهود الذين كان العمري اشهدهم عليه أن يأتي بالحسن اليه ودعا بالحسن وقال للشهود: هذا الحسن قد جئت به فهاتوا العمري، والا والله خرجت من يميني ومما عليّ ثم صعد المنبر فحمد الله واثنى عليه وقال: (أيها الناس.. أنا ابن رسول الله على منبر رسول الله وفي حرم رسول الله أدعوكم الى سنة رسول الله، أيها الناس: أتطلبون آثار رسول الله في الحجر والعود وتتمسحون بذلك وتضيعون بضعة منه أبايعكم على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى أن يطاع الله ولا يعصى وأدعوكم الى الرضا من آل محمد وعلى ان نعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه (ص) والعدل في الرعية والقسم بالسوية وعلى ان تقيموا معنا وتجاهدوا عدونا فإن نحن وفينا لكم وفيتم لنا وان نحن لم نف لكم فلا بيعة لنا عليكم. فقام اليه الناس فبايعوه ولم يتخلف عنه احد من الطالبيين ألا الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن فإنه استعفاه وموسى بن جعفر بن محمد الكاظم (ع) فقال للحسين: إنك مقتول فأحدّ الضراب فإن القوم فسّاق يظهرون أيماناً ويضمرون نفاقاً وشركاً فإنا لله وإنا اليه راجعون وعند الله عز وجل احتسبكم من عصبة.
فأقبل خالد البربري وكان على مسلحة – قوة عسكرية بين 200 و400 رجلٍ- للوالي بالمدينة ومعه اصحابه في السلاح حتى وافوا باب المسجد الذي يقال له: باب جبرئيل فأراد خالد أن ينزل فبدره يحيى وضربه بالسيف على جبينه فأطار مخ رأسه وسقط عن دابته وحمل يحيى على اصحابه فانهزموا ودخل العمري في المسودة فحمل عليهم اصحاب الحسين فهزموهم من المسجد وأغلق أهل المدينة ابوابهم فلما كان الغد اجتمع عليهم شيعة بني العباس فقاتلوهم وكثر القتل والجراح بين الفريقين واقتتلوا الى الظهر وأقام الحسين واصحابه أياماً يتجهّزون فكان مقامهم بالمدينة احد عشر يوماً ثم قصدوا الى مكة لست بقين من ذي القعدة ومعه من تبعه من اهله ومواليه واصحابه وهم زهاء ثلاثمائة، فلما قربوا من مكة وصاروا بفخ تلقتهم الجيوش العباسية بقيادة موسى بن عيسى والعباس بن محمد وجعفر بن محمد ابني سليمان فالتقوا يوم التروية وقت صلاة الصبح فأمر موسى بن عيسى بالتعبئة وتهيّأ للمسير الى الحسين وارسل من ينظر له عسكر الحسين فرجع الرسول وقال له: ما رأيت خللاً ولا فللاً ولا رأيت إلا مصلياً أو مبتهلاً او ناظراً في مصحف او معداً السلاح، فقال: هم والله اكرم خلق الله واحق بما في ايدينا منا ولكن الملك عقيم!
ثم سار اليه فكان أول من بدأهم موسى فحملوا عليه فاستطرد لهم شيئاً حتى انحدروا في الوادي فحمل عيلهم محمد بن سليمان من خلفهم فقتل اكثر اصحاب الحسين وجعلت المسودة تصيح يا حسين لك الأمان، فيقول: ما أريد الأمان ويحمل عليهم يحيى واشتد القتال وبرز أولاد علي (ع) بأجمعهم فقتل منهم جماعة ثم كثر سقوط القتلى والجرحى وتكبدت القوات العباسية خسائر فادحة لاستماتة العلويين في القتال ورمى حماد التركي الحسين بن علي بسهم فقتله وانصرف اصحابه وقتل عدد منهم.
الإمام الكاظم وشهيد فخ
إن وقعة فخ جريمة تضاف الى سجل العباسيين المملوء بالموبقات وصفحة سوداء في تاريخهم البشع، وبعد انصراف الجيش العباسي متوجهاً الى مكة لحقهم خراساني يقول: البشرى هذا رأس الحسين فأخرجه وبجبهته ضربة طولى، وبقيت الأجساد الزكية في وادي فخ مضرجة بالدماء على وجه الأرض وقطعت الرؤوس، يقول الطبري في تاريخه: (إن قطع الرؤوس كان يوم التروية ايضاً، فحملوها الى مكة ومنها الى المدينة وكانت مائة ونيف رأس)، وجاء الجند بالرؤوس الى موسى والعباس بعد أن ألقوا القبض على أغلب ولد الحسن والحسين واحضروهم المجلس فلم يسأل موسى احداً منهم ولم يتكلم أحد منهم بشيء إلا الإمام موسى بن جعفر (ع) فقال له: هذا رأس الحسين فقال (ع): نعم إنا لله وأنا اليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً صوّاماً قوّاماً آمراًبالمعروف ناهياً عن المنكر ما كان في أهل بيته مثله. فلم يجيبوه بشيء ثم قيدوهم بالحبال والسلاسل وحملوهم اسرى الى بغداد وادخلوهم على الخليفة موسى الهادي فأمر بقتلهم وان يصلبوا فصلبوا بباب الحبس.
لقد نال الحسين بن علي أعلى درجات المجد وهي الشهادة في سبيل الله ونبيه (ص) واوليائه ويكفيه قول الإمام الكاظم (ع) في حقه: (مضى والله مسلماً، صالحاً صوّاماً، قوّاماً، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ماكان في أهل بيته مثله) (2)، وقال الإمام محمد الجواد (ع): لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ) (3)، أما اصحاب السير فكانت لهم كلمات حول شخصية الحسين كلها ثناء وتقدير، يقول المحدث القمي: (شهيد فخ جليل القدر جداً ذكرت مقتله وتاريخه في كتابي (منتهى الآمال) (4)، وقال عنه السيد تاج الدين ابن زهرة: (كان جواداً، عظيم القدر، لحقته ذلة من الخليفة الهادي فخرج عليه وكان يومئذ أمير المدينة ثم سار الى مكة فقتل بفخ) (5)، أما ما روي من حديث استشهاده فقد قال الإمام الصادق (ع): (مرّ رسول الله (ص) بفخ فنزل وصلى ركعة فلما صلى الثانية بكى وهو في الصلاة وبكى الناس لبكائه (ص) فلما انصرف سألوه عن بكائه فقال: نزل عليّ جبرئيل فقال لي: يا محمد أن رجلاً من ولدك يقتل في هذا المكان أجر الشهيد معه أجر شهيدين) (6)، وكانت واقعة فخ سنة 169 هـ، وقد استشهد مع الحسين فضلاً عن اهل بيته الذين ذكرناهم من ولد الحسن خيار الشيعة ومن اصحاب الإمامين الصادق والكاظم (ع).
أثارت فاجعة فخ لواعج الأسى وأهاجت كوامن الحزن فتساقطت الدموع قصائد من أفواه الشعراء بالبكاء والنحيب فبكى شهداء فخ الكثير من الشعراء منهم دعبل الخزاعي بقوله في تائيته الشهيرة:
قبورٌ بكوفان وأخرى بطيبة وأخرى بفخٍ نالها صلواتي
******** ********** **********
الهوامش:
1 – الحسنيون في العراق – الشيخ محمد الساعدي ج1 ص154.
2 – تنقيح المقال – الشيخ عبد الله المامقاني ج1 ص337.
3 – عمدة الطالب – ابن عنبة الحسني ص172.
4 – تحفة الأحباب – الشيخ عباس القمي ص69.
5 – غاية الاختصار – تاج الدين بن زهرة ص53.
6 – تنقيح المقال – المامقاني ج1 ص337.