قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

وزنه من تراب!
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *يونس الموسوي
إذا سألت أحدهم عن قيمة شيء وكانت قيمته جداً متدنية قال لك إن قيمته (تراب) بمعنى أنها زهيدة بقيمة التراب المرمي هنا وهناك.
فهل التراب قيمته متدنية إلى هذا الحد الذي أصبح مضرباً للأمثال لقيمة الشيء المتدنية؟
لابد أن نعرف حقيقة في غاية من الأهمية وهي أن الإنسان يعود أصله إلى التراب، فإذا كان الإنسان له قيمة فالتراب هو كذلك، أما إذا كان التراب عديم القيمة فالإنسان كذلك.
ففي آية من القرآن الكريم يتمنى بعض الناس أن تكون قيمتهم وشأنهم شأن التراب "وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا" (النبأ،40) هذا الإنسان المغرور الذي كان يرفع أنفه عالياً ويكفّر هذا ويستصغر ذاك، نجده يوم الحساب ويوم الفزع الأكبر يتمنى أن تصبح قيمته ويصبح شأنه من شأن التراب، لكن ما الذي شاهده الإنسان في ذلك اليوم حتى يتمنى مثل هذه الأمنية؟
لاشك إنه يوم عسير، ولكن ما يهمنا في هذا الموضوع هي مقولة هذا الكافر المتعجرف الذي يتمنى أن يتحول إلى تراب، فهل عرف قيمة التراب حتى يتمنى أن يتخفّى بها؟ طبعاً عرف بعدما كان يجهل ذلك، وكان جهله عجيباً في هذا الموضوع فهو كان يقول: "قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ" (المؤمنون ،82) فهو في هذه الحالة يعترف بأن أصله من التراب ويقول: "وكنا تراباً" بمعنى أن يعود الإنسان إلى أصله وهو التراب، لكنه مع كل هذه الحقائق ومع هذه الاعترافات نجده ينكر البعث والقيامة وبكل العقائد الاسلامية.
ويستغرب القرآن الكريم كلمتهم هذه ويقول: "وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ" (الرعد،5) هم يعرفون أن نشأتهم الأولى كانت من التراب فكيف ينكرون البعث من بعدما أصبحوا تراباً؟ لكن من قال إنهم يعرفون أن أصولهم كانت من التراب، فهم كفار ولم يقل لهم أحدٌ إن نشأتهم الأولى كانت من التراب.
صحيح أنهم ما كانوا يعرفون بأن نشأتهم كانت من التراب، لكنهم عندما سمعوا ذلك من نبيهم كان عليهم إما إنكار ذلك وإثبات العكس أو القبول بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله سلم)، لأن الإنسان لايستطيع أن يقول في إطار الجدل العقلي أنا لا أومن بالبعث وكفى، من دون أن يأتي بدليل عقلي على كلامه، لاسيما وأن المؤمنين بالبعث هم مسلحون بالأدلة المنطقية والعقلية أكثر من أولئك المنكرين.
فعندما نضع الميت في القبر، نشعر وكأن هذا الإنسان وجد مكانه الطبيعي في الأرض، فهناك امتزاج بين حقيقة الإنسان وحقيقة هذه الأرض التي سيلتصق بها عند تحوله إلى العالم الآخر، وتحول المواد والعناصر المشكلة لبدن الإنسان وجسده شيئاً فشيئاً ومن حالة إلى حالة حتى يتحول إلى التراب.
امتزاج العناصر وتحولها إلى شيء واحد دليل على أنها من مصدر واحد، فالتراب له قيمة من هذه الجهة، أنه يسهم في تكاملية دورة الحياة البشرية فالإنسان يأكل من التراب، ويسهم التراب في إيجاد طعامه وتوفيره.
فحياة الإنسان ووجوده مرتبطان بالتراب، فليس له أن ينكر هذا الأمر بل يجب أن يدفعه ذلك إلى التفكر والتأمل، والبحث عن الحقيقة حتى يصل إلى الغاية الكبرى من خلقه.
وهنا يأتي السؤال المحرج بالنسبة إلى هذا الإنسان؛ "أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ" (الكهف،37)، ليس لأن التراب عديم القيمة وأنه يجب على الإنسان أن يكون مؤمناً لأنه من جنس أو من عنصر وضيع، بل لأن التراب له علاقة بتكونه ومن ثم بحياته وبعد ذلك في موته، فهو يقول: (كيف سيخلق الله البشر بعدما يصبحون تراباً) لكنه عندما يتأكد بأن نشأته الاولى كانت من التراب فإنه عند ذلك لن يستغرب البعث من بعد تحوله إلى تراب.
فالتراب ليس عنصراً وضيعاً وهو سيتحول في الزمن الآخر إلى إنسان سوي متكامل البنية والبدن، فليس هناك غرابة في موضوع التحول من التراب إلى الجسد البشري ولكن العجب وكل العجب في إنكار هذه الحقيقة.
وحتى التحولات التي تحدث للإنسان داخل رحم أمه، فهي ليست بأقل عجباً من تحول التراب إلى جسد، وقد ذكر الله سبحانه في بعض آياته مراحل تطور الجنين في بطن أمه حيث النطفة والعلقة والمضغة، وكلها تحولات عجائبية لاتقدر على خلقها إلا قوة جبارة هي نفسها التي تستطيع تحويل التراب إلى إنسان لكن النقطة المثيرة في هذا الموضوع، هي أن الكفار ركزوا على الجانب المادي والبدني من الوجود الإنساني، لكنهم لم يتطرقوا إلى وجود الروح، فهم ذكروا التراب ولم يذكروا الروح التي تلج في هذا التراب.
فالتراب هو بحد ذاته لاقيمة له، ولكنه عندما يصبح قالباً للروح يصبح ذا أهمية وقيمة، فالكفار الذين أنكروا البعث تحدثوا عن البدن الذي تحول إلى تراب، لكنهم لو ذكروا الروح لكان لحديثهم قيمة أكبر مما هو عليه، فالروح هي المحركة للبدن، وهي التي تبعث الحياة في الإنسان، وإلا إذا نظرنا إلى الإنسان بنظرة الجسد، فهذا الجسد أصله من التراب ويعود إلى التراب، لكن الروح هي أعلى شأناً، وأرفع مكانة، وهي المدبره للبدن، ولاقيمة للبدن من دون هذه الروح.
فهم أنكروا عودة الحياة إلى البدن بسبب تحوله إلى تراب، لكنهم لايعلمون أن الحياة لاتحدث في التراب إلا بعد ولوج الروح في هذا البدن، لكن السؤال الذي ينبغي أن يثيره الإنسان بالنسبة إلى مسألة البعث لايتعلق بموضوع البدن بل بحياة الروح، هل تعقل مسألة البعث؟
في إطار الحياة العقلية يمكن فهم حقيقة البعث الأخروي، فالحياة لايجوز أن تكتمل بهذه السنين القصيرة التي يقضيها الإنسان في الدنيا، ومن غير المعقول أن تنتهي بالصورة التي نراها في الدنيا، حيث انه لا المظلوم أخذ حقه ولا الظالم أخذ جزاءه، فهناك ملايين القضايا والدعاوى والملفات التي ينتظر أصحابها البت فيها أمام محكمة رب العزة، وفيها قضايا ودعاوى أقامها أئمة الهدى (صلوات الله عليهم) حيث كل واحد فيهم قتل ظلماً وعدواناً وعلى رأسهم أمهم الزهراء (صلوات الله عليها)، فما من محكمة دنيوية نظرت في واحدة فقط من قضاياهم؟