قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

في مواجهة الجهل والتجهيل
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *كريم محمد
عندما يفتش الانسان عن اساس المشاكل التي نعانيها وتعاني منها الامة الاسلامية اليوم، لابد ان يقع على المشكلة الثقافية كواحدة من أهم المشاكل التي تتفرع منها ازمات متعددة الجوانب من اجتماعية ونفسية وحتى حضارية.
والقضية الثقافية انما تتبوأ مكانتها الاساسية في هذا الصدد من بعدين رئيسين:
البعد الاول: ان الأمة الاسلامية هي بالدرجة الاولى أمّة تقوم على اساس المبدأ وتتمحور حول الرسالة، فالاعتقاد بالمبدأ وحمل الرسالة يعنيان كل شيء بالنسبة الى كيانها، وقد صرح بذلك القرآن الكريم في سورة الانبياء "إِنَّ هَذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ".
فالأمة الواحدة هنا لا تقوم على اساس الارض ولا على اساس القومية واللغة والمصالح، بل تقوم على اساس توحيد الله ـ تعالى ـ وهذا هو اساس الامة الاسلامية، وعليه فان الثقافة تشكل جزءاً اساساً من العقيدة والايمان والعبادة، فمن دون العلم والوعي السليم والرؤية الصائبة لايمكن ان تكون لدى الانسان عقيدة او ايمان حقيقيان.
البعد الثاني: هو بعد مشترك بين الامة الاسلامية وبين سائر الأمم رغم انه بعد يميز الانسان عن غيره، افليس الانسان كائنا حضاريا؟ فلا ريب ان الله قد اكرم الانسان، وحمله في البر والبحر بما علمه: "وَعَلَّمَ ءادَمَ الأَسْمآءَ كُلَّهَا"، وعندما علم الله تعالى آدم الاسماء اسجد له ملائكته، فالانسان -اذن- هو كائن مثقف، والثقافة تؤثر عليه .
و عندما انحرفت ثقافتنا عن مسارها الصحيح انحرفنا تبعاً لها عن الصراط المستقيم وهو سبيل السعادة والفلاح، والعودة الى هذا الطريق وذلك الصراط لن يكون إلاّ بتصحيح الثقافة، فمن يحدثك عن الاصلاح والتغيير، وعن العمل السياسي والاقتصادي دون ان يقدم لك برنامجا سليما وواضحا في التثقيف والتوعية فان كلامه هذا لا يقوم على اساس ثابت، بل الصحيح ان يزودك بالبرنامج الثقافي الذي يخلق الانسان الحضاري، ومن ثم يأمرك بالتحرك، ويعطيك البرنامج السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي وما الى ذلك .
ونحن نعاني في مجال الثقافة من مشكلتين؛ الاولى هي الجهل، والثانية الجهالة، وتلخص احدى الروايات الشريفة هاتين المشكلتين في قول الامام الحسن المجتبى -عليه السلام-: (كفى بك جهلا ان تقول ما لا تعلم، بل كفى بك جهلا ان تقول كل ما تعلم).. وفي قول للامام علي عليه السلام عن ذلك: (لا تقل مالا تعلم بل لاتقل كل ما تعلم).
وعلى هذا فهناك جهلان؛ الجهل الاول ان تحدث بما لا تعلم، والثاني ان تتحدث بكل ما تعلمه دون ان تميز الغث من السمين، والمناسب من غير المناسب، وهنا أود ان اتوقف عند هذين البعدين مبتدئاً بالبعد الثاني.. فثمة كثير من الناس يزعم ان عليه ان يحدث الناس بما يعلمه علماً يقيناً صادقاً! مثل هذه النظرة تسبب الفساد بدلا من ان تقدم لنا العلاج، ذلك لان الانسان الذي يريد ان يحدث الناس بكل ما يعلمه سيحدثهم بالتأكيد عن الاخطاء التي يرتكبها الاخرون، فهل من الصحيح ان احدث الناس بمعلوماتي حول الشخص الفلاني الذي اخطأ وأذنب وانحرف؟ أما اذا استشكل عليه الاخرون اجابهم: ان عنده علما بذلك، نعم.. انت لديك علم، ولكن الافساد في الصدق، وافساد ذات البين هو كذب عند الله تعالى، في حين ان الكذب الذي يهدف الاصلاح هو صدق.
نحن نعيش اجواء مليئة بالسلبيات، فكل واحد منا يجلس ويحدث الناس عن سلبيات الاخرين، وهذا سلوك محرم عند الله، فقد حرم تعالى الغيبة، وسوء الظن، والتجسس على الناس، والنميمة، والتشهير، كما وحرم العشرات من الذنوب التي يرتكبها لسان الانسان في حين ان اكثرها معلومات لامجهولات، لان فيها اشاعة لجو السلبية، واني استطيع ان اقول ان عشرين بالمائة من المحرمات الاخلاقية هي محرمات اللسان وخصوصا تلك التي تأخذ فيها الجوانب السلبية، وتحدث الناس بها .
ان الكلام يشبه الدواء، فالطبيب لا يمكنه ان يعطي المريض كل ما يريد من الادوية وبكميات كبيرة ؛ صحيح ان الدواء نافع للانسان ولكن بالمقدار المحدد والا كان مضرا بالانسان.. فعلى متحدثينا ومفكرينا وكتابنا ان لا يتركوا اليراع يجري على الصفحات دون تفكير، بل عليهم ان يفكروا فيما يكتبونه، فان تحدثوا عن سلبيات الامة فليحدثوا الناس في نفس الوقت عن نقاط القوة فيها، وعن الطموحات والاهداف العظيمة، وان حدثوا و الناس عن نار جهنم فليحدثوهم ايضا عن مغفرة الله تعالى، وان تكلموا عن ضرورة الوحدة والتآلف، واشاروا الى تفرق الامة فلا يكون الحديث متوغلاً في السلبية، فسلاح اليأس هو أهم اسلحة الشيطان، وعلينا ان نقاوم هذا اليأس، فقد جاء في الحديث: (اليأس من جنود الشيطان).
اما الجهل الاخر فهو الحديث بلا علم، او الحديث الكاذب، وهو ما ابتليت به أمتنا الاسلامية في عصرنا الحاضر، فمن المؤسف ان يصبح الكذب من ادوات وسائل اعلام البلدان الاسلامية من صحافة ومحطات تلفزة وغيرها.
السبيل الوحيد لمواجهة الاكاذيب والتضليل هو اللجوء الى القرآن الكريم الذي يتناول مشكلة الثقافة والوعي في الامة، وقد أوضح لنا الكتاب المجيد ذلك من خلال الاستشهاد باحوال الاقوام السالفة التي عاصرت الانبياء والرسل وما آلت اليه من عواقب كانت معظمها وخيمة ومدمرة بسبب الجهل والاصرار على الجهل.