قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

التسويف والتبرير خطوتان قبل النفاق
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *علي عبد الاله
المؤمن الحق هو ذلك الانسان الذي آمن بالله تعالى بقلب سليم نقي؛ فملأ الايمان جوانب قلبه، وانتشر في كل جوارحه، كما يضخ القلب السليم الدم النقي الى كل الشرايين في انحاء الجسم .
والمؤمن الحق هو ايضا ذلك المرء الذي كان ايمانه كقلبه النقي لا تشوبه أية شائبة.. ومن علامات هذا الايمان التي تجدها ملموسة في مواقف المؤمن وسلوكه واقواله؛ الصدق والاخلاص والوفاء والامانة والشجاعة والثبات وغير ذلك من الفضائل والخصال الحسنة.
اما المنافق فهو على العكس من ذلك؛ يكون متردداً، متراجعاً، ذا وجهين.. مريضاً في مواقفه وسلوكه، منهزماً عند المواقف الفاصلة، يبحث عن مبررات انهزامية، وتتلاطم في نفسه امواج التناقض الداخلي فيطفح منها الكدر، ويغرق فيها ضميره ووجدانه فيترسخ الكفر في اصل اعتقاده وايمانه .. فهو والكافر الى مآل واحد، بل يكون عقابه أشد عذاباً من الكافر كما يصرح بذلك القرآن الكريم "إن المنافقين في الدرك السفل من النار".. وفي الوقت الذي نشهد افراداً تجسد فيهم النفاق والازدوادجية في الماضي والحاضر، فان التاريخ يحمل في طياته امثلة كثيرة على نماذج احبهم الله واكرمهم بأحسن الكرامات.
فالتاريخ – مثلاً - يحدثنا بكل فخر عن واحد من المؤمنين الصادقين الذين باعوا حياتهم الدنيا بالآخرة ؛ فكانت قلوبهم طاهرة سليمة، ونفوسهم نقية تقية، وكلماتهم صادقة صريحة، ومواقفهم واضحة لا لبس فيها ولا تدليس، وسلوكهم في الحياة الاستقامة والثبات.. فرضوا بما قضى الله تعالى لهم وما قدر. انه الصحابي الجليل ابو ذر الغفاري رضوان الله تعالى عليه، ويكفيه فخراً وعلو منزلة وقدر ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال في حقه قولته المشهورة: (ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة اصدق من ابي ذر).
لقد بلغ في الصدق درجة بحيث انه كان صادقاً في جميع مواقفه، حتى تلك التي كان ينبغي فيها الكذب لضرورة العقيدة، ولكنه صدق -مع ذلك- فكان الله عز وجل معه؛ فقد حمل رسول الله صلى الله عليه وآله بردائه على ظهره، وخرج من البيت يوم تآمروا على قتله صلى الله عليه وآله. فلما سأله الكافرون عن الذي يحمله على ظهره، قال وبكل صراحة: انه رسول الله! فظن المشركون ان اباذر يستهزىء بهم، فهل يعقل ان يقول الحقيقة لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله على ظهره فعلاً؟
وهكذا خدعهم ابو ذر بصدقه وذكائه. فكان مصداق الحديث الشريف (النجاة في الصدق)، بل كانت مواقفه الصادقة دليلاً على شجاعته وقوة نفسه الأبية .
عن زيد بن وهب، قال مررت على أبي ذر بالربذة فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض ؟ قال كنا بالشام فقرأت "وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ" قال معاوية: ما هذه فينا.. ما هذه إلاّ في أهل الكتاب، فقلت انها فينا وفيهم فكان بيني وبينهم في هذا الكلام .. فوصل ذلك الى عثمان، فكتب اليّ: ان شئت تنحيت عنه. فذلك الذي انزلني هنا.. وجاء في رواية عن الامام ابي جعفر الباقرعليه السلام في قوله: "يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لاَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَاكُنْتُمْ تَكْنِزُونَ" قال: كان ابوذر الغفاري يغدو كل يوم وهو بالشام فينادي بأعلى صوته: بشّر أهل الكنوز بكيٍّ في الجباه، وكيٍّ بالجنوب، وكيٍّ بالظهور أبداً حتى يتردد الحرق في أجوافهم..
وهكذا فان الرجال على نوعين: نوع يبقى ذكره خالداً بالسمو والرفعة كأبي ذر عليه الرحمة، ونوع يلفظه التاريخ، واذا ما ذكر فباللعن الابدي.. وهناك أناس يتأرجحون بين الاثنين ؛ فمنهم من يميل الى كفة النفاق، وهم ذوو التبرير والتردد، وهؤلاء كثيرون في العصر الاول للاسلام، وكثيرون على امتداد فترات التأريخ التي شهدت منعطفات في الحركات والمواقف الثورية ضد داء الانحراف الذي استمر يدب في جسد الامة بدءاً من رؤوس انظمتها.
من هنا فان المنافق - كما مرّ- كالكافر، بل هو اسوأ منه، فهو حين يقوم بالفرائض العبادية فان قيامه هذا لاينبع من اعتقاد صحيح في قلبه، بل يصدر من المراءاة، وربما خوفاً من المجتمع الذي يحيط به.. والمعذرون -حسب التعبير القرآني- او المبررون هم اقل درجة من المنافقين ؛ فالمعذر يستخدم التورية -مثلاً- بدلاً من اظهار الكذب الحقيقي والصريح ؛ اي انه يكذب بطريقة لا تشعرك بانه يكذب. وهذا هو حال اكثر الاشخاص المحيطين بنا.. فالتبرير والاعتذار والالتواء هو الداء الاجتماعي الخطير الذي يسري في عروق مجتمعاتنا، ولعله يعشعش في نفوسنا جميعاً إلاّ من عصمه الله تعال ى.
واذا سألت احدهم ممن فتح الله سبحانه عليه ابواب الرزق، واغدق عليه الاموال فجعله متمكناً قادراً على الانفاق عن سبب عدم انفاقه بما يتناسب مع حجم ثروته الطائلة، تجده يتذرع اليك بشتى الحجج والاعذار تهرباً من هذه المسؤولية التي لا تقل أهمية عن الجهاد بالنفس، فيقول مثلاً: ان حركة التجارة متعثرة في هذه الايام، وان الكساد يعم السوق، والاموال ليست في متناول يدي الان، او انني قد دخلت في صفقة تجارية تحول دون انفاقي و... وما الى ذلك من الاعذار الواهية التي تغلف شح نفسه.
ومن هنا يبدو واضحا خطر التبرير والاعتذار، وهو انه يسلك بصاحبه الى طريق النفاق، والوقوع في هاويته السحيقة شيئاً فشيئاً. فمعاهدة الله تعالى واعطاؤه المواثيق ثم نقضها والتنصل منها، لا تقتصر على الجهاد والانفاق، بل قد تمتد الى كثير من الاصعدة في حياتنا، بل ربما تؤدي بها -لا سمح الله- الى سوء عواقبنا ولذلك فقد اوصت الاحاديث الشريفة بأن يدعو الانسان المؤمن ربه بحسن العاقبة .
ويعد التسويف من علائم النفاق ومظاهره، وهو يعني ان يقول احدنا سوف افعل كذا وكذا. في حين ان على الانسان المؤمن ان ينزع هذا الجلباب الرث عن نفسه، وان يكون جدياً في اداء واجباته، مؤدياً ما عليه في أوانه، فقد لا تسنح له الفرصة بعد ذلك؛ فان كان قد فاته واجب او فريضة فليقضهما في أقرب فرصة لان (الفرص تمرُ مرّ السحاب) كما يقول امير المؤمنين عليه السلام.. ومن هنا نفهم ان صفات التبرير والاعتذار والتسويف ما هي إلاّ بدايات الانحراف عن الخط المستقيم، وخصوصاً اذا تعلقت القضية بمظلومين ومعذبين في ظل نظام طاغ وجائر؛ فالواجب هنا يحتم علينا ان نعمل من أجل خلاصهم، والقضاء على الطاغوت المتسلط عليهم بمختلف وسائل الجهاد واساليبه، وإلاّ فان مثل هذه الصفات تعد من الذنوب الكبيرة التي نحاسب عليها.
ولابد من التأكيد في هذا المجال على هذه الحقيقة المرة، وهي ان التبرير يُعد امتداداً للكذب والدجل، ودرجة متدنية للنفاق، ولو استمرت هذه الظاهرة المرضية فينا فعلينا ان نيأس من كل أمل في النصر، لان "الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
ولعل رائد مكافحة التبرير والتسويف وكل بدايات النفاق هو أبو الاحرار الامام الحسين ـ عليه السلام ـ الذي وضع حداً فاصلاً لايزول مع الزمن والاجيال دون التبرير والقعود عن مواجهة الانحراف، فقال كلمته الحاسمة وخرج الى العراق ثائراً للوقوف بوجه سلطة يزيد، وقد كان عليه السلام حجة على الأمة في زمانه وفي كل زمان، وقد يقول البعض وحيث يجهلون انهم قد يفقدون مكانتهم وشخصياتهم اذا ما خاضوا غمار المواجهة مع الظلم، ولكننا نسألهم قائلين: أيهما أعظم عند الله شخصياتكم أم شخصية الحسين عليه السلام، وأيهما أزكى دماؤكم أم دم الحسين عليه السلام ؟!
اننا لو تأملنا في حركة الامام الحسين عليه السلام وواقعة الطف، ودققنا في حقائقهما، لتساقطت حينئذ كل التبريرات والاعذار التي نختلقها لانفسنا. وهنا لابد من القول ان قضية الامام الحسين عليه السلام ليست قضية حزن وبكاء وذرف دموع، وان كان هذا العمل أمراً يثاب عليه الانسان، ولكن شريطة ان يصحبه تطبيق للمبادىء والمنطلقات والسعي لتحقيق الاهداف الحسينية الخالدة. فالحسين عليه السلام لم يخرج الى كربلاء، ويذبح فيها هو وأصحابه ظلماً من أجل ان نبكي عليه فحسب، كلاّ فهو عليه السلام أراد منا المضي في الطريق الذي شقه بدمائه ودماء اصحابه الميامين، لذا نقرأ في زيارة الاصحاب عند مرقده الشريف (السلام عليكم يا انصار رسول الله .. السلام عليكم يا انصار دين الله)، وقال الامام في حقهم في ليلة عاشوراء بانهم افضل من اصحاب بدر.