جدل في أدب الإختلاف
|
*باسم سعيد
الناس يختلفون ويتجادلون على قضايا وافكار كثيرة.. هذا مما لا يختلف فيه اثنان. وأن يقبل المرء بمبدأ الاختلاف بحيث يكون قاعدة متينة لتأسيس ما يمكن تسميته بـ (بأدب الجدال) وحقوق المتجادلين فهذا من شأنه وضع حدٍ لحالة التمييع والقفز على الحقائق والمبادئ الاساسية للحوار البناء والمثمر.. لننظر في مصادر الهاجس الذي يواجه المحاورين الموضوعيين وهو بحد ذاته موضع جدل:
- جدلية التخطئة وتهاتر الحقوق.. حيث يرى البعض أن طبيعة الاختلاف تقضي تخطئة الطرف الآخر وإلا كانا متفقين. وعلى أساس تضييق دائرة الحقوق للقول الحق وهو في الظاهر مدعى طرفي الاختلاف، فإن كلا الجانبين يسعيان لالغاء الحقوق عن الطرف المقابل.. والمشكلة تزداد تعقيداً إذا ما عرفنا ان الحقوق لها صفة عامة متعارف عليها بين بني البشر.
- تعرض حق الاختلاف وأدب الجدل للضبابية والغموض، ومن علائم ذلك الخلط بين المفردات التالية: السباب، النقد، التوصيف.. ومع توسيع مفهوم السباب فانه سيشمل مختلف الاوصاف والنعوت الواردة في المجادلات والحوارات، وبذلك لن يبقى مجالاً للحوار البناء.. فنحن مضطرون لتخطئة معاوية وأضرابه والانتصار للحسين ـ عليه السلام ـ، فكيف يمكن ذلك دون اطلاق الصفات والنعوت المختلفة للسياسة الأموية ومن ثم نقدها؟ إن مع منطق كهذا ينبغي أقفال باب الاختلاف رسميا بدون مواربة، في حين فائدة الجدل هو التعارف بغية الحقيقة، أو على الأقل معرفة الآخر بشفافية، ولا يتم ذلك بدون نقد، وإلا هو مجرد مجالس الشورى العربية غير المُعلِّمة ناهيك عن الإلزام.
- جدلية الاختلاف وإمكانية التصويب والتخطئة.. حيث أن فائدة الجدل التمييز الذي هو غاية النقد وموضوعه، ولا يكون إلا بمعيارية، أما اذا كان الكل على حق والكل متفقاً والنوايا طيبة ان شاء الله والقاتل والمقتول مرجوين لله ومعفواً عنهما إن شاء الله!.. فما هو مبرر الجدل العلمي، بل ما هو الاختلاف، فالكل متفقون ولله الحمد!
وهذه الأخيرة ليست خصوصية النظام العربي والموروث التقليدي فقد شاركهم في هذا الشرف متبنوّ فلسفات الحداثة والنسبوية كما يصفون أنفسهم.
وبما أن النسبويين لا يألون جهدا في نقض مفرداتنا المعرفية أو إثارة الشكوك فثمة إقرار خفي بالتخطئة والتصويب، لذا يروننا على جهالة وتراكم أباطيل.. فإذن سعيهم لإقرار مبدأ التعددية ليس قائماً على مبدأ عدم الإكراه في الدين وإنما على أرضية تمييع الحدود الفاصلة بين الصواب والخطأ لتقويض المناعة وتجنيب أنفسهم مؤونة مناهضة المتدينين في ساحة مكشوفة.
|
|