قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
محاضرة يلقيها سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدرّسي ـ دام ظله ـ بمكتبه في كربلاء المقدسة
بالأصلاح والكلمة الطيبة يرتفع البلاء عن الأمة
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
" وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ"
يتبادر إلى أذهان كثيرين سؤال: لماذا تشهد البشرية الكوارث الطبيعة والفتن المدوّية بين الأفراد والمجتمعات؟ ثم ألم يخلق الله الناس ليرحمهم وبعث نبيه الخاتم الأكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ رحمةً للعالمين...؟
فلماذا إذن كل هذه الأعاصير والزلازل المدمرة والابتلاءات التي يأن من وطأتها الإنسان في كل مكان؟
وإذا تصفّحنا كتاب الله المجيد وتأملنا آياته الكريمة لوجدنا مئات الآيات تحدّث الناس عن أسباب الهلاك وسنن الله في تدمير القرى والحضارات التي مرت على التاريخ، فقد ورد ذكر أقوام مثل عاد وثمود وفرعون وقوم لوط وقوم نوح وغيرهم، وهنا سؤال آخر يتفرع من هذا السياق هو لماذا هذه الأمثلة أساساً؟ وما علاقتها بأوضاعنا الراهنة؟
للإجابة نقول: إن الحديث عن السنن الإلهية في ظهور الأقوام والأمم واندثارها، لا يشبه الحديث عن مباريات الفرق الرياضية التي يتابع البعض انتصار فريق وخسارة فريق آخر، لأن الجهل بهذه المعلومة لن يترك أثره على حياة الإنسان في حين النظر في سنّة الله تعالى في تدمير قوم نوح ـ مثلاً لا حصراً ـ له علاقة بحياة الإنسان وعلى مر الأجيال والزمن...
لذا يكون ضرورياً معرفة لماذا يموت البعض وينجو البعض الآخر، وهي تتعلق بالأهل والقوم والوطن، وهذا يستدعي الالتفات إلى آيات القرآن الكريم التي تحدثنا عن تلك السنن..
فالقرآن الكريم قليلاً ما يحدثنا عن صعود الأمم، لكن كثيراً ما يحدثنا عن سقوطها واندثارها.. مثلاً يحدثنا عن الطوفان وكيف أغرق قوم نوح وكيف خسف الأرض بالقرى السبع لقوم لوط، وأيضاً إغراق فرعون وجنوده وإنهيار جبروته.. فالقرآن الكريم لم يحدثنا عن الكيفية التي أصبح بها فرعون ملكاًَ، وإنما يحدثنا كيف غرق في اليمّ أثناء مطاردته نبي الله موسى وقومه، لأن النهاية القاسية والمصير يدخل في النفوس الرعب والخوف ويكون مناسبة للاعتبار، فإذا فهمنا سنة الهلاك والدمار يمكننا حينها أن نتجنب هذا المصير، وهذا يدعونا لاكتشاف ووضع اليد على الخطايا والذنوب التي ترتكب هنا وهناك.. والخطايا هنا على نوعين: الأول الخطيئة التي يرتكبها الإنسان لوحده ويأثم عليها، أما النوع الثاني وهو الأخطر، فهي الخطيئة التي يشترك فيها المجموع، فتكون مثلاً أمة بأكملها متورطة في الظلم او الشرك كما حصل في الأقوام السالفة، حيث تورط قوم شعيب بالتطفيف وقوم لوط بالشذوذ الجنسي فيما قال فرعون: (أنا ربكم الأعلى).. وكل أمة إنما هلكت بعد أن سادها الظلم والعصيان لله تعالى وإنه ـ جلّ وعلا ـ لا يُبيد أمة بسبب إنسان واحد، حيث يقول في كتابه المجيد: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا)..
هنا السؤال الذي يطرح نفسه بقوة.. هل بإمكاننا أن نحول دون وقوع تلك الكوارث أو نوقف مسيرة الهلاك وفق السنن الإلهية.. وكيف؟
أيها الأخوة.. أن حديثنا هذا لا يندرج في سياق التاريخ، فهو ليس مراجعة لأحوال آل فرعون وعاد ونمرود وغيرهم، وإنما هو حديث الحضارة والمجتمع، فهو حديث يهمنا لأننا نعيش في وضع قد يكون ـ لا سمح الله ـ مشابهاًَ لأوضاع الأقوام الآنفة الذكر التي استحقت العذاب الإلهي ونالت عقابها بأقسى ما يكون، وأقل ما يمكن أن يحصل في البلدان وفي مقدمتها العراق ما يحذرنا منه القرآن الكريم في سورة الأنعام "ويلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض"، ومصداق ذلك الحرب الأهلية التي لا تبقي ولا تذر، وقد شارفنا على الهلاك في بعض الأوقات لولا رحمة الله..
فضلاً عن الملايين الذين تابعوا تطورات الأوضاع في العراق خلال السنوات الماضية، فإن من المؤكد أن أهل العراق شاهدوا عن قرب ما جرى وما حصل.
أمامنا ثلاث وسائل يمكننا من خلالها ـ بحول الله وقوته ـ أن نمنع حلول العذاب علينا:
الوسيلة الأولى... الرحمة المهداة إلى البشرية والمتمثلة بشخص الرسول الأكرم ـ محمد صلى الله عليه وآله ـ.. فوجود النبي الأكرم بين الأمة كان رحمة لها، ولو قرأتم التاريخ والقرآن لوجدتم إن أي قوم لم يحلّ عليها العذاب إلا بعد خروج نبيها عنها.. واليوم مع الأسف نفقد هذه الوسيلة، ولكن عندنا وسائل قريبة تتمثل في أهل البيت ـ عليهم السلام ـ بمراقدهم واضرحتهم ومساجدهم، وذكرهم من شأنه دفع البلاء لكن بدرجات أقل..
الوسيلة الثانية.. الاستغفار.. حينما يذكرنا ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ بأنه لا يعذب قوماًَ وفيهم نبيهم "ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم...."، فإنه يقول: ما كان الله معذبهم وهم يستغفرون.. أي أن عذاب الله لا ينزل على قوم يستغفرونه.. وسأعود للحديث عن هذه الوسيلة بالتفصيل..
الوسيلة الثالثة.. الإصلاح، فبوجود الإصلاح فإن الله يرفع العذاب عن اولئك القوم بصريح الآية القرآنية "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون"، أي أنه تعالى يؤجل تدمير الأمة التي تظهر فيها قوى إصلاحية وجماعات تمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتدعو إلى الخير، وهو ما يدعونا لإسداء الشكر والتبريك لهؤلاء المصلحين..
من هنا يتوجب علينا تشكيل قوى وهيئات إصلاحية هدفها إصلاح الناس، فإن مجرد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيكون سبباً في رفع البلاء عن الأمة، وليس المهم قبول الناس النصيحة أو القبول بالأمر أو الارتداع بالنهي، إنما المهم هو الدور الذي ينبغي على الإنسان القيام به.. لكن مع ذلك لابد لنا من سبيل وطريق سالك لتحقيق هذه المهمة..
أيها الأخوة...
لقد جاء الإسلام بالكلمة، والكلمة الصادقة والطيبة التي يقول عنها ربنا في كتابه المجيد "ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء"، وقد حاول الغرب إلصاق تهمة العنف بالإسلام وإشاعة مقولة: إن هذا الدين قام بالسيف وهو خلاف الحقيقة، نعم كان للسيف دور في انتشار الإسلام، لكن الدين الإسلامي قام بإخلاق النبي الأكرم والقرآن الكريم، وأدعو الشباب لأن يجتمعوا أو يتعلموا معاً فن الكلام الطيب ثم نشره في أوساط الأمة، فهناك كثير ممن يرتكبون المعاصي والمنكرات دون أن يعرفوا قبحها أو حرمتها، وهنا نكون بأمس الحاجة إلى الكلمة الطيبة كما يدعونا القرآن الكريم إلى هذا النهج حيث يقول: " ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" وعليه لابد من التفتيش والبحث عن الكلمة التي تحملنا إلى المجتمع لتقويم مسيرته من الانحراف .
عودة للحديث عن الاستغفار.. وهنا نؤكد أهمية هذا الجانب ودوره في مسألة البلاء ونزوله، يقول الحديث الشريف: (ينزل البلاء على المؤمن والكافر لكنه لا ينزل على الذاكر...)، أي الذي يذكر بلسانه وقلبه يكون مصوناً من نزول البلاء، فلنستغفر الله ـ سبحانه وتعالى ـ ونحن نستقبل شهر رجب الأصبّ وشعبان المعظم ورمضان المبارك، علماً إن رجب أحد الأشهر الحرم إلى جانب ذي القعدة وذي الحجة ومحرم، كما إن أهل البيت ـ عليهم السلام ـ سمّوا رجب بالأصب لأن الرحمة تُصبُّ من السماء على أهل الأرض صبّاً في هذا الشهر..
ونحن كمسلمين في كل مكان وبالذات في العراق يمكننا دفع البلاء عنّا إذا توجهنا إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ وسألناه ذلك في هذه الأشهر الثلاثة وهي أشهر مباركة، إذن لنغتنم الفرصة التي هي ليست بالبسيطة وإنما عظيمة، لأن أبواب الرحمة تنفتح أمامنا، فبداية على كل واحد أن يستغفر عن ذنوبه، والكل بحاجة إلى الاستغفار فلا يوجد شخص إلا وعليه ذنب.. هذا على المستوى الفردي أما الاجتماعي فنطلب المغفرة للآخرين من الوالدين والأقربين كما علمنا القرآن الكريم "ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب"، والاستغفار لسائر المذنبين.. فحينما نزل العذاب على قوم يونس وبلغ حد الرمح عن الأرض، خرج الجميع إلى الصحراء وفرقوا بين الأطفال والأمهات والكبار عن الصغار واستغفروا الله جميعاً فغفر لهم ورفع عنهم العذاب...
ونحن أيضاً بإمكاننا الدعاء إلى الله لرفع العذاب عنّا إذا قمنا بالاستغفار الحقيقي إلى الله تعالى، وأمامنا فرص عظيمة في شهر رجب منها أول ليلة جمعة من شهر رجب، أدعو الجميع للاهتمام بهذه الليلة التي تسمى بليلة الرغائب، وتعني ان كل من لديه رغبة أو حاجة أو أمنية يريد تحقيقها فليجتهد في هذه الليلة بالدعاء والاستغفار، وفي هذه الليلة تنزل الملائكة من السماء بالملايين على الكعبة المشرفة ثم تنتشر في بقاع الأرض، وأظن إن أول بقعة تأتيها الملائكة هي مرقد الإمام الحسين عليه السلام، وقد آلى الله تعالى على نفسه أن يستجيب للدعاء تحت قبته، وأنتم ـ يا أهل العراق ـ محظوظون بهذه النعمة الإلهية، فهناك من يتمنى أن يكون في كربلاء المقدسة ليلة الرغائب وفي مشهد الإمام أبي عبد الله الحسين ـ عليه السلام ـ ومن المستحب صيام يوم الخميس الذي يصادف أول أيام رجب وجميع أيام الخميس، وهناك صلاة بين المغرب والعشاء ليلة الخميس، تصلّونها ثم ترفعون أيديكم إلى السماء بالدعاء، وأول دعائكم هو إن يمنّ الله على العراق بالأمن والرفاهية، وأن يلهمنا الألفة لبعضنا البعض وأن ينزل على قلوبنا الرحمة ويوحّد صفوفنا.. بالمقابل يجب نبذ الأفكار الحزبية التي تمزق المجتمع وتقسمه أشكالاًَ والواناًً.
اكرر قولي للاخوة الاعزاء بأنه عندما تقفون امام ضريح الامام الحسين ـ عليه السلام ـ وتقولون: إنّا سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم وموالون لمن والاكم، علينا تطبيق هذا الكلام، أي ان نوالي من يوالي الامام ـ عليه السلام ـ، ونجعل في قلوبنا نور الولاية ليس للنبي واهل بيته، ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وانما ولاية كل المحبين، فقد جسد الرسول الاكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ، صفة الحب للإنسانية باروع حالة وموقف عندما قام المشركون في مدينة الطائف باغراء الصبيان وتحريضهم عليه بالقاء الحجارة حتى سالت الدماء من قدمية، قال مخاطباً ربه تعالى: (اللهم ان كان هذا يرضيك فخذ ما يرضيك) ثم قال مقولته المشهورة: (اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون)..
إذن علينا التخلّق بأخلاق الرسول الاكرم وهي المحبة والألفة، وأدعو الاخوة خطباء المنبر في صلوات الجمعة والمناسبات الاخرى، ألا يشحنوا المجتمع بالسلبيات واثارة الاحقاد والافكار العنصرية.
وبعد دعائنا لانفسنا واهلينا لندعُ للمسؤولين في هذا البلد بان يرزقهم الله الحزم والعزم والايمان والتوفيق لخدمة الناس وتحقيق النزاهة والكفاءة والجدية وتوحيد الصف، ولندعُ الى مراجع الدين بان يمدّ الله في اعمارهم وألا يفرق الناس من حولهم، وان يوفق الله الناس للالتفات حولهم والاخذ بكلمتهم الداعية الى الوحدة وروح الالفة والعمل الصالح، بل لندعُ الى الشباب والشابات بالتوفيق والعمل الصالح.. إن الله تعالى يُحب العبد المصر على الدعاء، ومن اكثر من طرق الباب اوشك ان يسمع الجواب.. ونحن متوجهون نحو الدعاء وكُلنا امل ورجاء بوجوب ألا يتسلل الينا اليأس والقنوط من رحمة الله، إذ ليس من العقل والحكمة والتصور ان الرحمة الالهية تنزل في كل مكان من العالم ما عدا العراق، فالله ـ سبحانه وتعالى ـ يريد الرحمة والخير لجميع خلقه، والدعاء خير وسيلة لتحقيق هذا الامر الالهي، وحينما يبين ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ سنن الهلاك في سورة الاعراف يقول: "وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ"، فالبأساء ترمز للمشاكل والازمات التي تنشأ من الناس ومن احتكاك بعضهم ببعض، وتكون النتيجة هي الحروب والصراعات وغيرها، اما الضراء فهي المشاكل التي تأتي بها الطبيعة مثل العواصف والسيول والزلازل.. والهدف من كل ذلك هو ان يصل الانسان الى حالة التضرع والخشوع الى الله، اي تحول الناس من حالة الاسترسال والاهمال والغفلة الى اليقظة، ثم يقول ربنا في سياق الآية المباركة نفسها: ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ".. اي بعد تعرضهم للمشاكل والازمات، تحولت حياتهم الى الحُسنى من جميع الجهات، بحيث نسوا تلك الايام المرّة واصبحت في عداد الحكايات القديمة التي يتداولها كثير من الآباء والاجداد وماجرى عليهم.
إذن.. امامنا ثلاث مراحل في الحياة علينا طيها لتجاوز المشاكل والازمات: الاولى هي مواجهة البأساء والضراء والثانية بلوغ الحياة الحسنى، والثالثة هي اليقظة والانتباه، فإذا لم تحقق المرحلة الثالثة ولم تتم العودة الى الطريق القويم فان الله يأخذهم بعذابه بغتة وهم لا يشعرون..
نسأل الله سبحانه وتعالى ان يبعد عنا وعنكم هذه اللحظات الصعبة، ويجيرنا من الهلاك.. وهناك تفاصيل في هذه الآية الكريمة وآيات اخرى لعل الله يوفقنا لتبيينها في مناسبات اخرى، إنه سميع مجيب وصلى الله على محمد واهل بيته الطيبين الطاهرين..