عبرة لمن يعتبر
الثقة بعالم الدين
|
كثرت الاقاويل حول علماء الدين في بلادنا ومعظمها يتمحور على المال، حيث يشاع بين الناس ان العلماء لا يقل حرصهم على المال وجمعه من بقية شرائح المجتمع، بل ويطلبونه حتى وان كلف ذلك الاساءة لانسان او تجاهل حقوق الناس، وغير ذلك من الادعاءات وهي تبقى بعيدة عن كونها قاعدة يمكن الاستناد عليها في الحكم على امور كهذه لوجود الشواذ والاستثناءات في اوساطنا، اما الحالة العامة فهي شيء آخر تماماً لان من نتعامل معهم حالياً انما استلهموا الدروس والعبر من اسلافهم العلماء الكبار.
يقول المرجع الديني الراحل آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي ـ رحمه الله ـ ان احد وكلاء المرجع الديني الكبير السيد ابي الحسن الاصفهاني نقل له بانه في الفترة التي كان وكيلاً للمرجع الاصفهاني في احدى المدن العراقية جاءه تاجر واعطاه ثلثمائة دينار ـ وكان مبلغاً كبيراً جداً آنذاك ـ وقال: ادفع المبلغ الى السيد عندما تذهب الى النجف ثم ائتني بوصل الاستلام.. قال الوكيل: مضت عدة ايام وشاهدت التاجر بطريق الصدفة وإذا به يسلّم عليّ وهو مستبشر ويقول لي: اشكرك الى إسراعك في إيصال الحقوق الشرعية الى السيد ثم اخرج من جيبه الوصل وقد كتب عليه بخط المرجع الاصفهاني وتوقيعه مامضمونه: (وصل المال عن طريق وكيله) الذي لم يره اساساً! فسأل الوكيل مندهشاً وكيف حصلت على هذا الوصل؟! قال: كانت لنا جنازة فذهبت الى النجف الاشرف للمشاركة في مراسيم الدفن ثم صادفت المرجع الاصفهاني في الطريق واخذت الوصل منه..
ويواصل الوكيل قصته بانه بعد مرور عدة ايام سافر الى النجف الاشرف وتشرف بزيارة المرجع الاصفهاني في بيته، فحرص السيد على مفاتحته بعيداً عن الناس، وبعد ان تفرق الناس من حوله اخرج الوصل من جيبه واعطاه للسيد المرجع وسأله من باب التأكد وإزالة العجب: هل هذا خطكم وتوقيعكم، قال السيد: نعم، قلت اعطاكم المبلغ قال: لم يصلني المبلغ! قلت: فكيف كتبتم الوصل؟ قال: ليس هناك فرق بين يدك ويدي! واضاف: ان التاجر جاء عندي وقال: هل وصلك المال؟ قلت له: ايّ مال؟ فتحدث عن المبلغ الذي اعطاك اياه، فقلت له: هل تريد الوصل؟ وكان رد التاجر هو القبول بلهفة فكتبت له هذا الوصل فقال الوكيل للسيد المرجع: لماذا لم تقل للتاجر ان المبلغ لم يصلني بعد؟ اجاب السيد المرجع: خشيت ان تضعف ثقته بك، ومن جراء ذلك تضعف ثقته بكل عالم دين، واضاف السيد للوكيل: قلت في نفسي: اما ان تعطيني المبلغ، وبذلك تكون قد اديت ماعليك، وإذا لم تعطني فانك قد تكون بحاجة اليه: إذن لا فرق بين استلام المبلغ بنفسي لادفعه الى المحتاجين او تستلمه انت وتسد به حاجتك وحاجة غيرك.
وكانت مفاجأة الوكيل اكبر عندما دفع السيد المرجع الاصفهاني نصف المبلغ الذي استلمه من وكيله اليه قائلاً له: لعلك بحاجة اليه. وأبى عليه الا ان يأخذ نصف المبلغ رغم اصرار الوكيل بالرفض بعد ان تملكه شعور عارم بالاحراج والخجل.
بهذه الطريقة حقق السيد ابو الحسن الاصفهاني اهم مسألة تشغل بال المجتمع وهي الثقة بعالم الدين، كما انه يعطينا درساً بليغاً في ان الكرامة وسمعة الانسان اهم واكبر من المال مهما كان الرقم كبيراً.
|
|