لنُحيِ ذكرى وفاته في التاسع والعشرين من جمادى الثانية
السيد محمد (سبع الدجيل).. سليل الإمامة ومحط رحال الزائرين
|
محمد طاهر محمد
إن الإمامة إن عدتك فلم تكن تعدوك كلا رفعةً ومقاما
يكفي مقامك أنه في رتبةٍ لولا (البدا) لا خيك كنت إماما
ليس ادل من هذا التعريف والبيان للدلالة على هذا العلم من اعلام الدوحة المحمدية الشريفة والنجم الساطع في سماء المفاخر العلوية القدسية..
بزغ نور هذا الكوكب في افق المدينة المنورة في قرية يقال لها (صريا) عام 212 هجري، وفي هذه القرية التي اسسّها الإمام موسى بن جعفر (ع) على بعد ثلاثة اميال من المدينة المنورة، ولد ثلاثة من الائمة المعصومين هم الإمام علي بن موسى الرضا ومحمد بن علي الهادي والحسن العسكري (ع) فضلاً عن عدد من اولادهم (ع) ومن بينهم السيد محمد بن على الهادي(ع)..
ترعرع السيد في كنف والده الإمام علي الهادي (ع) النور العاشر في سلسلة الانوار الالهية المنصوص عليهم بالإمامة فنشأ في ذلك البيت الذي تحف به الملائكة، اما امه فهي السيدة الطاهرة (سليل) التي عّبر الإمام علي الهادي (ع) عن علو منزلتها وسمو مقامها بقوله في حقها: (سليل.. مسلولة من الآفات والنجاس)..
عاش السيد محمد في رعاية ابيه أربعاً وعشرين عاماً وكانت تلك السنوات كافية لان تجعل منه الصورة الواضحة لشخصية ابيه واخيه (ع)، وعاصر من الخلفاء العباسيين خمسة هم: الواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز الذي توفي السيد محمد في خلافته، وقد عاصر السيد محمد كثير من الاحداث التاريخية وشاهد ما جرى على اهل بيته من فجائع وآلام ومأسٍ منها خروج يحيى بن عمر بن يحيى ابن عبد الله بن جعفر الطيار بالكوفة سنة 48 هجري الذي قُتل وحُمل رأسه الى بغداد وصلب، وكان يحيى هذا متديناً ورعاً شديد العطف على اهل بيته من العلويين، باراً بالناس، كما عاصر السيد محمد خروج الحسن بن زيد العلوي في طبرستان سنة 250 هجرية
جاءت كل هذه الثورات العلوية نتيجة طبيعية لجور السلطة العباسية وطغيانها وقمعها فكان السيد محمد يرى ما يجري على ابناء عمومته من العلويين من قتل وصلب وتشريد وسجن وتعذيب فكان يتلقى تلك الصدمات بقلب المؤمن الصابر المفوض امره الى الله، وفضلاً عن كل هذه الصدمات والنكبات فقد كان سيدنا يشارك اباه واخاه في محنتيهما وما جرى عليهما من الترحيل عندما حملهما يحيى بن هرثمة القائد العسكري في عهد المتوكل من المدينة الى سامراء، وما قاسياه من الخلفاء العباسيين وفضلاً عن الضغط السياسي الذي عاناه سيدنا مع اهل بيته فقد عانى من ظهور التيارات الضالة التي ابتدعت الآراء المنحرفة وإفشاء الشذوذ الفكري، فكانت معاناته تتفاقم وهو يحس بانه من المكلفين بحفظ شريعة جده (ص) من الضلالة والبدع لكن كل تلك النكبات التي تعرض لها سيدنا لم تمنعه من بسط اشعة علمه الالهي على الناس وارشادهم الى الصراط المستقيم وارجاعهم الى جادة الصواب، فكان من علماء آل محمد وفضلائهم ومما يدل على فضله وعلمه ان من الشيعة كانت تعتقد ان الامامة فيه بعد ابيه الهادي (ع) إلا ان هذه الفرقة اضمحلت ورجعت الى اخيه العسكري (ع) بعد ان عرّفهم الإمام الهادي بالامام المنصوص عليه من بعده، وبخاصة بعد وفاة السيد محمد في حياة ابيه الهادي.. ويحدثنا العمري في (المجدي في النسب) ص 131 عن علان الكلابي احد معاصري السيد محمد، على فضل سيدنا ومكانته السامية فيقول: (صحبت أبا جعفر محمد بن علي الهادي وهو حديث السن فما رأيت أو قر ولا ازكى ولا اجل منه).
توفي السيد الجليل محمد بن علي الهادي سنة 254 هجرية ودفن في المكان المعروف الآن وهي المنطقة المعروفة بالدجيل نسبة الى نهر الدجيل المشهور، وقد شرف السيد مجد هذا المكان بنسبته الى شخصيته المقدسة عندما لُقب بسبع الدجيل لانه كان يحمي زواره من اللصوص وقطاع الطرق فكان لا ينال احداً من زائريه اي اذى وهذا اللقب من اشهر القابه وقد روى المؤرخون لسيرة سيدنا محمد بن علي ان سبب اطلاق هذا اللقب عليه ان قبره الشريف كان مكاناً خالياً من السواد وقراهم وهو يبعد عن بلد بـ(خمسة كيلومترات) وعن ضفاف نهر دجلة بـ(اربعة كيلومترات) ومن المعلوم ان المناطق الخالية تكون مرتعاً للصوص وقطاع الطرق فكان الزائرون لمرقده المقدس يشعرون بالخوف من اللصوص لكنهم عند وصولهم الى القبر الشريف يشاهدون سبعاً (اسداً) ضارياً يجوب الارض حول القبر وهو لا يدع احداً من اللصوص يصل الى زوراه بسوء فقال الشاعر في ذلك
ينام قريراً عندك الوفد إنه يُهاب فلا يدنو الى ضيفك اللص
لعمرك قد خافوك حياً وميتاً وهل قيل هذا خيف في رمسه شخصُ
ومن القابه ايضاً سبع الجزيرة والبعاج وابو جاسم وابو البرهان لوضوح كرامته ودلالة قربه من الله ـ تعالى ـ وقد روى الخاص والعام كراماته الباهرة ومعجزاته الزاهرة كما الف في هذه الكرامات العديد من العلماء الاعلام منهم العلامة محمد علي بن عبد الائمة البلداوي والشيخ جابر ابن الشيخ مهدي آل عبد الغفار البلداوي والشيخ هاشم بن محمد علي البلداوي والعلامة الكبير الميرزا هادي الخراساني والعلامة الحجة الكبير محمد الطهراني ابن العلامة المحقق الشهير الميرزا ابو القاسم الذي كان من اجلاء تلامذة المجدد الكبير آية الله محمد حسن الشيرازي كما الف عن معجزات السيد محمد العلامة الشيخ المحقق الكبير محمد علي الاوردبادي الغروي النجفي والعلامة قاسم ابن العلامة السيد على بن ياسين الحسين البلداوي والشيخ علي بن الشيخ حسن ابن علي الخاقاني النجفي واحمد بن عبد الله القطيفي وغيرهم.
ان تلك السيرة العطرة لسيدنا محمد بن علي الهادي كانت مثار قرائح الشعراء في كل العصور فمدح ورثى وعدد مناقب السيد محمد كثير من الشعراء منهم محمد علي اليعقوبي ومحمد صادق الصدر وعبد الغني الخضري وعبد الحسين الحويزي والسيد محمد هادي ابن آية الله محمد الحسن صدر الدين العاملي الكاظمي والسيد علي نقي النهدي والشاعر مسلم الحلي ومحمد مهدي الصدر الكاظمي الذي ذكرنا له بيتين في مقدمة الموضوع ومن ابياته ايضاً في رثاء سيدنا محمد بن علي (ع)
ابا جعفر يا غوث كل ملمة ويا ملجأ اللاجين في الكرب والضر
دعوتك للأمر العسير وطالما بلء انقلب الامر العسير الى اليسر
ومما قاله الشيخ عبد الحسين الحويزي في مدح السيد محمد:
أهلَّ دجى وشمس ضحى وفرقد سليل علي الهادي محمد
اخو الحسن الزكي وعم مولى حمى الدين القويم به مؤيد
سموت فنلت غايات المعالي جميعاً ياسمي الجد بالجد
رأت منه الامامة وجه سعد وطالعها بوجه اخيه اسعد
اجل لو لم تؤجل فيك حلت ولم يكن البداء عليك تعقد
نعم بقيت سيرة هذا السيد الجليل تلهم الاجيال بمعاني العقيدة السامية وبقي مرقده مفزع اللاجئين وملاذ المكروبين وسطع كالشمس قبلة للزوار وقد مر المرقد المقدس بالعديد من التجديدات والبناء في عصور متفاوتة واول بناء اقيم على القبر الشريف هو بناء عضد الدولة البويهي من عام 367 ـ 373 هجري وفي عام 914 هجري جدد البناء اسماعيل الصفوي ثم محمد رفيع الخراساني عام 1198 هجري/ 1777 ميلادي وفي عام 1250 هجري/ 1824 ميلادي جدد البناء محمد صالح بن محمد القزويني كما جدد بناء القبر الشريف السيد المجدد محمد حسن الشيرازي عام 1311 هجري ثم الميرازا محمد الطهراني عام 1371 هجري وثم السيد حسن الصدر ابن السيد هادي الموسوي الكاظمي عام 1355 هجري وفي عام 1366 جدد البناء السيد محمد بن السيد حسين القمي
|
|