نوافذ أبي ذر الغفاري (9)
حق الله وعلم الإنسان
|
في احد نهارات المدينة المنورة دخل المسجد الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري (جندب بن جنادة) رضوان الله عليه، فلم يجد فيه احداً سوى الرسول الاكرم والى جانبه الإمام علي بن ابي طالب (ع)، فما كان منه إلا ان يغتنم الفرصة، لانه من النادر جداً آنذاك ان يكون الرسول الاكرم وحده وانما بين الناس والصحاب دائماً، فطلب من الرسول الاكرم (ص) ان يوصيه، فرحب به (ص) وقال له: (إني موصيك بوصية فإحفظها فإنها جامفة لطرق الخير وسبله..).
قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ:
"يا أبا ذر، إن حقوق الله ـ جل ثناؤه ـ أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد.. ولكن أمسوا وأصبحوا تائبين".
يثير النبي المصطفى ـ صلى الله عليه وآله ـ في هذا المقطع من الوصية أنتباه أبي ذر رضوان الله ـ تعالى ـ عليه إلى ثلاث قضايا، وهي: العباد، والشكر، والتوبة.
كما يؤكد (ص) بأن حقوق الله ـ سبحانه وتعالى ـ على درجة من العظمة بحيث تعجز جميع المخلوقات عن أدائها، وإن استخدموا مطلق قابلياتهم وواصلوا العبادة والشكر طيلة أعمارهم، ومن لا طاقة له على تقديم الشكر المطلوب، يفترض به أن يلتزم بواجب التوبة والاستغفار والتضرّع إلى الله تعالى، لعلّه يُجبر ضعفه وعجزه عن أداء حق الشكر لربّه، ولعل إحدى فوائد الإقرار بالعجز عن أداء الشكر لله تعالى أن لا يصاب المرء بالغرور والعجب بطاعاته وعباداته.
ومن مؤامرات الشيطان ومكائده أنه يستهدف عبادة ابن آدم ليمزج معها العجب والغرور، بمعنى أنه قد لا يوسوس للعابد ـ في بعض المرات ـ بارتكاب هذا الذنب أو ذاك، وإنما يقصد العبادة بحدّ ذاتها ليصيبها في الصميم، ويأتي على إيمان الإنسان ويهدمه من أسسه.
فقد يقوم المؤمن بأداء صلاته بنية خالصة وحضور قلبي مقترن بالخضوع والخشوع، ولكن الشيطان يدخل عليه من نافذة صلاته ليقول له: لا أحد يصلّي مثلك، ويمتدح ما عنده من الخشوع والتوجّه، حتى يلقي في روعه العجب والغرور، فيعبّد جادة الانحراف في قلبه وعقله.
جاء في رواية عن المعصوم ان رجلين دخلا المسجد أحدهما عابد والآخر فاسق، فيخرجان من المسجد والفاسق عابد والعابد فاسق، وذلك أنه يدخل العابد المسجد وهو مدلّ بعبادته ويكون فكره في ذلك، ويكون فكرة الفاسق في التندّم على فسقه؛ فيستغفر الله من ذنوبه.. والعلّة في ذلك تكمن في أن الرجل الصالح قد أدى عبادة معينة في المسجد، ولم يظلم أحداً، ولكنّه حينما همّ بالخروج، خرج وهو (مدلّ بعبادته) أي أنه قد دخله العجب واغتر بعبادته، وهذه الحالة لا تحتاج إلى حركة أعضاء وجوارح.
فلذلك خرج الصالح فاسقاًَ بعد أن كان عابداً، ولكن الفاسق دخل المسجد فرأى صاحبه العابد بحالة من الخضوع والخشوع يتعبد ويستغفر، ففكّر في نفسه وقال: إذا كان هذا الصالح يتعبد ويستغفر ويخشع ويخضع، فالويل لي مما ارتكبت من الذنوب، ثم تكرست في ذاته حالة من الندم والتوبة.
وفي مقدمة من يجب عليهم الحذر من العجب هم حملة القلم، إذ من المفترض بمن تلقّى بعض العلم، وكان يتمتّع بذهنية وقّادة أن يحذر من مرض العُجب والغرور، وأن يدرك أن ذهنيته هذه إنما هي نعمة ربانية قد منحت له من الله تعالى بلا مقابل، وبهذه الذهنية التي وهبها الله إياه استطاع أن يكون محطّ حاجة الناس، ولكنه بدلاً من أن يلبي للناس حاجاتهم العلمية والثقافية، تراه ممتلئاً غروراًَ وعجباً، وهذا من حبائل الشيطان.
إن الشيطان لا يصارح الإنسان بهدفه ونيته، وإنما يتسلّل إليه شيئاً فشيئاً، فليقّنه الغرور كلمةً كلمة، ويغذيه بالعجب لقمةً لقمة، وما يحول دون الإصابة بهذه الجراثيم القاتلة هو العلم بأن حقوق الله لا يمكن للإنسان تأديتها على الوجه المطلوب، وأن أعماله غير لائقة في محضر الله وساحته القدسية، وأن من المفترض به أن يسعى إلى اجتناب المحارم...
إذن جميع أعمال الإنسان العبادية قاصرة في محضر الرب الجليل، وإذا رسخت هذه القاعدة في الأذهان، فلا شك أن الذنوب ستتضاءل، هذا فضلاً عن أهمية إدراك أن ما يقوم الأشخاص به من الأعمال، والموفقّية التي تدفعهم إلى ذلك، إنما هي موفقية ربانية تقف وراءها الرحمة والنعمة والفضل الإلهي، فالدراسة والعبادة والذهنية الصالحة والسعي الدؤوب، إنما هي توفيقات إلهية مباركة، ولولاها لاستحالت فرصة انجاز أي عمل صالح.
ويتطرق الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ في وصيته لأبي ذر حيث يقول: (... وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد)..
وأكبر نعمة تفضل الله بها على المؤمنين هي نعمة الإيمان بالرب الواحد الخالق المتفضل العادل، ما يحتّم عليهم إبداء الشكر على أنهم ليسوا من الكفار.
أما أولئك الذين عكفوا على عبادة غير الله طيلة أعمارهم فسيصابون بالحسرة العظمى في يوم القيامة، كما سيرى المؤمنون آنذاك نعمة الإيمان التي تفضّل الله بها عليهم.. فالإيمان نعمة كبرى، ولتحقّقها شروط كثيرة، مثل: الزمان المناسب، أو كون الأبوين مؤمنين، والمكان المناسب، فيتكوّن من هذه الشروط وغيرها مزيج رائع ينتج عنه انخراط الفرد في سلك الإيمان.
وبما إن الإنسان ـ أساساً ـ يفتقر إلى القدرة على شكر النعم الإلهية. فإن الطريق الوحيد الذي يستطيع إنجازه، هو السير على طريق التوبة والاستغفار.. (أمسوا وأصبحوا تائبين).
نعم؛ إن للتوبة أن تجبر النقائص والعيوب البشرية، وتغطي أخطاء الإنسان، لقد ورد في الأثر الموثّق: (أربع من كنّ فيه لم يهلك على الله بعدهنّ إلا هالك: يهمّ العبد بالحسنة فيعملها، فإن هو لم يعملها كتب الله له حسنة بحسن نيته. وإن هو عملها، كتب الله له عشراً. ويهمّ بالسيئة أن يعملها، فإن لم يعملها لم يكتب عليه شيء، وإن هو عملها أجّل سبع ساعات....).
إن أتباع مدرسة أهل البيت ـ سلام الله عليهم ـ يعيشون اليوم في عصر الغيبة؛ غيبة الإمام المهدي الموعود ـ عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ، وإنّ واحدة من نعم الله تعالى على الشيعة هي الوجود المقدّس لمولانا صاحب العصر والزمان ـ صلوات الله عليه ـ، الأمر الذي يوجب عليهم إبداء مزيد من الشكر تجاهه، وإن من أبرز مصاديق الشكر هو إدخال السرور على قلب الإمام ـ عجل الله فرجه ـ؛ وهو حجّة الله في أرضه، وذلك من خلال القيام بالمسؤوليات الشرعية، أي ضرورة أن نعي هذه المسؤوليات وندرك عمقها ومدى تأثيرها والعمل بموجبها.
|
|