قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

الــديمقــراطيــة.. فكــر وممــارســة
الشيخ عبد الله الصالح(*)
من نافلة القول: أن ديمقراطية أي إنسان تقاس بمدى إيمانه بحرية الناس في ما يختارون من أساليب وقناعات لممارسة دورهم في حياتهم وتحديد ما يختارون طرقاً وأساليب لإدارة شؤونهم والوصول لتحقيق أهدافهم، أي ما يعطي من ديمقراطية للآخرين. فكلما كان الإنسان منصفاً وحريصاً على حرية الآخرين وحرية خياراتهم كلما كان مثالاً وإنموذجاً للأحرار، ومصداقاً لما يؤمن به من أفكار، وكلما كان حريصاً على حريته وظالماً وجائراً على حرية الآخرين كان إنموذجاً سيئاً ومنافقاً كبيراً في معتقداته. هذا الكلام يأتي بعد أن أصبحت الديمقراطية - اليوم - محبوبة الجماهير وصديقة الجميع وخيارهم، لكن هل هذا هو الواقع حقاً؟! وهل يمكن ـ وبهذه الطريقة ـ أن يتحول الناس بين عشية وضحاها، وباختلاف أطيافهم وتوجهاتهم إلى ديمقراطيين حتى النخاع؟!! وهل أن الديمقراطية؟ بعد كل ما قيل عنها أصبحت اليوم المفتاح السحري الذي يتوقف عليه علاج مشاكل الوطن؟!! أم هل وصل الناس فجأةً سن الرشد وانتهى قصورهم الذي كان الذريعة الأولى دائماً كلما لاح استحقاق معين يتوجب إعطاؤه؟!! وهل أن الديمقراطية منهج وطريقة للحياة العزيزة في الوطن أم أنها نوع من أنواع الفلكلور والزينة التي لا غنى عنها لإخفاء مساوئ التخلف والديكتاتورية؟!!
أتذكر أنه زارنا أحد الأصدقاء الكويتيين في الهند "في بنغلور" عام 1991م ونقل الطرفة التالية: أيام الانتخابات الكويتية "وأظنها انتخابات 1986م" كان أحد المرشحين وتمشياً مع العادات الشائعة هناك أفتتح له خيمة انتخابية يلتقي بهاالناخبين ويجيب عن أسئلتهم واستفساراتهم، فتقدم أحد زواره بسؤال بسيط جداً: ما هي الديمقراطية يا أستاذ؟ فانتصب ذلك المرشح أمام الميكرفون وتنحنح وقال: الديمقراطية هي أنا وأنت وكل الشعب. فأخذ السائل ينظر في وجوه رواد تلك الخيمة بتعجب من هذا الجواب وقبل أن يتفوه بأي كلمة كان المرشح يتبع جوابه بمؤثر عملي لإقناع الناخبين بجدارته فقال: إسحاق (اسم عامل يخدم في خيمته) (جيب زلابيا للشباب)!!!
ترى ما هو بيت القصيد عند ذلك المرشح أ هو الديمقراطية أم الزلابية؟!! أ هو منافع الناس ومصالحهم أم بطونهم؟!! هل المقصود الطموحات أم الشهوات؟!!. قد يكون هذا إنموذجاً لمرشح بسيط في تفكيره وأسلوبه للوصول إلى البرلمان، لكن هذا هو ديدن كثير بمن فيهم السلطة عندنا في البحرين، إذ ما الفرق بين أن تكون الديمقراطية زلابيا لدى مرشح أو أطباق شهية متعددة أو صفقات من تحت الطاولة عند مرشحين أكثر ثقافة ومعرفة وأتيكيت وحنكة وبين تجنيد ألوية من الكتاب المأجورين لترويج معنى محدد لديمقراطية تريدها السلطة (وبس) و"يدوخ" المواطن للعثور عليها في غير فكر كتابها فلا يجدها؟!!. ما الفرق بين أن تكون الديمقراطية صفقة شخصية بين مرشح ومواطن أو صفقة ضخمة ومدروسة بين السلطة وبعض المرشحين عبر مراكز الاقتراع أو غيرها؟!! وما الفرق بين تقديم الزلابيا كجواب عن معنى الديمقراطية أو إيقاض الفتنة وإثارة الطائفية وقتل جلسات البرلمان بإثارات لا طائل من ورائها لإحباط استجواب وزير أو مطالبة باستقالة أو محاكمة وزير آخر؟!! أو إسقاط مشروع محاسبة أو مراقبة للحكومة والذي هو من صميم عمل أي برلمان في العالم؟!!
كل ذلك يطرح سؤالاً كبيراً برسم المعنيين "حكومةً، ونواباً، ومواطنين، وكل من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة": أ نحن نفهم الديمقراطية فكراً وممارسةً أم لا نزال بعيدين كل البعد عن ذلك؟!! وسواء كان الجواب بنعم أو لا فلابد أن يستوقفنا ذلك وينقلنا إلى الغوص أكثر في معنى الديمقراطية ومتطلباتها، علنا نصل إلى مفهوم وممارسة يكون أكثر فائدة للمجتمع والوطن، ويخرجنا من الحسابات النفعية الضيقة التي لا تخدم غير أصحابها أو فئة ضيقة جداً وفي كثير من الأحيان على حساب الوطن ومصالحه وهو ما شاهدناه بوضوح في الحياة البرلمانية القائمة، فهل من مراجعة جادة لذلك؟!! نأمل من كل قلوبنا.
عضو جمعية العمل الاسلامي ـ البحرين.