التأويل .. معرفة السبب والحكمة واستثارة العقل لوعي الحقائق
|
*الشيخ معتصم سيد أحمد
قال تعالى في سورة يوسف "إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَأَبتِ إِنّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ"
ان رؤية أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين، يمثل ذلك الظاهر الذي ينطوي على باطن خفي، ولا يتحقق ذلك إلا بالتأويل، فعندما تراءت لنبي الله يوسف ـ عليه السلام ـ الحقيقة التي تمثل تلك الرؤية، من سجود أبويه وأخوته قال تعالى "وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرّواْ لَهُ سُجّدَاً وَقَالَ يَأَبَتِ هَـَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّي حَقّاً" نجد انه عدّ مباشرة ذلك تأويلاً للرؤية فقال: "هذا تأويل رؤياي"..
وقصة موسى مع الخضر ايضاً تكشف هذا المعنى للتأويل، فعندما وجد مجموعة من الأفعال تتحرك في اتجاه مخالف لضوابط الظاهر، ولم يتعرف حينها على حقيقة السبب الموجب لتلك الأحداث، فما كان أمامه إلا الاعتراض "وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىَ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً" فإذا أجرينا مقابلة بين الموقفين نجد أن كلاً منها ينطلق من بنيته الخاصة، والجامع المشترك بينها هو التأويل، قال تعالى: "فَانْطَلَقَا حَتّىَ إِذَا رَكِبَا فِي السّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً" فقال الخضر بحسب السبب الباطن "أَمّا السّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مّلِكٌ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْباً" مبيناً بذلك العلة الباطنية "فَانْطَلَقَا حَتّىَ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نّكْراً".. قال الخضر "وَأَمّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبّهُمَا خَيْراً مّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً فَانطَلَقَا حَتّىَ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً" قال الخضر "وَأَمّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مّن رّبّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عّلَيْهِ صَبْراً" وهو قول الخضر "سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عّلَيْهِ صَبْراً".
وتارة نجد أن الآية القرآنية بظاهرها قد لامست السنّة والبنية التي قام عليها الظاهر، وفي مثل هذه الحالة نجد القرآن يؤكد أن هذا هو تأويل الظاهر، يقول تعالى "وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ" فعندما ننظر إلى هذا المقطع نجد أن الآية لا تؤسس لعمل الموازين بما هي، وإنما تؤسس لموضوع العدالة الاقتصادية، وهو البنية والعلة لوجوب الوزن المستقيم وعدم إجحاف حقوق الناس، نجد أن الله يقول "ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً" تأكيداً لهذا المعنى، فقد تحدثت الآية في المقطع الأول عن الظاهر الذي يمثل تجسيداً مرحلياً للسنة وهو "أوفوا الكيل" ومن ثم بقليل من الالتفات يمكن كشف القاعدة التي ارتكزت عليها الآية وهي (العدالة الاقتصادية)، ويمكن التقاط تلك الإشارة من كلمة (مستقيم) التي تحمل في معانيها العدالة، فاستقامة الشيء لا تكون إلا بالعدالة، ويقول الحديث الشريف: (ما وضع العدل في شيء إلا زانه وما وضع الجور في شيء إلا شانه)، وبهذه الطريقة يمكن أن نعطي النص استمراريته وتجدده، لأن العدالة الاقتصادية هي القانون والسنة التي يمكن أن تستوعب كل المتغيرات، فإذا تغيرت موازين التبادل التجاري، ولم يكن فيها نوع من الكيل أو الميزان، كما هو موجود في بعض أنواع التجارة اليوم، فإن الآية تكون حية وفعالة، لأن العدالة الاقتصادية هي الحاكمة.
كذلك يمكن اعطاء التأويل بعداً آخر لا ينحصر في إيجاد تفسير علمي للظاهر، وإنما يمكن أن يتجاوز ذلك بالكشف عن الحادثة قبل حدوثها، وتقريب فهم هذا الفرض بأن معرفة السنة وهي السبب الموجد للظاهر، هو في حقيقة الأمر معرفة للظاهرة أثناء حدوثها وقبل حدوثها، وذلك من باب معرفة السبب طريق إلى معرفة المسبب، ومعرفة العلة طريق إلى معرفة المعلول، ونلحظ ذلك في قول يوسف لصاحبي السجن "قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاّ نَبّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا" والتأويل هنا الأخبار بأمر قبل حدوثه.
ويقول ربنا تعالى "هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ".. فهذه الآية تكشف أن حركة التأويل في النص تجري على نوعين من النصوص: نوع جائز وهو المحكم، ونوع آخر وضعت له شروط، أما النوع الأول هو الآيات المحكمات، والنوع الثاني هو المتشابه، وهذا خلاف ما ذهب إليه بعض الباحثين، بأن التأويل أمر خاص بالمتشابه، فإذا عرفنا التأويل بالعبور إلى باطن النص لمعرفة الحِكم والسنن، فإنه لا يختص حينها بالمتشابه، لان كل آيات الكتاب مشتملة على سنن وحِكم، وليس هنالك فرق سوى أن المتشابه يصعب اختراق ظاهره لمعرفة باطنه.
وإذا تأملنا في كون المحكم هو أم الكتاب، يمكننا استنتاج أن التأويل هو معرفة خريطة السنن التي قام عليها الظاهر القرآني، فإن السنن المكتشفة بالتأويل من الآيات المحكمة تمثل أصول القيم التي تدور حولها بقية الظواهر في الآيات المتشابهة، فإن (السنن والحِكم والقيم) تترتب تراتباً هرمياً ضمن قانون تفاضل القيم، أو قانون الأصل والفرع التابع له، أو ألمهم والأهم، ومن هنا يمكننا أن نصف قيم الآيات المحكمة وسننها بمنزلة الأصول والبنية الأساسية لهيكلية الهرم القيمي، وبالتالي هي قاعدة الصرح القرآني وأم بنائه، فإن كانت الأم هي العمود الذي تقوم عليه خيمة الأسرة، فإن هذه السنن المحكمة هي أم الكتاب.
ولو حاولنا أن نجد مثالاَ لتشبيه هذه الحالة، يمكننا ضرب مثل بالدستور الذي يعد القيم الأساسية التي يهدف الدستور لتحقيقها، ومن ثم تأتي مجموعة من التشريعات، والتفصيلات، التي تمثل قيماً مرحلية فرعية مشتقة من القيم الدستورية، ومن هنا يصح لنا أن نقول إنّ القيم الدستورية هي أم القانون، لأنها المرجع الذي يؤول إليه تفسير التشريع، فإذا حدث اختلاف في فهم بعض التشريعات الجزئية بين احتمالين أو أكثر، فالمرجع حينها إلى قيم الدستور، التي تعد محكمات القانون، فالذي يحاول أن يحمل النص القانوني إلى معنى بعيد لهوى في نفسه، أو زيغ في قلبه، يعد حينها نوعاً من أنواع التلاعب على القانون، ويجب رده إلى المعنى الذي يتماشى مع القيم الدستورية، ومن هنا نفهم إن النهي عن العمل بالآيات المتشابهة وفقاً لفهمنا لمعنى التأويل، ليس نهياً مطلقاً، وإنما هو نهي ناظر للاحتمال الآخر، وهو الفهم دون الاحتكام للمحكم، وذلك لزيغ في القلب، أو ابتغاء للفتنة، وبالتالي في حالة الاختلاف في معنى المتشابه، فإن المرجع المحكم هو روايات أهل البيت عليه السلام، فقد جاء في تفسير العياشي سئل الامام الصادق عليه السلام عن المحكم والمتشابه قال: (المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهله).. وبذلك يعطي الأمام مفهوم النسبية في الآيات المتشابهة، فهي تختلف باختلاف مراتب الأفهام، وفي (عيون أخبار الرضا) عن الامام الرضا عليه السلام (من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم) وبالتالي من أهم شروط الاستنباط هي ضبط المحكم والرجوع إليه في حالة الاختلاف.
وبذلك نخلص إلى أن التأويل ضروري لتفعيل النص، في كل زمان لأنه يشتمل على قيم النص وحِكم الأحكام، وهي المساحة التي يتحرك فيها العقل الإنساني، وحينها يتكامل العقل والنص في رؤية واحدة تؤسس للخطاب الإسلامي في كل مراحله، وبذلك نحل أزمة الصراع الدائر بين التيارات التي لا تعترف إلا بمعيار الوحي، في قبال تيارات لا تعترف بهذا المعيار إلا في حدود ضيقة وتجعل للعقل المساحة الأوسع في التأسيس الفكري.. وفي هذا المجال يقول المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدرّسي ـ دام ظله ـ في كتابه (التشريع الاسلامي .. مناهجه ومقاصده): (وخلاصة فكرتنا عن التأويل في النص الإسلامي: أنه استثارة العقل، ليصل إلى وعي الحقائق ومشاهدتها عن كثب، فهو محطة تزود للروح ومعراج التحلق للعقل، وإنما الراسخون في العلم المسلمون للحق والمؤمنون بالحق كله هم أهل التأويل. وأنه يضمن خلود النصّ القرآني الذي يعتمد لغة ثبات الإطار وحركة محتوى. وأنه الجسر الموصل بين النص وبين الفهم لأنه يسمح للأول أن يشارك في عملية الفهم).. وبعد ذلك تبقى الخطوة الثانية المكملة لعملية التأويل وهي ربط هذه الحِكم بالمتغيرات في الواقع.
|
|