قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

البراءة من الفرق الضالة.. واجب المؤمنين
*طاهر القزويني
هل أعلنت البراءة من المشركين؟!
إذا لم تفعل ذلك من ذي قبل فها هي الفرصة متاحة لك لأن تعلن ذلك وبكل حزم، ذلك أن الفرصة قصيرة والمسافة غير بعيدة وربما سيأتي يوم وتندم لأنك لم تفعل ذلك!
سيأتي قوم إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ ويطلبون إليه ـ عزوجل ـ أن يعيدهم إلى الدنيا حتى يتبرأوا من المشركين كما جاء في سورة البقرة "وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ.." فقبل أن نكون من هذه الزمرة يجب أن نعلن براءتنا من المشركين والظالمين حتى لانحشر معهم ولانعد من أتباعهم.
وقصة هؤلاء أنهم كانوا يتبعون الظالمين والطغاة من أجل مصالحهم الدنيوية، فأغووهم وحملوهم أفكاراً ضالة، فلم يعترضوا وأخذوا بها من دون نقاش لضمان تلك المصالح، فجنوا على أنفسهم وارتكبوا الجرائم إرضاءً لسادتهم وأوليائهم المجرمين، ولـمّا رحلوا عن عالم الدنيا وقدموا إلى الله العزيز قالوا: يا ربنا لم نضمر العداء لنهجك وإنما هؤلاء الظلمة الذين قادونا إلى هذا المسلك، ولم نفعل شيئاً إلا عن أمرٍ منهم، ولم نفعل إلا ما أمرونا به، وهنا يتدخل الظلمة ويجيبون: بأننا لم نأمرهم بشيء وإنما هم تصرفوا بحسب مصالحهم وما فرضتها عليهم أهواؤهم، فهم الذين كانوا يلحقون الاذى بالمؤمنين وهم الذين كانوا يقتلونهم، وهم الذين كانوا يضعون العراقيل في طريق الإيمان!
عندها يعض التابعون على أصابعهم ويتحسرون على كل الخدمات التي قدموها للظلمة والطغاة، وكل الأعمال التي مارسوها في هذا الطريق ويتمنون أنهم لو رجعوا إلى عالم الدنيا حتى يعلنوا براءتهم من هؤلاء الظلمة ولكن.. هيهات!
تلك كانت صورة واحدة من صور شتى يمكن أن تحدث للبراءة من المتبوعين، لأن الاتباع له أشكال وأنواع، فهناك إتباع للفكر المنحرف واتباع لأعمال منحرفة وهناك إتباع لأشخاص منحرفين، ويعرض لنا القرآن الكريم نماذج من البراءة من كل تلك التصنيفات التي ذكرناها وهنا يبرز النبي إبراهيم عليه السلام في مقدمة الموحدين الذين أعلنوا البراءة من المشركين وله قصة طويلة في القرآن الكريم تشتمل على كل تفاصيل القصة المثالية التي يمكن أن يصبح بطلها مثالاً وقدوة للعالمين أجمع.. يقول القرآن الكريم في سورة الانعام: "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ* فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ* فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ* فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ".
هذه القصة مليئة بالمحاججات العقلية والعلمية، لمن يريد أن يتفحص أمر الخالق، فهي تشير إلى حقيقتين من أهم الحقائق الكونية المتعلقة بالخلق، الأولى: الظهور والاختفاء، والثانية: الكبر، فبالنسبة إلى الظهور والاختفاء يجب أن لايختفي الخالق عن حياة المخلوق مثلما حدث بالنسبة إلى القمر الذي رآه إبراهيم، وأن يكون الأكبر من جميع المخلوقات كما في الحقيقة الثانية، وعندما رأى الشمس قال هذا أكبر ولكن وجودها كان ناقصاً من جهة الاختفاء والظهور، وهو ما يدل على وجود قوة أكبر منها تسيرها بين عملية الظهور والإختفاء.
لكن ما يهمنا في هذا الموضوع ليس الإستدلال الموضوعي حول عدم خالقية هذه الكواكب، بقدر إهتمامنا بتلك الوقفة العظيمة التي وقفها إبراهيم عليه السلام ليعلن براءته من شرك قومه، فهي ـ الوقفة ـ بحاجة إلى شجاعة عظيمة وإلى يقين كبير بخالقية الله ـ عزوجل ـ، مثل هذه الوقفة الشجاعة في تلك الظروف الصعبة يمكن أن يسجلها ويخلدها التاريخ ويرفع من شأن هذا الإنسان الذي تحدى بمفرده قوى الضلالة.
وقوى الشرك والضلالة هي أيضاً موجودة في عصرنا، وقد يتمثل بها قوى الطغيان مثل الدول المتجبرة والحكومات الفاسدة، والحكام المجرمين، والجماعات المنحرفة، فهذه كلها يمكن أن تمثل دور قوى الشرك والضلالة ويجب على الإنسان أن يتخذ إزاءها الموقف الصارم الذي أراده الله ورسوله(ص).
فلا يجوز أن نكتفي بالنظر إلى ما يحدث من دون أن نحرك ساكناً تجاه الصراع القائم بين قوى النور وقوى الضلالة، فلابد أن نحدد موقفنا وأن نشارك في هذا المعترك بمختلف الاسلحة المتوفرة: الثقافية والفكرية والسياسية والاقتصادية حتى نستطيع أن نبرئ ذمتنا أمام الله ـ سبحانه وتعالى ـ ونقول: إننا تبرّأنا من المشركين صدقاً وقولاً وفعلاً، وحتى لانصاب بمثل مصير أولئك الذين إنتقلوا إلى عالم الآخرة وتمنوا على الله أن يعيدهم إلى الدنيا حتى يتبرأوا من المشركين.
والبراءة أيضاً تكون من أعمال المفسدين والمجرمين، يقول الله ـ عزوجل ـ على لسان نبيه في سورة يونس "فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ"، وهنا تدعونا هذه الآية العظيمة أن نتبرأ ليس فقط من الفكر المنحرف، بل تطلب التبرؤ من أعمالهم الاجرامية التي يقدمون عليها.
والعجيب أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يأمر نبيه الكريم أن يتبرأ ليس فقط من أفعال المشركين فقط بل ويتبرأ حتى من أفعال أصحابه الذين لايطيعونه ويخالفونه في كل صغيرة وكبيرة وهنا يقول الباري عزوجل في سورة الشعراء "وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ"..
ومعنى البراءة هنا أن يتخذ أهل الإيمان موقفاً واضحاً تجاه ما يجري حتى لايختلط الحابل بالنابل، ولايدخلون شيئاً مما يخالف الدين إلى نصوصه وأحكامه ويضيع الحق على الناس أجمعين، وأول من تجب عليه البراءة هو النبي المبعوث، فموقفه حجة على العباد، وهم يتأسون به ويقتدون بنهجه، وأول ما يتبرأ منه النبي الكريم هو الفكر المنحرف الذي لايقوم على أساس منطقي أو ديني، والأمر الثاني: الأعمال الصادرة عن هؤلاء المشركين، والأمر الثالث: الأعمال التي يقوم بها المسلمون من دون نص قرآني أو نبوي.
وإذا كان الله ـ سبحانه وتعالى ت قد أمر نبيه بالبراءة من أفعال أصحابه الذين خالفوا النص القرآني والنص النبوي، فكيف يحق لنا أن نتستر على فرقة تدعي الاسلام، ومعتقداتها إلى الشرك هي أقرب من الإسلام؟ تلك الفرقة التي تنزل الله ـ عزوجل ـ إلى مقام الإنسانية الوضيع، وتشبهه بالمخلوقات وتصور له صورةً وترسم له وجهاً، وتضع له يداً وتجعل له قدماً يهرول بها! حاشى الله مما يقولون وتعالى علواً كبيراً مما يدعون.. فهؤلاء يجب فضحهم وكشف حقيقتهم للمسلمين كافة حتى لايلوثوا بأفكارهم حقيقة الاسلام الناصعة.
فليس هناك مساومة مع الباطل، ولابد أن يشق الحق بطن الباطل حتى يخرج ناصعاً نظيفاً من غير لبس أو تشويه، وإذا تراجع أهل الحق عن بيان فكرهم الناصع، فأن هؤلاء سيتجرأون على نشر أباطيلهم وشركياتهم على المسلمين كافة.. وها نحن الآن نشهد إنتشار الأفكار الضالة بين المسلمين، وذلك كله نتيجة سكوت علماء المسلمين من شيعة وسنة على هؤلاء المضلّين والمنحرفين من الوهابيين الذين عاثوا في الأرض فساداً في السنوات الاخيرة من عمر النظام البائد.
ولابد من القول هنا ان التبرؤ يجب ان يبتعد عن الاجواء السياسية التي لايتنفس فيها الا من اعتادت رئته على استنشاق مختلف الروائح، فمن يحمل في نفسه بذرة التكفير وإلغاء الاخر سواء أكان في (العملية السياسية) أم كان خارجها او في ظرف كان يشمله التبرؤ بلا ريب وتردد.. وهذا ما نجده ضروريا جدا في العراق الذي يجري فيه الحديث بشكل واسع عن البناء والاعمار وطيّ مرحلة الماضي، حيث يفترض ان تنقشع الغمامة السوداء عن سماء هذا البلد الذي يحمل المبادئ والقيم رغم جراحه وآلامه طوال العهود والازمان السالفة، ولايجب ان يكافأ ببقاء الافكار التكفيرية والضالة دون مكافحة وعلاج.