قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
في مواجهة الغزو الثقافي التكفيري
شمس الحقيقة خلف دخان الفضائيات
*علي ضميري
كان أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وكان أعداؤهم والناصبون لهم بالحقد والضغينة، تماماً كما كان الحق وكان الباطل؛ إذ المعركة دائرة منذ أبينا آدم عليه السلام وإبليس، وحتى هذه اللحظة وإلى أن تقوم الساعة، فما دام الحق، هناك باطل؛ اللهم إلا أن تقوم دولة إمامنا المهدي الموعود عجل الله تعالى بظهوره المبارك، حيث ينشر العدل في أرجاء الأرض ويخفت الظلم والباطل إلى حد الانعدام.
وكما أن للمعصومين الأربعة عشر سلام الله عليهم، أعدا ءهم الشخصيين، فان لشيعتهم من الذين يحملون مبادئهم أعداء أيضاً؛ فقد حاول مبغضو الشيعة وما يزالون كبت صوت الحق والمبادئ الصادقة المأخوذة أساساً من النصوص القرآنية الواضحة والأحاديث النبوية الشريفة،
وهذا العداء القديم الجديد له أسبابه ومنطلقاته وساحاته ورجالاته، ولعل من أهم أسبابه؛ الموقف السلبي المجرد لمبغضي آل محمد وشيعتهم، كرهاً للحق لكونه حقاً ليس إلاّ؛ حتى أن أميرالمؤمنين الإمام علياً عليه السلام تحدث عن أشخاص يبغضونه وإن سقاهم المصفّى من العسل!
ومن الأسباب الاخرى الجهل بالحق وأهله، وحيث يمتزج هذا الجهل بظروف نفسية، يتحول إلى حقد وكراهية، وإن تبين لدى الجاهل أصل الحق وصدق أهله، وسبب آخر هو المصلحة المادية التي تقف وراء البغض والكراهية، إذ يفضل المبغض لأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم الانصياع والتبعية لمصلحته المادية والدنيوية على الإقرار بالحق وقبول ممثليه، رغم علمه واكتشافه للحق، حيث يجحد به رغم استيقانه به، وكما أن أئمة الضلالة والكفر يعلمون تمام العلم بخرافة وسخافة اتخاذ الأصنام آلهةً، واكتشافهم أن للوجود خالقاً، إلاّ أنهم يجحدون بالله الواحد الأحد ويكفرون بضرورة الإيمان بهذا الخالق الواحد وبمن يرسل من أنبياء ورسل؛ كذلك شأن بعض مبغضي آل البيت وشيعتهم، فهم يعلمون يقيناً بأن الحق والصواب معهم لا مع غيرهم، وتؤمن ضمائرهم بضرورة اتباعهم وإبداء الطاعة لهم، بعد الخضوع لهم بالولاية، والتقرب إليهم بالمودة والمحبة، إلا أنهم يرجّحون المصالح والمناصب وطاعة نوازعهم النفسية السلبية على قبول كلمة الحق والإيمان بأهله.
وليت بغضهم للحق كان بغضاً قلبياً، أو عناداً فكرياً تكنّه ذواتهم وتؤمن به عقولهم فحسب، لكن هذا البغض وهذا العداء، تحول إلى ظاهرة عملية، انتهت إلى التكفير وتحليل الدم الحرام والسلب وانتهاك الحرمات، متذرعين بحجج أدانها القرآن الكريم، ونبذها الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله من قبل، وهذه الحجج لا علاقة لها بالدين ابداً، مثل تكفير الشيعة وتفسيقهم لأنهم يسبّون الصحابة أو بعض الصحابة، أو لكونهم يتوجهون باللعن إلى غير الشيعة، وغير ذلك.
والمهم أنهم ماضون في غيهم، متحالفين على مستوى الأفراد والجماعات والحكومات، ولعل من آخرها صيحات بعض القنوات الفضائية التي تستضيف الناصبين العداء لأهل البيت عليهم السلام، وتبجّل مرتزقة طاغية العراق المقبور وبعض أعوانه الذين يعرفهم العراقيون جيداً بالفسق والفجور، لسجل خدماتهم السيئة الصيت لعدي صدام وغيره الذين عاثوا في الأرض فساداً وللناس قتلاً وتعذيباً وتشريداً.
*الجهل؛ ممر القنوات التكفيرية*
القنوات الفضائية التي ترفع شعار الحرية واستقلال الفكر والعقيدة لاتنفك تسيء لأهل البيت عليهم السلام ومحبيهم وشيعتهم، حتى أنها راحت تروّج الأكاذيب لمشاهديها، شأنها في ذلك، شأن الإعلام البعثي المقيت، الذي يحول الفأر بلمح البصر إلى فيل! وتحرف النصوص الواردة عن المعصومين، بل ولعلها تستفيد من مقاطع بعض الروايات الواردة، والتي هي بالأساس ضعيفة السند لدى معظم علماء الشيعة، كما أنها – بين هذا وذاك- تتعمد بعض المحسوبين على الشيعة، ومعظمهم ضعيف الاستدلال، قليل العلم، غير متفوه بالحديث، وأكثر من ذلك، أنها تحاصره بموجات من الأباطيل الفكرية وبعض الأشخاص الذين لايسمحون له بالتحدث ويقاطعونه في كل حين، هذا فضلاً عن تعمد الخلط في جلسات الحوار والندوات بين عقائد أهل البيت وأصل التشيع، وبين الممارسات السياسية الصادرة عن بعض المحسوبين على التشيع، والتي يراها أصحاب هذه القنوات والأبواق الوهابية الضالة، بأنها ممارسات خاطئة وغير شرعية.
هذه المحاولات الإعلامية الباطلة وأمثالها كثير، ليست في الحقيقة إلا الوجه الثاني والترجمة الحية لما اعترف به ملك السعودية بلسانه بانه قد انفق المليارات من الدولارات لدعم صدام حسين في الحرب مع إيران، وأمثال هذا على استعداد لبذل مئات المليارات الأخرى من الدولارات لئلا يتولى الشيعة في العراق زمام الامور بعد إسقاط صدام.
وحيث نرى أنه من المؤسف أن تكون نتاجات الثقافة الشيعية عبارة عن ردود أفعال لما تنشره الوهابية وأذنابها من أباطيل، مما يدعو العلماء ومثقفي الشيعة بأن يشمروا عن سواعد الجد، لتوعية محبي أهل البيت عليهم السلام ومواليهم بتحمل مسؤولياتهم الجسام في مقابل هجمات مبغضي الدين الحنيف، فالحالة العقائدية تبدو جدّ خطيرة، لاسيما في العراق الذي لايزال قابعاً بين سندان الاحتلال ومطرقة الإرهاب وهو يخوض حالياً ما يسمى بالعملية السياسية.
*اللعن وليس السبّ*
بين الحين والآخر، يثير الوهابيون جملة من الشبهات ضد أصل التشيع والشيعة على وجه العموم.. ومن آخرها: اتهام الشيعة بأنهم اتباع ثقافة تتصف بالكراهية إزاء الآخرين، مما يحدو بهم إلى سبّ الآخرين ولعنهم، وهذا محض افتراء على مذهب الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، إذ كيف يعمد اتباع مذهب يريدون له الانتشار في أقطار الأرض إلى غيرهم، ولاريب أن الوهابيين ومن والاهم يتعمدون الخلط بين ممارسات بعض عوام الشيعة-كما هي ممارسات أغلب الناس من غيرهم- وطريقتهم في الكلام، مما لم يأمر به الأئمة ولم يقبل به الفقهاء، وبين مشروعية اللعن.
وهنا لابد من القول إن السبّ هو القدح في أعراض الناس، والشيعة منهيون عن ذلك أشد النهي، فضلاً عن علمهم بأن السبّ أساساً لايتناول الشخص المقابل بمقدار ما يتناول عرضه وشرفه، والقدح في الشرف بحاجة إلى دليل وإثبات، بينما الشيعي الملتزم بخط أهل البيت الذي هو خط القرآن ينأى بنفسه ويتعالى بألفاظه عن هذا التسافل.
ثم ان الشيعة يروون عن إمامهم الأول أمير المؤمنين سلام الله عليه، أنه قال لبعض جيشه في معركة صفين ممن ردّوا بالسبّ على جنود معاوية الذين تناولوا أهل البيت عليهم السلام بالشتائم: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين).
أما إلحاق أوصاف بعيدة عن الإيمان والإنصاف والنبل بأعداء أهل البيت عليهم السلام من جانب الشيعة، فهو يمثل إتباع خطاب القرآن الكريم الذي تحدث فيه الله عزوجل عن الظالمين والكافرين، حيث وصفهم بالجهل والكذب والفسق والفجور.. ومنها: "إن الفجار لفي جحيم"، أي الكفار والمنافقين وكل من لم يحكم بما أنزل الله، ومما أنزل الله تعالى إثبات الولاية وضرورة الطاعة المطلقة لأميرالمؤمنين علي عليه السلام حيث قال: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" ولم يفعلها غير علي عليه السلام فنزلت فيه هذه الآية برواية جميع المحدّثين والمفسرين.
إذن؛ فهناك فارق كبير بين اللعن الذي خاطب به القرآن الكريم جميع الضالين وبألفاظ مختلفة، وبين السبّ الذي يحاول مرتزقة الوهابية الإعلاميين الخلط بينهما وتشويه الصورة الحقيقية على البسطاء من الناس.
إن اللعن في اللغة يعني الدعاء على شخص بالطرد من رحمة الله ورضاه، واصطلاحاً تستخدم ألفاظ ومشتقات اللعن لإعلان البراءة من سيرة من يقع تحت طائلة اللعن، ومما يثير الاستغراب، بل ويؤكد لكل منصف، أن هؤلاء الإعلاميين الوهابيين يكرسون كل جهدهم لإلغاء ثقافة قرآنية واضحة وصريحة، وهي ثقافة تحمل المسؤولية وتحديد الموقف والتبرؤ من أهل الباطل وأعمالهم ومشاريعهم.. حتى أنك لتسمع أن مقدم برنامج أحدى قنواتهم الفضائية ينكر على الملأ وجود هذه الثقافة القرآنية، حيث يخلط مرة أخرى جميع الاوراق محاولاً قلب الحقيقة على المشاهدين والمتابعين، حينما يردّ على أحد المشتركين الذين يصلون على النبي وآله ويلعنون أعداءهم، مدعياً بأنه لاوجود لثقافة اللعن في القرآن، وأن الله يكره السبّ واللعن، وأن (من الضروري التعايش السلمي على الأصعدة كافة ومع جميع الشعوب والديانات والمذاهب)؛ بل إن الله- كما يدعي هذا الإعلامي المتحالف مالياً مع الوهابيين في الكويت والسعودية- لم يتوجه باللعن إلى إبليس حتى! وكذلك أراد الهداية للكافرين ولم يلعنهم أو يسبّهم!
وما أقسى ردّ هذه القناة الوهابية وأخواته إذا ما انتقد أحد المتابعين، المسيحيين واليهود والغربيين عموماً، ليتأكد للمشاهد المنصف بغض النظر عن كونه شيعياً أو غيره بأن أزمة هذه القنوات وعداءها مع الشيعة لاغير، لاسيما وأنها تفسح المجال لمن ينال من أهل البيت عليهم السلام والشيعة بمختلف الأشكال، الظاهرة منها والباطنة، ضمن التباكي على الصحابة والحكام المنافقين.
*تغييب ثقافة المسؤولية*
من هنا فان اللعن الذي يقول الشيعة بمشروعيته، إنما هو ثقافة قرآنية محضة يوجهونها إلى العارفين بالحق والمعاندين لهم، بمعنى أنهم يوجهونه لأئمة الضلال ومن يتبعهم على علم، علماً أن القرآن الكريم قد أورد ألفاظ اللعن ومشتقاته واستعملها أكثر من ثلاثين مرة ضد الكافرين والمنافقين وأئمة الضلالة وإبليس، ولعل أحد أهم أهداف هذا الإستعمال القرآني الصريح هو تحميل الإنسان المؤمن والمسلم مسؤولية تحديد موقفه المستلهم من شريعة السماء وتعاليمها، تجاه الباطل وأهله، وإعلان الموقف الصريح والمسؤول من مجمل حركة الصراع القديم الجديد بين الخير وأتباعه، والشر وأتباعه، ومثال ذلك قوله سبحانه وتعالى: "وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ"، والخطاب موجه الى ابليس الرجيم، و" أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ"، وقال تعالى أيضاً: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ".
أما المنهج الوهابي المستقى من صميم المنهج الأموي المعادي لأهل البيت وأتباعهم، فهو عازم على نشر ثقافة التبرير واللامسؤولية وتكريسها في عقول الناس، لتسنح الفرصة للحكام الظالمين ووعاظ السلاطين في ممارسة ظلمهم وسرقتهم للناس..
وإذا كان بنو أمية قد خططوا لنشر هذا المنهج الباطل ليحكموا رقاب الناس ويبعدوا أهل البيت عن الساحة، فإن الوهابية أضافت إلى هذه الجريمة ما هو أفظع منها، وهو تمكين القوى الاستعمارية والصهيونية من رقاب المسلمين ونهب ثرواتهم والقضاء على الثقافة القرآنية وتغييب تفسيرها الصحيح والأصيل.
وعلى الضفة الأخرى، وحيث أن الله تعالى قد جعل الولاية المطلقة وأكد ذلك رسوله الكريم بصريح النصوص المقدسة- قرآناً وحديثاً- لعلي عليه السلام، وحيث أن الله تعالى أكرم أهل البيت بالتطهير التام عن الرجس- الذنب والخطيئة بأنواعها ودرجاتها- فإننا كاتباع ومحبين لآل الرسول المعصومين، نصف خصومهم أئمة ضلال، ونرى بأننا مأمورون باتخاذ موقف البراءة منهم وضرورة مواجهتهم بالطريقة التي أمرنا الدين بها.
فياترى لماذا يدعي الوهابيون محبة آل محمد ويروون الحديث النبوي الشريف القائل:(الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) بمعنى أنهما أفضل أهل الجنة لأنهما كانا أفضل أهل الدنيا، وأنه لايقاس بآل محمد بشر كما ينقلون ذلك عن إمامهم أحمد بن حنبل، ثم يعترضون على من يتبرأ من ظالمي آل محمد وسادة أهل الجنة وقاتليهم، بل ويكفرونه بحجة واهية، هي لعن الصحابة.. وأية صحبة وهو يظلم ويقتل من يدعي مصاحبته والإيمان بما أنزل معه من النور؟!
وعليه لينظر كل مسلم منصف يعبد ربه ويبحث عن الحق وأهله، وعن حقيقة المنهج الوهابي، ومدى ما يعكس هذا المنهج من سياسة تنفّر الإنسان عن الإسلام الأصيل.
ثم هل يسأل الوهابيون أنفسهم ويبحثون في حقيقة منهجهم عن السر من وراء تقربهم إلى الغرب بهذا الشكل الذي كبّل بلادهم بجملة من الاتفاقيات الاستراتيجية على صعيد الأمن والاقتصاد والسياسة والحرب بل راح قائلهم ووزير خارجيتهم بالتصريح عشرات المرات بأنهم لن يستخدموا النفط سلاحاً في المعركة مع الغرب؟
وهؤلاء الذين يدعون التمسك بظاهر القرآن، ويأخذون على الشيعة بالقول بالتأويل والبحث في باطن كتاب الله، ألم يطّلعوا على حرمة اتخاذ المسلم للكافرين أولياء؟ وإذا لم تكن العلاقة بين الوهابيين والغربيين واليهود ولاية، فما هو شكل الولاية وحقيقتها إذن؟ وإذا كان الشيعة وأهل السنة يزورون قبور أئمتهم الذين يرون فيهم التقوى والصلاح ولكن أئمة الوهابيين، بمن فيهم زعماء القاعدة، ييممون شطر البيت الأبيض ويقدمون آيات الولاء لرؤسائه، فانظر أيهم أحق بالكفر والضلال؟! وانظر أخيراً أيها المنصف إلى أئمة الفريقين؛ فأئمة الشيعة هم رسول الله وأهل بيته سلام الله عليهم، فيما أئمة الوهابية هم معاوية ويزيد ومروان والحجاج، وسلاطين الجور من بني امية وبني العباس والعثمانيين واليهود والبريطانيين والامريكان أخيراً.