قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
نافذة على مفردات القرآن
الشكّ والريب
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة يبدو أن أصل الشك هو التداخل بين أمرين أو أمور مختلفة، بينما الريب هو اختلاط الأمر عند الإنسان، والشك المريب هو الشك الذي يخلط الوجوه عندك.
وقال ابن فارس عن الشك: يدل على التداخل، من ذلك قولهم شككته بالرمح، وذلك إذا طعنته فداخل السنان جسمه. (مقاييس اللغة/ ج3، ص173)، وقال عن الريب: والريب ما رابك من أمر، فيقول رابني هذا الأمر إذا ادخل عليك شكاً وخوفاً. (مقاييس اللغة/ ج2، ص463).
فالشك مرحلة ما قبل الريب، وهو أقرب إلى الحالة العقلية، بينما الريب أقرب إلى الحالة النفسية.
ومن خلال التأمل في القضايا الحياتية المعاشة، وأبعاد الشك أو الريب فيها، نستطيع أن نعرف أبعاد هذه الكلمات في الحقائق الكبرى والقضايا العقائدية.
مثلا قصة الشهادة في الوصية التي يجب أن تكون من قبل عادلين اثنين من المؤمنين، أما عند وفاة المرء في السفر وعدم وجود عدول المؤمنين، فاثنان من غيرهم، وعليهما أن يقسما من بعد الصلاة بالله ألاّ نشتري به ثمناً، حتى ولو كان ذا قربى، وألاّ نكتم الشهادة، نرى أن السياق القرآني يستخدم كلمة "إن ارتبتم"، فجاء في قوله تعالى: "يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ" (المائدة/106).
وكذلك في قضية الطلاق بالنسبة إلى اليائسة من المحيض، إذا شك في أمرها، أ هي حامل أم لا؟ هنا أيضا يستخدم القرآن الكريم كلمة "ارتبتم"، أي داخلكم الريب في توقع وجود العمل. وقال الله تعالى: "وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ " (الطلاق/4).
أبعاد كلمة الريب
1-ان الإنسان مسؤول عن الريب الذي يداخله، بسبب خور عزمه وضعف ارادته وخوفه من وعي الحقيقة، وعدم استضاءته بنور العقل، كما أنه هو المسؤول عن ضلالته وكفره، وأن الله قد أتم عليه حجته وأقام له ما يكفيه من البراهين، ونصب له ما يهديه من الأدلة، وأعطاه من العقل ما يبدد كل ريب يداخل قلبه، غير أنه يتربص ويرتاب بسوء اختياره.
وهكذا، يكون من مسؤولية كل انسان تبديد الريب عن نفسه والسعي نحو الإيمان، فحين يلتقي المنافقون بالمؤمنين يوم القيامة، يسألونهم قبساً من نورهم، فيقول المؤمنون: ارجعوا إلى الدنيا والتمسوا نوراً. فيقول المنافقون: كنا معكم! فيجيب المؤمنون: بلى؛ ولكنكم ظلمتم بسوء اختياركم، حيث تعرضتم للفتن والشهوات ولم تبادروا إلى التوبة والإيمان واخترتم الريب وغرتكم الأماني. وهنا يقول الله تعالى: "يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ" (الحديد/14).
2-وعن المنافقين الذين تراهم في الحرب يستأذنون الرسول للتهرب من الحرب، يقول الله تعالى: "إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ" (التوبة/45).
3-والمبطلون يفتشون عن أي تبرير، لكي ترتاب قلوبهم ومن هنا فان الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله ما كان قبل الرسالة يتلو كتاباً ولايخطه بيده، لكي لايجد المبطلون تبريراً لريبهم. قال الله تعالى: "وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ" (العنكبوت/48).
ثم إن الريب لو كان له ما يبرره حقاً، لكان العقلاء يداخلهم الريب. ولكن لانه لم يكن صحيحاً، فان المبطلين وحدهم الذين اصابهم الارتياب، مما يدل أن الإرتياب من فعل الإنسان، وليس من طبيعة القضية المطروحة للنقاش.
4-وحين جعل الله أصحاب النار تسعة عشر، فان ذلك من اجل فتنة الناس، فسقط الكفار في هذه الفتنة، أما المؤمنون فانهم ازدادوا إيماناً ولم يرتابوا. قال الله تعالى: "وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا" (المدثر/31).
ومن هذه الآية نستوحي؛ إن مسؤولية الريب على عاتق الإنسان، فمن أكمل فكره وعقله وآمن، هداه الله إلى اليقين، فلا يرتاب؛ ومن كان في قلبه مرض، ارتاب وأخذ يتساءل ما هذا المثل؟
5-وهكذا كان من صفات المؤمنين أنهم لايرتابون، لان الإيمان حقاً هو نفي للشك والريب. قال الله تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ" (الحجرات/15).
6-وقد يكون أحد أعمال الإنسان سبباً لاثارة الريب في نفسه، كما كان بنيان مسجد (ضرار) ريبة في قلوب المنافقين. قال الله تعالى: "لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" (التوبة/110).
7-إنعكس ريب المنافقين في اعراضهم عن حكم الرسول صلى الله عليه وآله، وبان المرض الذي في قلوبهم، وخوفهم من حكم الرسول. قال الله تعالى: "أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (النــور/50).
8-وهكذا يتحدى القرآن الكريم الذين ارتابوا في الرسالة، ويأمرهم بأن يأتوا بمثل القرآن. وبسبب عجزهم سوف يعرفون صدق الرسالة، وأنها من عندالله تعالى. وهذا نوع من تبديد الريب الطارئ على الإنسان. قال الله تعالى: "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (البقرة/23).
أبعاد كلمة الشك
1-يُعد الشك في الحقائق الكبرى، ضلالة كبرى، ناشئة من الكفر بها. والكافر لايُسلّم للحق أنّى كانت آياته واضحة، وقصة الأنبياء عليهم السلام وأممهم أكبر شاهد. قال الله تعالى: "أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ" (إبراهيم/9)، فقد كفروا بالرسالة، ثم شكوا في مفرداتها، وذلك بعد ان خالطهم الخوف والتردد، وخشوا من عاقبة قبول الدعوة. ولم يكن لشكهم أي مبرر عقلي، بل كان نابعاً من كفرهم وجحودهم وعنادهم.
2-وكذلك قوم صالح، حين حمل النبي صالح عليه السلام إليهم رسالة ربه، راعهم ترك آلهتهم، فاعتذروا بالشك في أمره. قال الله تعالى: "قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ" (هود/62).
3-ويبدو أن أحد أسباب الشك في الرسالات اتباع المصالح، وهو الذي يسبب الاختلاف بين الناس، فإذا دعوا للتحاكم إلى الحق وإلى الرسول شكوا... والحقيقة انهم لم يؤمنوا حتى يشكوا، بل تظاهروا بالإيمان. قال الله تعالى: "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ" (هود/110).
4-ان الاختلاف الذي ينشأ في الجيل الثاني بعد الرسالة، إنما هو ناشئ من هذا الشك المريب. قال الله تعالى: "وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ" (الشورى/14).
5-وإذا ما اعترى الإنسان شك، وهو يروم الحقيقة دون عناد وبنية خالصة، دعاه الله إلى السؤال لكي يبدد شكه. قال الله تعالى: "فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ" (يونس/94).