من قصص العلماء
الشجاعة ومسؤولية الدعوة الى الله
|
*طالب الأحمد
للعلماء دور كبير في تثبيت دعائم الدين، والمحافظة على قيم الخير والصلاح، وردع الظالمين عن التلاعب بأمور الدين والأمة، وعادة ما كانت تحدث المشاحنات بين العلماء ورجال الدولة، وذلك بسبب تدخلهم في شؤون الحكم واعتراضهم على الممارسات الحكومية، وبرغم كل الأخطار التي كان العلماء يواجهونها في مسيرتهم تلك كانوا يستمرون على هذا الدرب دون أن يتنازلوا قيد أنملة عن مواقفهم الشجاعة.
كان من بين هؤلاء العالم الرباني الميرزا القمي، وكان في العهد القاجاري من ابرز علماء الدين في طهران... وذات مرّة ذهب إلى قصر الملك الايراني آنذاك فتح علي شاه وقال له مخاطباً: أيها الشاه إعدل...!، فإني أخشى على نفسي من نار جهنم، لقوله تعالى "وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ" (هود/113)، ولم يرد عليه الملك آنذاك ولاذ بالصمت.
وفي مرةٍ أخرى كان الشيخ القمي أكثر قسوة وحدةً على الشاه فأخذ بلحيته الطويلة! وقال له: (أيها الشاه لاترتكب عملاً فتحترق هذه اللحية غداً يوم القيامة)!
هنا نطرح السؤال: لو وضعنا أنفسنا مكان الميرزا القمي آنذاك؛ هل كنّا نتخذ نفس الموقف ونقدم على نفس العمل الجريء والشجاع وحتى النادر؟!
والسؤال الاكثر إلحاحاً؛ إذا سمعنا بموظف أو مسؤول في بلدنا العراق أو أي بلد اسلامي وهو يرتكب مخالفة معينة – ولانقول يرتكب مخالفة عظيمة-؛ فهل نقدم على العمل المماثل أو شبيه ما قام به الميرزا القمي مع الملك الايراني؟ علماً ان الملك الايراني في حينه كان يُعد في أعين الناس بل حتى عموم الشيعة في العالم بمنزلة السلطان المتديّن والمطاع، ويقال انه أسهم في بناء كثير من مراقد أبناء أهل البيت عليهم السلام، وقام بأعمال خيرية مختلفة، كما ذكرت بعض المصادر بان في زمانه تم تشييد وبناؤها العاصمة طهران.
بالطبع هذه المسألة ليست لها علاقة بمقدار علم الانسان، بمعنى أنه لو كان أرفع درجة في العلم والمعرفة كانت مواقفه أكثر صرامة وشجاعة تجاه الطغاة والمتجبرين، وأن العلماء وحدهم القادرون أو المسؤولون عن امور كهذه، وانما الانسان المؤمن صاحب الإرادة الصلبة هو أيضاً قادر على اتخاذ القرارات الحاسمة والجريئة بغض النظر عن المخاطر التي تواجهه في هذا الطريق، لذا من المحتمل أن يكون المتقدم في هذا المضمار هو رجل دين بسيط بمرتبة علمية محدودة ولكنه صاحب إرادة وشجاعة ولايهاب في الله لومة لائم، لأن الله سبحانه وتعالى وضع هذا الشرط لمن يريد أن يختص بمهمة التبليغ الإسلامي حيث قال عزوجل "الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا" (الأحزاب/39).
وبما ان السلطة بطبعها غير منزّهة، والحاكم حتى إذا لم يكن ظالماً فإنه يبرر لنفسه القرارات التي يتخذها حتى وإن كانت مرتبطة بمصائر الناس وحياتهم ومماتهم، فهو بحاجة إلى من ينبهه ويردعه عن القيام بالأفعال السيئة التي تجره الى الانحراف، وهذا يؤكد مسؤولية العلماء في كل الاحوال إزاء ما يجري من مظالم يرتكبها بعض المسؤولين، وما يعيشه الناس من واقع محزن ومزرٍ في المجالات كافة.
|
|