الأول من ذي القعدة الحرام ذكرى مولدها الميمون
.فاطمة (المعصومة)...جوهرة من أهل البيت تفتخر بها قم المقدسة
|
إعداد / جعفر ضياء الدين
*بطاقة شخصية*
هي السيّدة فاطمة بنت الإمام موسى ابن جعفر الكاظم عليهم السّلام، سليلة الدوحة النبويّة المطهّرة، وغصن يافع من أغصان الشجرة العلوية المباركة، وحفيدة الصدّيقة الزهراء عليها السّلام... حدّثت عن آبائها الطاهرين عليهم السّلام، وحدّث عنها جماعة من أرباب العلم والحديث، وقد ورد في بعض التواريخ أنّ الإمام الرضا عليه السّلام لقّبها بالمعصومة. (1)
أبوها هو الامام ابو الحسن موسى ابن جعفر الكاظم الذي ولد بالمدينة وقبض ببغداد شهيداً بالسمّ في سجن الرشيد العباسي، وقد نفذ أمر الاغتيال المدعو (السِّندي بن شاهك) يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة 183هـ على المشهور، وعمره يومذاك 55 سنة. قام منها مع أبيه 20 سنة، وبعد أبيه 35 سنة، وهي مدّة خلافته وإمامته.
أما أمّها؛ فهي أمّ ولد يُقال لها سَكَن النُّوبيّة، وقيل: نجمة؛ وكُنيتها أمّ البنين؛ سُمّيت بالطاهرة بعد ولادة الإمام الرضا عليه السّلام؛ فالسيّدة المعصومة أخت الرضا عليه السّلام لأمّه وأبيه.
*ولادتها ونشأتها*
وُلدت السيّدة فاطمة في المدينة المنورة، وترعرعت في بيت الإمام الكاظم عليه السّلام، فورثت عنه من نور أهل البيت وهديهم وعلومهم في العقيدة والعبادة والعفّة والعلم، وعُرفت على ألسنة الخواصّ بأنّها كريمة أهل البيت عليهم السّلام في زمانها.
وكانت نشأتها برعاية أخيها الإمام الرضا عليه السّلام، لأنّ الرشيد العبّاسي أمر أباها بالقدوم على بغداد وأودعه السجن في عام ولادتها، فعاشت السيّدة فاطمة مع إخوانها وأخواتها في كنف الإمام الرضا عليه السّلام.
*الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة*
ولدت السيّدة فاطمة المعصومة في عهد الرشيد العباسي، ففتحت عينيها منذ صغرها على وضع سلطوي إرهابي بشع؛ فقد قامت أركان الدولة العبّاسيّة على أنقاض الدولة الأمويّة، وتستّر العباسيون وراء شعار رفعوه في بداية أمرهم هو (الرضا من آل محمد) ليوهموا طائفة من المسلمين الموالين لأهل البيت عليهم السّلام، لكنّهم ما إن تسنّموا سدة الحكم واستتبّت لهم الأمور حتّى انقلبوا على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وتنكروا لهم، بل امتدّت أيديهم بالقتل والبطش والقمع لكلّ من يمتّ لهذه الدوحة العلويّة الشريفة بصلة، فلاحقوا أئمّة أهل البيت عليهم السّلام سجنوهم وقتلوهم.
ونقلت كتب التواريخ والسير نماذج مروّعة من مقاتل الطالبيّين الذين قُتلوا على أيدي العبّاسيين أيّام الحكم العباسي بعامة، وأيّام حكم الرشيد بخاصّة، منهم يحيى بن عبدالله بن الحسن المثنّى الذي وُصف بأنّه كانت تُعرف سلالة الأنبياء في وجهه، وذُكر أنّ الرشيد أعطاه أماناً مؤكّداً مغلّظاً لا حيلة فيه، حتّى إذا تمكّن منه نقض أمانه وخرّقه، ثمّ سمّ يحيى وقتله، وقيل أنّه بنى عليه أسطوانة وهو حيّ! (9) وغيرهم كثير...
وأتمّ الرشيد طغيانه وظلمه بقتله سليل النبوّة، حليف التقى، أعبَد أهل زمانه وأعلمهم وأكرمهم الإمام موسى ابن جعفر عليه السّلام... ويذكر المؤرخون إن أول اصطدام حصل بين الرشيد العباسي والامام الكاظم عليه السلام كان في المدينة وعند مرقد الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله؛ فلمّا دخل هارون المدينة زار مرقد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال: السّلام عليك يا رسول الله، السّلام عليك يا ابن عمّ ـ مفتخراً بذلك على غيره ـ فتقدّم أبو الحسن (الكاظم) عليه السّلام وقال: السّلام عليك يا رسول الله، السّلام عليك يا أبه! فتغيّر وجه الرشيد وتبيّن فيه الغضب. (11)، ومذاك دعا الرشيد الامام عليه السلام الى المدينة ليحكم سيطرته عليه، وحصل ماحصل بعد ذلك.
وفي عهد المأمون العباسي عاصرت السيّدة فاطمة المعصومة بعضاً من عهد المأمون العباسي الذي عُرف بالدهاء؛ وكان قد خطّط لإخماد ثورات الطالبيين بالحيلة والمكر، فتوسّل من جديد بشعار (الرضا من آل محمد)، إلاّ أنّه قدّمه بصيغة جديدة هي إسناده ولاية العهد إلى الإمام الرضا عليه السّلام، وهو الذي أقرّ له المخالف والمؤالف بالفضل والعلم والتقدّم، فاستدعاه من المدينة المرّة تلو الاُخرى، حتّى وجّه إليه مَن حمله وجماعة من آل أبي طالب من المدينة إلى خراسان، ثمّ بعث إليه الفضلَ ابنَ سهل وأخاه الحسن ليعرضا عليه تقلّد ولاية العهد فأبى، فلم يزالا به وهو يأبى، إلى أن قال له أحدهما: والله... أمرَني المأمون بضرب عُنقك إذا خالفتَ ما يريد! (13)
كان الإمام الرضا عليه السّلام يعرف تماماً تدبير المأمون، وأنّه لمّا أُكره على قبول ولاية العهد، رفع يديه إلى السماء فقال: اللهمّ إنّك تعلم أنّي مُكرَه مُضطّر، فلا تؤاخذني كما لم تؤاخذ نبيَّك يوسُف حين دُفع إلى ولاية مصر. (14)
ولمّا استتبّ الأمر للمأمون، تنكّر للرضا عليه السّلام، فدسّ اليه السمّ... ولمّا استُشهد الإمام الرضا عليه السّلام لم يُظهر المأمون وفاته في وقته، وتركه يوماً وليلة، ثمّ وجّه إلى جماعة من آل أبي طالب، فأراهم إيّاه صحيح الجسد، وأظهر جزعاً شديداً. (17)
*الرحلة بحثاً عن أخيها*
انتاب السيّدةَ فاطمة المعصومة عليها السّلام ـ ومعها آل أبي طالب ـ حالةٌ من القلق الشديد على مصير الإمام الرضا عليه السّلام منذ أن استقدمه المأمون إلى خراسان، فقد عاشوا في خوف بعدما أخبرهم أخوها أبو الحسن الرضا عليه السّلام أنّه سيُستشهد في سفره هذا إلى طوس خاصّة وأنّ القلوب الدامية لمّا تندمل جروحها من مصابهم بالكاظم عليه السّلام... ممّا حدا بها ـ حسب رواية الحسن بن محمّد القمّي في تاريخ قم ـ إلى شدّ الرحال، لتتحسّس عن أخيها الإمام.
وهكذا رحلت تقتفي أثر أخيها الرضا عليه السّلام، والأمل يحدوها في لقائه حيّاً، لكنّ عناء السفر ومتاعبه اللذينِ لم تعهدهما كريمة أهل البيت أقعداها عن السير، فلزمت فراشها مريضة مُدنَفة، ثمّ سألت عن المسافة التي تفصلها عن قم ـ وكانت آنذاك قد نزلت في مدينة ساوة ـ فقيل لها إنّها تبعد عشرة فراسخ، فأمرت بإيصالها إلى مدينة قم، فحمُلت إليها على حالتها تلك، وحطّت رحالها في منزل موسى بن خزرج بن سعد الأشعري، حتّى توفيّت سلام الله عليها بعد سبعة عشر يوماً.
وفي أصحّ الروايات أن خبرها لمّا وصل إلى مدينة قم، استقبلها أشراف قم، وتقدّمهم موسى بن خزرج، فلمّا وصل إليها أخذ بزمام ناقتها وقادها إلى منزله، وكانت في داره حتّى تُوفيّت؛ فأمرهم بتغسيلها وتكفينها، وصلّى عليها، ودفنها في أرض كانت له، وهي الآن روضتها، وبنى عليها سقيفة من البَواري، إلى أن بَنَت زينب بنت محمّد الجواد عليه السّلام عليها أول قبّة. (18)
*المثوى الأخير*
روى الحسن بن عليّ القمّي: أنّ فاطمة (المعصومة) رضي الله عنها لمّا توفيّت وغُسلّت وكُفّنت وحُملت إلى مقبرة (بابلان) ووضعت على حافّة سرداب حُفر لها، فاختلف آل سعد في مَن يُنزلها إلى السرداب، ثمّ اتّفقوا على أن يتولّى ذلك خادم لهم صالح كبير السنّ، فلمّا بعثوا إليه رأوا راكبَين مُقبلَين من جانب الرملة وعليهما لِثام، فلمّا قَرُبا من الجنازة نزلا وصَلّيا عليها، ثمّ نزلا السرداب وأنزلا الجنازة ودفناها فيه، ثمّ خرجا ولم يُكلّما أحداً، وركبا وذهبا ولم يدرِ أحد مَن هما (20).
*عمرها الشريف*
لم تتوفّر مصادر تاريخيّة موثّقة تحدّد سنة ولادة السيّدة فاطمة المعصومة عليها السّلام، لكن بعض المؤرخين ذكر بأنّها وُلدت سنة 173 هجريّة (21)، فيما ذكر آخرون أنّ ولادتها كانت سنة 183هـ (22)، وهو قول فيه نظر؛ لأنّنا نعلم أنّ الإمام الكاظم عليه السّلام استُشهد سنة 183هـ، ونعلم كذلك أنّه استُدعي قبلَ ذلك مِن قِبل الرشيد فأُرسل إلى البصرة فحُبس فيها سنة، ثمّ نقل إلى بغداد فحبس فيها ثلاث سنين، حتّى استشهد.
وإذا أخذنا بالقول أنّ السيّدة قد ولدت سنة 173هـ، فإنّ عمرها الشريف سيكون عند وفاتها سنة 201هـ في حدود 28 عاماً. بَيْد أنّ المعصومة عليها السّلام ـ على أيّة حال ـ لا تتأخّر عن سنة 179هـ وهي سنة اعتقال والدها الكاظم عليه السّلام، فيكون عمرها الشريف 22 سنة في أقلّ التقديرات.
*وصيّة الإمام الكاظم في تزويج بناته*
جعل الإمام الكاظم عليه السّلام ـ في وصيّته ـ أمر تزويج بناته بيد ولده الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام دون بَنيه الآخرين، وأنّه ـ وهو الأعرف بمناكح قومه ـ إن شاء تزويج أخواته من الأكفاء فعل، وإن أراد أن يترك تزويجهنّ ـ لعدم وجود الأكفاء، أو لوجود ظروف قاهرة ـ ترك. كما نلاحظ أنّ الإمام الكاظم عليه السّلام تصدّق بأرض ـ حدّدها بحدودها ـ على أولاده وبناته ما دُمنَ لم يتزوّجن ولم يكن لهنّ معيل، فإن عادت إحداهن، بعد زواجها، ـ كأنْ يُتوفّى زوجها ـ عاد إليها سهمها من الصدقة، وأضحى شأنها شأن من لم تتزوّج من أخواتها.
وحول زواج السيّدة المعصومة فإنّ نظرة فاحصة إلى مُجمل الأوضاع العصيبة التي عاصرتها السيّدة المعصومة عليها السّلام، والضغط الشديد والارهاب اللذين تعرض لهما العلويّون والطالبيّون في عهد الرشيد، انتهاءً بالاعتقال والقتل الفجيع الذي تعرّض له كبيرهم الإمام الكاظم عليه السّلام (23).. يجعلنا ندرك سبب عدم زواج السيدة المعصومة وأغلب بنات الإمام الكاظم عليه السّلام.
ولقد كان العلويّون والطالبيّون مُلاحَقين مُشرّدين، يلاحقهم جلاوزة الرشيد أينما حَلُّوا. أما الأكفاء من الآخرين، فالظاهر أنّ أحداً منهم لم يجرؤ ـ وقد عرف عداء الرشيد للكاظم عليه السّلام ـ على التعرّض لسخط هارون من خلال مصاهرته للإمام الكاظم عليه السّلام، كما ندرك الحكمة التي جعلت الإمام الكاظم عليه السّلام ـ وهو العارف بهذا الظرف العصيب ـ يخصّص أرضاً معيّنة لتُوزّع عائداتها على بناته إن فقدن المُعيل الذي يُعيلهنّ.
ويبقى أمر عدم زواج السيّدة المعصومة، وأغلب أخواتها الأخريات من بنات الإمام الكاظم عليه السّلام، أحد الشواهد على الظلم والإرهاب اللذين تعرّض لهما أهل البيت عليهم السّلام في زمن العبّاسيين بعامّة، وفي عصر الرشيد بوجه الخصوص.
*المزار والمحراب *
يرجع تاريخ القبّة الحاليّة على قبر السيّدة المعصومة إلى سنة (529هـ)، حيث بُنيت بأمر من المرحومة (شاه بيكم بنت عماد بيك). أمّا تذهيب القبّة وبعض الجواهر التي رصّع بها القبر الشريف، فهي من آثار فتح علي شاه القاجاريّ (28)، وهناك فوق قبر السيّدة فاطمة صخرة عليها نقش كهيئة المحراب، تحيط به آية الكرسيّ، وكُتب في وسطه: (توفيّت فاطمة بنت موسى في سنة إحدى ومائتين).
أما المحراب الذي كانت السيّدة فاطمة تصلّي فيه في دار موسى بن خزرج مايزال ماثلاً إلى الآن يقصده الناس لزيارته والصلاة فيه، وقد جُدّدت عمارته خلال السنوات الأخيرة، وشُيّدت إلى جانبه مدرسة لطلبة العلوم الدينيّة تعرف بـ (المدرسة الستّيّة»، ويقع المحراب في الشارع المجاور للصحن الشريف، ويُعرف بشارع (چَهار مَرْدان) على يسار الذاهب من الروضة الفاطميّة، وهو مزدان بالقاشاني المعرّف، وعلى مدخله أبيات بالفارسيّة (29)، تعريبه:
لقد شُيِّد هذا البناء المُنير إجلالاً لبنت موسى بن جعفر، حيث مَثُل فيه محراب فاطمة المعصومة، فزادت به «قم» شرفاً على شرف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
طباعة
1 ـ ناسخ التواريخ، ميرزا محمّد تقي الكاشاني (ج3/ ص68).
2 ـ مقاتل الطالبيّين 390.
3 ـ الإرشاد 234:2. تذكرة الخواصّ، لسبط ابن الجوزيّ 314.
4 ـ مقاتل الطالبيّين 375.
5 ـ أمالي الصدوق 525 حديث 13.
6 ـ الإرشاد 316.
7 ـ تاريخ قم 213.
8 ـ تاريخ قم 214.
9 ـ مستدرك سفنية البحار، للشيخ عليّ نمازي 257:8. حياة الإمام موسى بن جعفر، لعماد زاده 375:2. كريمة أهل بيت، علي أكبر مهدي بور 100. المعصومة فاطمة الثانية، محمّدي اشتهاردي 111. عتبة فاطمة المعصومة، للسيّد جعفر مير عظيمي 21.
10 ـ فاطمة بنت الإمام موسى الكاظم، للشيخ محمد هادي الأميني 14. المعصومة، للسيّد مهدي صحفي 34.
11 ـ سُمّي بالكاظم لِما كظمه من الغيظ، وتصبّره على ما فعله الظالمون به، حتّى مضى قتيلاً في حبسهم. إعلام الورى، للطبرسيّ 32:2.
12 ـ بحار الأنوار 317:48.
13 ـ فاطمة بنت الإمام موسى الكاظم 141.
|
|