(طوعة) طائعة أهل البيت
|
*كريم محمد
إنها واحدة من عظماء التاريخ على مر العصور...
إنها طوعة زوجة أسيد الحضرمي؛ انها النجمة التي تألقت في سماء الكوفة الملبدة بغيوم سوداء داكنة، واعتلت سلالم المجد ونالت وسام العظمة، بسبب موقفها المتميز في سبيل الهدف المقدس.
ولعل نجم طوعة هو أبرز النجوم التي لمعت في سماء الكوفة منذ حط مسلم رحاله فيها في الخامس من شوال سنة ستين للهجرة، وحتى استشهاده في الثامن من ذي الحجة، وذلك مع وجود نجوم لامعة أخرى مثل هاني بن عروة وحبيب بن مظاهر الأسدي وغيرهم، مممن دافع عن الإمام الحسين ورسالته، إلا ان سطوع نجم طوعة، جاء في وقت شحّت فيه الرجال وانعدمت الغيرة والحمية عند الرجال، كما تميزت بين أقرانهن من النسوة اللاتي أتين مذعورات في الموقف التاريخي أمام قصر الامارة، عندما حشّد الناس وقد حملوا السلاح للإنقضاض على عبيد الله بن زياد، فجاءت الزوجة وسحبت زوجها، والأم إبنها والأخت أخيها، وهي تقول له: (أنصرف فإن الناس يكفونك)! و(ما لنا والدخول بين السلاطين).
*بداية القصة *
التاريخ يحدثنا أن مسلم بن عقيل أصبح وحيداً في الكوفة بعد ان تخلى عنه الناس فيما كان متجهاً الى المسجد، ولما نظر الى نفسه وحيداً، سار نحو باب كندة، وبدأ يبحث في أزقة المدينة وفي طرقاتها، وقد أشتد به العطش وبات يسرع خطاه وهو يتجه في اللامعلوم لان ليس لديه في الكوفة أنصار او عشيرة.
وبينا هو كذلك، وإذا به يشخص امرأة جالسة على باب دارها، وعينيها تميلان نحو اليمين تارة، ونحو اليسار تارة أخرى، علها تعثر على ولدها الذي استبطأها ذلك اليوم على غير العادة، فدنى منها قليلا وقال:
- السلام عليك يا أمة الله.
- وعليك السلام.. ماذا تريد!
- هل لي قليلا من الماء؟
ما هي إلا لحظات، حتى مثلت أمامه بيدين تحملان الماء، فشرب قليلا ثم شكر الله تعالى، ولكنه ظل واقفا ساكناً لا يبرح مكانه.
فبادرته بالسؤال:
- ألم تشرب الماء.
- نعم.
- فما وقوفك على باب داري، إنصرف لإهلك عافاك الله راشداً، فإنه لا يصلح لك الجلوس على باب داري، ولا أحله لك.
عند ذلك أحس مسلم وكأن هموم الدنيا قد تكالبت عليه فلم يتمالك نفسه، فطفرت دمعة من عينيه، وهو يجيبها:
- أمة الله مالي في مصركم هذا لا أهل ولا عشيرة.
- من أنت؟
- أنا مسلم بن عقيل، كذبني أهل هذا المصر وغروني.
عندها أحست المرأة التي كان وهج الإيمان يشع من عينيها ويعلو قسمات وجهها، بسرور عظيم ملك فؤادها، فهي تواقة إلى القيام بعمل يرضاه الله ورسوله، وتستبشر به عند الإمام الحسين، استقبلت المطارد المظلوم، وآواته في بيتها، وقامت بدور الحارس له من كيد الاعداء المتربصين، ومع أنها لم تستطع أن تدرء عنه الموت، ولكنها قامت بواجبها تجاهه.
لقد كانت طوعة في موقفها ذلك أكبر من رجال الكوفة. كانت أكثرهم شهامة وبطولة ونبلا، فبالرغم من ثمانية عشر ألفا بايعوا مسلماً، وكان بعضهم رؤساء قبائل، وبعضهم الآخر فرسان حروب، إلا أن جميعهم نقضوا عهودهم من مسلم بن عقيل، إلا أن طوعة التي بقيت حجة على الرجال والنساء معا، لقد آوت مسلماً وحرسته، وقدمت له الطعام والشراب، ثم دافعت عنه الاعداء عندما هجموا عليه الدار، ولم يكن مسلم بن عقيل يملك شيئا يقدمه لها غير الدعاء الذي بقي فخرا لها أبد الدهر، ووعداً بجزاء الله الأبدي لها في يوم الحساب.
وحقاً يقال: إن طوعة، هذه المرأة الكوفية، تُعد مفخرة النساء المؤمنات على مر الدهور، لانها بولائها الصادق والعميق سجلت إسمها ضمن أبطال ملحمة عاشوراء.
|
|