قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

المرأة... والنهضة الحسينية
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *إيمان عبد الامير
قبل أن نلقي الضوء على دور المرأة في النهضة الحسينية المباركة، نرى من المستحسن أن نشير إلى الخطوط العريضة التي سنوجز الكلام فيها لإبراز دور المرأة في الثورة الحسينية وما كان لها من عطاء وبذل وفداء في حدث هو الأعظم في تاريخنا الإسلامي، وذلك لما سجل من حضور فاعل حيّ تجاوز حدود الزمان والمكان ليخلد في ضمير الإنسانية دون أن تطاله عوادي الأيام.
ومن أبرز المحطات التي نتوقف عندها في هذا المجال هي:
1/ نشاط المرأة في الرسالة الإسلامية ودور الإسلام في تفعيل هذا النشاط.
2/ حضور المرأة في الثورة الحسينية وما تحملته من مسؤوليات جسام.
3/ واجبات المرأة المسلمة في احياء ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) وثورته بكل ما تنطوي عليه من معاني سامية، وقيم اخلاقية نبيلة مع التركيز على الجانب النسوي فيها.
*اهتمام الإسلام بالمرأة*
بات من المسلمات المتفق عليها في الدراسات التاريخية والاجتماعية، أن الإسلام أحدث ثورة اجتماعية واسعة الأبعاد، منتشرة الأطياف شملت كل نواحي الحياة وعلى جميع الأصعدة والمستويات، وكان الفرد والمجتمع هو الهدف الأساسي لهذه الثورة الحضارية، حيث عُدت التغيرات التي احدثها الدين الجديد، اساسية وجذرية إلى حدٍ حمل بعض الباحثين والكتاب أن يطلق عليها اسم الزلزال الاجتماعي.
ولا يماري أحد إهتمام الرسالة الإسلامية بالمرأة، واعطائها حقوقها دونما أي فارق بينها وبين الرجل، وانما كان الخطاب الإسلامي في القرآن والسنة النبوية وحديث أهل البيت، موجهاً إلى الجنس البشري لاستثارة مكامن عقله واستثمار مواهبه وتفجير كنوز فطرته، وقد ترتب على هذا التوجه الإسلامي تفاعل بنّاء لقيم الإسلام في شخصية المرأة المسلمة، مما احدث انقلاباً هائلاً ونوعياً في حياة المرأة في كل البقاع التي استظلت بجناحي هذا الدين القويم.
وفي إطلالة قصيرة على سماء تاريخنا الإسلامي الزاخر، نلاحظ بكل جلاء نجوماً ساطعةً من نساء مسلمات مؤمنات تحملن أعباء ثقيلة في مسيرة هذا الدين، وأدّين رسالةً كبرى، وكتبن اسماءهن بحروف من نور على صحائف التاريخ البشري، فكانت مساهمة المرأة المسلمة في دائرة الإسلام الواسعة تشمل جميع أبعاد هذه الدائرة.
*نماذج من نساء الطف*
تجسدت قيم الإسلام وتعاليمه وأخلاقه في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، حتى قيل أن الإسلام تجلى في يوم عاشوراء بكل أبعاده وأصوله وذلك في أفعال وأقوال ثلّة من أهل البيت (عليهم السلام) وأنصارهم رجالاً ونساءً واطفالاً وشباباً وشيوخاً.
وكان نصيب المرأة في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وافراً ومسؤوليتها كبرى وجهادها عظيماً، ومتشعباً، حيث لعبت ادوراً مختلفة في مراحل متعددة، سبق بعضها احداث الثورة وكان بعضها الآخر في خضم الثورة وتفاصيل وقائعها، وامتد دور المرأة إلى زمن ما بعد الثورة بعد أن أدى الرجال رسالتهم، فسقطوا شهداء على أرض كربلاء إلى جانب الحسين (عليه السلام).
وقد نقلت لنا صحائف التاريخ عدداً من تلك المواقف المشرفة والخالدة، منها ما كان من زوجة زهير بن القين، وهي تحرض زوجها على اللحاق بالحسين (عليه السلام)، بعد أن تردد في ذلك عندما جاءه رسول الحسين (عليه السلام) يطلب نصرته وكذلك كان موقف زوجة حبيب بن مظاهر الأسدي في دفعه لنصرة الحسين (ع) ومؤازرته، كما يحدثنا التاريخ عن بعض الأمهات اللواتي دفعن أبنائهن الى خضم المعركة دفاعاً عن الحسين (عليه السلام) ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذوداً عن حرمات آل البيت كما فعلت أم وهب مع ولدها وهو في ريعان شبابه وكان حديث العهد في الزواج، ودفعت امرأة أخرى بولدها الذي لم يبلغ الحلم الى المعركة. بعد أن سقط أبوه شهيداً، وحينما حاول الإمام الحسين (عليه السلام) منعه قائلاً: إن أباك قُتل في المعركة وأخشى ان لا ترغب امك في القتال، قال: سيدي ان أمي هي التي قلدتني حمائل سيفي.
وإذا ما تجاوزنا الجميع لنقف وقفة اجلال واكبار بين يدي زينب العقيلة بنت أمير المؤمنين (عليه السلام) وربيبة الزهراء البتول (عليها السلام) وأخت السبطين الحسن والحسين (عليهما السلام)، لنرى ما سطرته هذه الأسطورة الهاشمية واللبوة العلوية من مواقف بطولية أذهلت العدو قبل الصديق حتى امتلأ فم الزمان بالثناء العاطر، والأحدوثة الجميلة عن سيدة نشأت وترعرت في بيت النبوة وحجر الإمامة والطهارة والعصمة فاكتسبت كل معاني السمو الروحي والعظمة والجلال، فجسدتها في كربلاء بطولة وشجاعة وصبراً على الملمات والنوائب، وتحملاً لكل المسؤوليات التي ألقيت على عاتقها بعد أن أدى الإمام الحسين (عليه السلام) وصحبه ما عليهم فرحلوا شهداء أعزاء.
وقد ابتدأت زينب (عليها السلام) مواقفها البطولية بعد مصرع الإمام الحسين (عليهم السلام) وهي تلقي درساً بليغاً، لتعلم الجميع أهداف الحسين (عليهم السلام) ونهضته وعظمة شهادته، حينما وضعت يديها تحت الجثمان الطاهر قائلة: (اللهم تقبل منا هذا القربان).
ثم واصلت من هناك رحلة الجهاد حاملة في قلبها الكبير أهداف الحسين (عليه السلام) متسلحة بشجاعة أبيها علي (عليه السلام) وبلاغته وعلمه حتى أفحمت الطغاة المتكبرين في مواطن متعددة، فأعادتهم أقزاماً كما هو واقعهم، ومن أهم تلك المواقف دخولها على ابن زياد في الكوفة أسيرة وكان شاباً نزقاً فأراد أن يظهر الشماتة وينتشي بنصره، ولكن زينب (سلام الله عليها) القمته حجراً حينما حاول استفزازها.
روى ابن كثير في البداية والنهاية، وابن الأثير في الكامل، طرفاً من حوار العقيلة (عليها السلام) مع ابن زياد ومن أهم ما جاء فيه قوله: ودخلت زينب ابنة فاطمة في أرذل ثيابها وقد تنكرت وحُف بها إماؤها على عبيد الله بن زياد، قال: من هذه المتنكرة؟ فلم تكلمه، فقال بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة، فقال: الحمد الله الذي فضحكم وقتلكم وكذب احدوثتكم، فقالت: بل الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيراً، لا كما تقول، وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، قال: كيف رأيت صنع الله بآل بيتكم؟ قالت: كتب عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فيحاجوك الى الله، فغضب ابن زياد واستشاط غضباً.
وفي الشام وفي قلب الدولة الأموية حيث كان ينتشي يزيد النصر ويتنفس الحقد والضغينة الدفينة منذ أوتار (بدر)، وسجل التاريخ له البيت من عدة أبيات قالها عند حضور سبايا آل محمد أمامه:
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل
فبادرته زينب (سلام الله عليها) بالقول بعد الحمد والثناء:
صدق الله سبحانه حيث يقول: "ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساءوا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزءوُنَ" (الروم/ 10)؛ أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا اقطار الأرض وآفاق السماء، فاصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هوانا، وبك عليه كرامة، وان ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسروراً؛ فمهلاً مهلاً لا تطش جهلاً، أنسيت قول الله تعالى: "وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ" (آل عمران/178).
*المرأة واحياء ثورة الحسين*
تفردت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) بعدة خصائص ميزتها عن غيرها من الثورات، كما أن شخص الحسين وذكره منفرد هو الآخر في سجل الخالدين والعظماء، كما قال الشاعر الجواهري:
فيا أيها الوتر في الخالدين *** فذاً إلى الآن لم يشفع
وسيبقى الحسين (عليه السلام) وتراً لا شفع له، ولا نظير في كل ما يتعلق به وبخصائصه، ومن أهم تلك الخصائص، الحضور الدائم والمستحكم في ضمير الإنسان الحر وفي وجدان الإنسان المسلم عموماً والسائر على خط أهل بيت النبي (عليهم الصلاة والسلام) على وجه الخصوص، ومن أبرز أسباب هذا الحضور الممتد مع توالي الأجيال والعصور ما كان من ائمة أهل البيت (عليهم السلام) واتباعهم في اقامة ذكرى الحسين (عليه السلام) واحياء معالم نهضته من خلال الاحتفال السنوي بهذه الذكرى العظيمة والأليمة.
وعلى هذا الأساس عاش الإمام الحسين (عليه السلام) مع الأجيال يغذيها بكل قيم الإسلام وأخلاقه وبكل معاني الإباء والشرف والإيثار والتفاني، حتى تحول إلى حاجة دائمة لكل شرائح المجتمع وفي كل مجالات الحياة.
فأي مصلح لا يحتاج للوقوف بين يدي الإمام الحسين (عليه السلام) ليتعلم منه الشرف والنبل والإخلاص في حركته الإصلاحية حينما كان يردد في مسيره (لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطب الإصلاح في أمة جدي)؟ وأي طالب للحرية والانعتاق من الذل والعبودية لا يستلهم الدرس العظيم من الحسين (عليه السلام) وهو يملأ اجواء الدنيا بصيحته المدوية قائلاً: (لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد)؟ وأي مقدم على الشهادة والتضحية يستغني عن قول الحسين (عليه السلام): (لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما)؟
وخلاصة القول فإن كل عنصر من عناصر الثورة الحسينية يمثل مشعل نور وعلم هداية يشير إلى الإنسانية جمعاء أن الطريق القويم والسبيل المستقيم يمر عبر هذه المواقف ومن خلال فهم هذه الشخصيات العملاقة.
وقد كان لنساء أهل البيت ـ وهن القدوة لنساء هذه الأمة في كل عصر وزمان ـ قدماً ثابتة ودوراً أساسياً في هذا الحدث المدوي، يقول الباحث أحمد خليل جمعة: (ان نساء أهل البيت النبوي الطاهر، هن صفوة الصفوة من نساء الدنيا، نستلهم من سيرتهن عبير الفضائل، ورحيق الإيمان، وكريم الشمائل، ففي سيرة كل واحدة منهن ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من عظيم الصفات وحميد المكرمات).
وعلى هذا الأساس لابد أن نفهم مدى حاجة المرأة المسلمة إلى أن تضع نصب أعينها نساء أهل البيت الطاهر كقدوة حسنة في كل دقائق حياتها وسلوكها كأم وزوجة وأخت، وكعنصر فاعل في مجتمع اسلامي يتطلع إلى تحقيق اهداف السماء بالتزامه مبادئ الإسلام كرسالة خاتمة متكاملة.
وإذا كان لنساء أهل البيت هذه المكانة السامية في شتى مناحي الحياة الإسلامية فقد كانت لهن ـ بقيادة العقيلة زينب (عليها السلام) ـ أدواراً تعد القمة والذروة في تاريخ المرأة الجهادي التي رفع الإسلام من شأنها لتتحمل مسؤوليتها الرسالية إلى جنب الرجل على حد سواء، ومن هنا تبرز الحاجة واضحة وماسة إلى نشاط نسوي حثيث يتناسب مع حجم الثورة الحسينية من جهة، وحاجة المرأة المسلمة إلى قيم تلك الثورة وأهدافها من جهة أخرى، حتى لا يقتصر اشعاع الثورة وأثرها على العنصر الرجالي ويبقى محدوداً وضيقاً في عالم المرأة وحياتها.
فلابد من نشر الوعي والثقافة الإسلامية بكل تفاصيلها من خلال منبر نسوي هادف، واعداد كوادر نسائية على قدر من العلم والمعرفة والتدين والأخلاق، لتؤدي دوراً رائداً في شد المرأة المؤمنة إلى ثورة الحسين (عليه السلام) واشخاصها وخاصة النسوية منها، لتعلم المرأة انها قادرة على أن تنهض بدور مشرف وبنّاء في أعقد ظروف الحياة وأحلكها، وانها مسؤولة عن مقارعة الظلم والطغيان، كما كانت زينب (عليها السلام) واخواتها ونساء الحسين (عليه السلام) في كربلاء والكوفة والشام، بالإضافة إلى الدور التثقيفي والتوعوي الذي يلعبه المنبر الحسيني الذي تحول إلى جامعة اسلامية متنقلة تحمل فكر أهل البيت (عليه السلام) بكل ما يحمل من نقاء وصفاء، وبكل ما يحمل من ثورة ورفض.
ومع هذه الهجمة الثقافية الشرسة ووسائل الإعلام الضاغطة، يصبح من الواجب على كل ذي قدرة وموقع يمكنه أن يتحرك من خلاله أن يعمل على تطوير وتوسيع الوسائل المتاحة والتي من شأنها أن توصل صوت الحسين (عليه السلام) في حركته وكلماته وزينب (عليها السلام) في صرختها بوجه الظالمين وما كانت تهدف الى تحقيقه ثورة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) ومبادئها الحقة إلى أكبر عدد ممكن من مجتمع الرجال والنساء.
ولكننا نركز على المرأة من منطلق احساسنا ـ وكما هو الواقع ـ بأن احياء شعائر الحسين بجميع اشكالها وألوانها ما زالت بحاجة إلى الرعاية والعناية في هذا الإطار، كل ذلك حرصاً منا على أن نضع أمهاتنا وأزواجنا وأخواتنا في خط الإسلام القويم والذي جسده الحسين (عليه السلام) ومن بعده زينب (سلام الله عليها) لنضمن السلامة في الفكر والعقيدة والسلوك ونعم ما قال الشاعر:
هم القوم يروون المكارم عن أبٍ *** وجدٍ كريمٍ سيدٍ بعد سيدِ
أقول لمن يـروي أحاديث ذكرهم *** أعدّ وأستعدّ ذكر الكرام ورددِ
وأخيراً ما أعظم أن تجتمع نساؤنا على مائدة زادها القرآن والسنة النبوية وكلام أهل بيت النبوة، وعطرها ذكر أهل البيت في عصر بلغ حد الجنون في اللهو واللعب والانحطاط وطغيان قيم المادة العمياء. انها سعادة الدنيا والآخرة أن نكون مصداقاً لقول الإمام الصادق (عليه السلام): (شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا).