قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
من دروس الطف..
الصراع بين الخير والشر في النفس البشرية
*علي عبد الخالق
لم يكن الوضع الاجتماعي الذي نتجت عنه عاشوراء، في مختلف أبعادها، وضعاً استثنائيا شاذاً عن طبيعة البشر، مع أن التجربة كانت حادة في زواياها عميقة في مغزاها متفردة بقيادتها. ولكي نفهم واقعة عاشوراء في إطارها النفسي والاجتماعي والتاريخي علينا أن نجري عملية رصد تحليلي لمختلف هذه الأبعاد، ثم نتصفح التاريخ الإنساني لننظر إذا ما كان للتجربة مشابه، أو نظير، والعوامل النفسية التي اكتنفت التجارب السابقة، ومدى قابليتها لأن تتكرر.
كان المجتمع الكوفي، الذي يمثل الشريحة الاجتماعية التي خاضت التجربة، بعد مرور خمس عشرة عاما على خذلانه للإمام الحسن بن علي (عليه السلام)، يعضّ أصابع الندم على ما حصل، وربما يتمنى لو أنه استقبل ما استدبر من أمره حتى يصحح أخطاءه التي أوقعته تحت سيطرة واستبداد وظلم معاوية، ولقد اشتدت الحسرة، وتعمق الندم بعد وفاته وتولي ابنه الماجن يزيد للحكم، الأمر الذي كشف عن عمق الانحراف الطارئ على مسيرة الأمة.
هذا الكلام يصح عند أغلب أهل الكوفة، الذين لا يمكن بحال أن يصنفوا ضمن الأعداء التقليديين للإسلام، والناصبين العداء لأهل البيت (عليهم السلام). بل على العكس من ذلك فقد عدّوا تاريخياً موالين وشيعة، ولهذا تعرضوا لكثير من المصاعب والضغوط. وفي مقابل هذه الاغلبية تبقى هناك شرائح من هذا المجتمع مطبوعة على الشر والدناءة وتأبى أن تعيش إلا في أجواء من الرذيلة والشر، وقد انطوت على شيء كثيرٍ من البغض والعداء لأهل البيت، بل للإسلام بكل منظومته القيمية، وقد انعكس هذا التباين بصورة واضحة في مواقف الجموع التي ساقها ابن زياد كما تساق البهائم لقتال الحسين(عليه السلام).
وعندما قرر أهل الكوفة، بتركيبتهم الاجتماعية التي ذكرناها، القيام بثورة على الأوضاع الداخلية، والخروج من النفق المظلم الذي ازداد ضيقا وظلمة مع وصول يزيد إلى قصر الخضراء في دمشق، وجدت هذه الفكرة قبولا عاما بين مختلف فئات هذا المجتمع وطبقاته. ولا شك أن الدوافع كانت متباينة من فئة لأخرى ومن شخص لآخر، فهناك من كان يهدف إلى إجراء تصحيح في وضع الأمة وإصلاح في الدين الذي يتعرض بصورة متصاعدة إلى أبشع أنواع التزوير والتحريف، وهناك من كان يأمل في الخروج من حالة الظلم والذل التي باتت سمة العصر في عهد الأمويين، وربما كان هناك من يرمي إلى مصالح شخصية؛ أياً كان الأمر فقد لقيت فكرة إعادة الراية للإمام الحسين آخر من بقي من أصحاب الكساء وسيد شباب أهل الجنة، ومساندته من أجل إنهاء السيطرة الأموية، الأمر الذي حدا بالحسين للخروج إلى العراق لا اعتماداً على تلك الوعود والعهود، وإن كان قد احتج بها لا حقا، ولكن لأن تلك الوعود والبيعات كانت الحلقة المفقودة من أجل تفجير ثورة تاريخية، بعد إيقاف حركة الزمن وتغيير مساره بصورة عنيفة تمنع انهيارا شاملا كان يتهدد كل الأسس الدينية.
فالكتب التي وصلت الى الحسين (عليه السلام) من أهل الكوفة، جعلت إعلانه للثورة ضد الوضع القائم مبررا لا يلام عليه، فهو في كل الأحوال عازم على عدم إعطاء البيعة ليزيد، وهذا عازم على انتزاعها منه او تصفيته، فإذا كان لا بد من الموت فليكن الموت بثورة شاملة، لا على يزيد وحسب، ولكن على حالة الضعف والذل التي باتت مطبقة على قلوب الرجال، وهذا ما يفسر إصرار الإمام الحسين (عليه السلام) على الخروج رغم النصائح التي تلقاها من ناصحين له أمثال أخيه محمد بن الحنفية وابن عمه عبد الله بن عباس، ويفسر عزمه على المضي رغم يقينه بأن الموت هو الذي ينتظره في العراق وليس شيئاً آخر.
وبالعودة إلى أهل الكوفة، بعد أن بات الحسين على مشارف بلادهم، نجدهم كما كان متوقعا، غلب عليهم الوهن وعجزت عزائمهم عن النهوض، فضعفوا أن يكونوا عند وعدهم وعهدهم فأسلموا مسلم بن عقيل، وخضعوا بالكامل لإرادة ابن زياد، لدرجة أنهم انخرطوا في جيشه لقتال الحسين، فكان التحول بمقدار 180 درجة تماماً، وذلك بعد أن استشهد هانئ بن عروة والقلة القليلة التي كانت بعافية في روحها ودينها ووعيها.
هذا الوضع أضفى على حركة الحسين(عليه السلام) طابعاً ميزها عن جميع الحركات المشابهة في التاريخ؛ فنبي الله موسى (عليه السلام) واجه انقلاباً حاداً في صفوف أتباعه عدة مرات وربما كان أخطرها، إتباعهم للسامري وعبادة العجل، بيد أن الأمر لم يصل إلى درجة أن يتخذوه عدواً ويقدموا على قتاله وقتله؛ تجربة أخرى من التاريخ الاسلامي، عندما انقلب المسلمون على نبيهم بعد وفاته وخالفوا وصيته، وأسندوا الأمر من بعده إلى غير أهله، ورغم أن ذلك كان أساساً لوقوع المآسي، إلا أن ذلك استند إلى اجتهاد وتأويل ولم يعترف الذين تولوا كبره بخطئهم، التجربة الثالثة كانت مع أمير المؤمنين في صفين عندما خرج عليه فريق من جيشه وهم الخوارج، ثم أقدموا على اتهامه وتكفيره والاستعداد لحربه، ورغم أن هذه التجربة تختلف عن سابقتيها إلا أن الخوارج لم يمثلوا إلا شريحة صغيرة من المجتمع الإسلامي في مقابل من بقي مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم إنهم خرجوا عليه بعد أن وضعوا فواصل اعتقادية وفكرية بينهم وبين الامام، وكانوا وقتئذ يرون أن السبل قد تباينت، ولم يروا علياً (عليه السلام) إماما لهم، وعندما أقدموا فيما بعد على قتاله، عدّ ذلك حادثا فرديا، أو لا أقل لم تتهم به الأمة.
أما في كربلاء، فقد اختلف الوضع تماما، إذ أن الذين كانوا يشهرون سيوفهم في وجه الحسين(عليه السلام) كان أكثرهم يعترف بمقامه وبمكانه من رسول الله، ولا يأخذ عليه شيئا ولا يتهمه بشيء ولا يطلب من عنده شيئاً، وقد اعترفوا بذلك في معرض ردهم على استفهامات الحسين التي كان يوجهها إليهم قبل المواجهة، فكانوا كما قال الفرزدق للحسين (عليه السلام) عندما لقيه في الطريق الى الكوفة: (قلوبهم معك وسيوفهم عليك)، ذلك فيما عدا القلة التي كانت تطالبه بإعطاء البيعة ليزيد، لا عن قناعة بيزيد وكفراً بالحسين، فمن الناس من هو أقل من أن يوصف بعقيدة، إيمانا كان أو كفرا، ولكن بعضهم سعى لمصالحه، والبعض الآخر أسلس القياد لنفسه المريضة، واستجاب لطبائعه الدنيئة، فهو ينفر من كل شريف، ولا يتلاءم إلا مع السوء، وبينما كانت الفئة الأولى في أثناء المعركة تتحاشى الحسين وتتفادى الاصطدام به مباشرة، نجد الفئة الثانية مشحونة بكل شرور الدنيا، مثقلة بكل رزايا الإنسانية ودناءة الإنسان، ترتكب من الأعمال ما يندى له جبين الإنسانية خجلا، فقتل الرضيع، وترويع النساء، والفتك بالصغار، والتمثيل بجثث الشهداء، وسلب ما عليهم من ثياب... كل ذلك كان ينم عن نفسيات وضرة وأمزجة مرتكسة، على أن المعركة لو كانت في مقابل هؤلاء لفقدت كثيرا من بريقها وتميزها، وكم من نبي ومصلح خاض حرباً ضد الكفر الصريح، وفي مواجهة الأراذل من البشر، فكانت معارك طبيعية وعادية، ولولا ذلك ما كانت كربلاء حدثاً فريداً في تاريخ البشرية، وإنما اكتسبت التجربة تميزها من خلال أولئك الذي قاتلوا الحسين من دون أي سبب يعود إليه، إن معركة هؤلاء لم تكن في مواجهة عدو خارجي بقدر ما كان في مواجهة الله في داخلهم، وفي مواجهة الخير الذي أراد أن يبزغ في القلوب فعَدَت عليه جيوش الظلام وقمعته.
إذن فمن الجائز جدا وفي كل مكان وزمان أن تندلع هذه المعركة الداخلية، ويقود الشيطان معركته ضد الله في نفس الإنسان، ثم يتحرك هذا الإنسان ليقاتل حسين عصره بينما تلهج الألسن بالثناء عليه، وتنطوي القلوب على محبته، هذا أخطر ما في التجربة، وهو السبب الأقوى للبكاء بعد ارتكاب الذنب، لذا من السهل أن تتكرر المعركة، وهي تتكرر بالفعل يوميا، فيخرج أحباب الحسين لقتال الحسين، وفي أحسن الفروض، يقعدون عن نصرته.