الحُرّ..
|
المعركة المنتصرة على الذات
*أحمد ناصر
إن المعارك قد تكون عنيفة، ولكن ليست هنالك معركة أعنف من معركة الذات والضمير.
لقد انتصر الحر على ذاته في أقوى نوازع الشهوة، وهي نازعة الحياة، وحقق ثورة على الذات.، حيث (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
كان يمكن أن يصبح لعنة التاريخ في معركة عاشوراء، كما لحقت هذه اللعنة جميع من وقف أمام جبهة الامام الحسين (عليه السلام)، فهو أول من وقف في وجه الإمام، وأول من هدده بالحرب، وأول من طالبه أن يضع يده في يد يزيد، لكنه كان أول ناصر للحسين (عليه السلام) بعد تخليه عن جبهة الباطل.
وكان السبب المباشر لحبس الإمام في صحراء كربلاء حتى يجتمع عليه جيش الكوفة الأجير.
إن الثورة أول ما تشتعل، في نفس الإنسان ثم تمتد إلى المجتمع، تقول الآية المباركة: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ"، فأهم صفة يجب توفرها في الثائر، هو ان يعيش حالة ثورة داخلية، ليستطيع تحمل آلام الثورة على النظام والواقع الفاسد.
إن الثائر يجب أن لا يحمل نقاط ضعف في ذاته، وألا يكون عبداً لشهوة الجنس أو شهوة الطمع أو شهوة السلطة أو حتى شهوة الحياة، بل لابد أن يكون متحرراً من كل ذلك حتى يملك مرونة التحرك، والقدرة على تغيير الموقف.
وكان الحر بن يزيد الرياحي من هذا النوع؛ كان ضابطاً في الجيش، وكان تحت أوامره ألف جندي فارس، خرج من الكوفة مع جنده وهدفه أن يوقف الامام الحسين (عليه السلام) على التوقف عن المسير، والجعجعة به قرب ماء الفرات، وكان مضللاً بالخلافة الزائفة المتمثلة بيزيد بن معاوية.
وظل محتفظاً برتبته كضابط كبير في الجيش حتى صبيحة يوم عاشوراء، حين اصطف كل من جيش الإمام، وجيش يزيد استعداداً للقتال.
وجاءت الأوامر صريحة بقتل الإمام وكافة من معه، أو يبايعوا يزيد؛ هنا بدأ ضمير الرجل يتململ...
ماذا؟ أيقتل الحسين وكل من معه؟! ولماذا يقتل الحسين؟! هل ارتكب جريمة لأنه رفض النظام القائم؟ وهل رفض النظام الفاسد يتطلب القتل؟
أصبح الرجل واعياً لما ارتكبه، مدركاً لأبعاد عمله في الايام التي سبقت يوم العاشر، فهو السبب في وقوع الإمام محاصراً أمام الجيش الأموي، وله دور كبير في الجريمة، وبدأت المعركة، لكنها خفية وفي أعماق النفس.
إن المعارك قد تكون عنيفة، ولكن ليست هناك معركة أعنف من المعركة مع الذات و النفس الانسانية، إنها توجع وتهز، وتصيب الإنسان بقشعريرة حادة.
لقد وجد الرجل نفسه وسط هذه المعركة... وتمثلت أمامه بشاعة الوزر الذي سيحمله إذا ما قتل الحسين وهو على حاله بين شراذم الكفر والضلال، نظر إلى الجيش الضخم الذي كان يملأ الصحراء، وكله حقد وضغينة وجهل، ثم نظر إلى الجيش الآخر الصغير الذي كان قوامه حوالي مئة جندي، وكله إيمان وعطف ووعي، فمن سيكون مشعل الفتيل فيها؟! إنه: الحر بن يزيد بن رياح، فهو التميمي اليربوعي الرياحي، وكان شريفا في قومه بالجاهلية وفي الإسلام.
أحس الحر بالأثم، ثم فكر أن يقوم ببعض المساعي الحميدة، لعله ينقذ الموقف جاء إلى خيمة القيادة، وقف أمام قائد الجيش الأموي عمر بن سعد، وجرى بينهما الحوار التالي:
- أمقاتل أنت هذا الرجل؟ (يعني الحسين).
- أي والله، قتالاً أيسره أن تطيح الأيدي، وتسقط الرؤوس.
- ما لكم فيما عرض عليكم من خصال، تتركونه يرجع إلى حيث أتى، أو يضرب في الأرض العريضة؟
- لو كان الأمر بيدي لفعلت... ولكن أميرك بن زياد يأبى ذلك.
وكلمة (أميرك) التي استعملها ابن سعد، كانت تعني أن الأمر (من فوق) وأنك أنت أيضاً أحد المعنيين به. كان بإمكانه أن ينساق مع هذا المنطق وينهي معركته الداخلية ويستريح ما دامت الأوامر من فوق، كما يفعل كل صناع الجريمة في العالم..
إلا أن ضمير الحر لم يكن مسحوقاً إلى هذه الدرجة فتبرير (الأمر من فوق) لم يستطيع إسكاته بسهولة، (الأمر من فوق) وليكن من فوق! أميرك بن زياد هو الذي يأبى... ومن أين جاء أميري؟ ولماذا علي أن أطيعه؟! فاذا اراد دخول جهنم، لماذا أسير معه، ظل شارداً في تفكيره، وأخذته - نتيجة الحوار الساخن مع الذات- رعشة حادة، أثارت دهشة أحد القريبين منه فبادره:
- إن أمرك لمريب... فو الله لو سُئلت عن أشجع أهل الكوفة أو العراق لما عدوتك، فما أصابك؟!
فأجابه بجواب مقتضب لم يفهم الرجل مغزاه: إني أرى نفسي مخيرة بين الجنة والنار، فهو الله لا أختار على الجنة شيئاً، وإن قطّعت ومزقت.
هكذا حسم الحر بن يزيد الرياحي موقفه في أرض المعركة وفي التاريخ أيضاً، ليبقى خالداً في الضمير والوجدان، ويستذكره كل من يروم التوبة والانابة الى الله ويكون عازماً حقاً على تغليب الحق والفضيلة على مصالحه الشخصية، أنّا كانت حجمها وأبعادها.
|
|