الدرس الحقيقي للثورة الحسينية
|
*المحامي/ جعفر يوسف مرتضى
يزدان تاريخ الأمم والشعوب بمشاهد زاخرة، روت تلك الشعوب أرضها بالدماء، واقفة بوجه الطواغيت، مطالبة بحريتها مرة، ورافعة راية الحق منصورة مرة أخرى، ولكن من الصعب أن نجد في صفحات تاريخ الشعوب ثورة كالثورة الحسينية، وأبطالا شامخين برزوا للمنايا بغبطة وسرور.
فالقضية التي استشهد من أجلها الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه الأبرار (عليه السلام) هي قضية جليلة؛ إنها قضية التضحية من اجل قداسة الحق الذي هُضم والإنحراف الدين نحو الخطيئة من قبل يزيد بن معاوية.
إن الدرس الذي يجب أن نأخذه من هذه الثورة هو درس القتال بين إثنين وسبعين مقاتلا أو يزيدون، اصطحبهم الإمام الحسين (عليه السلام) من أهل بيته وصحبه الأبرار الميامين وبين عشرين ألف فارس وهم جيش يزيد.. وما دار من قتال تجلى بالآلام والبطولات التي سطرها الثوار.
لقد كانت تضحية ومجداً قُرت بها عيون أمة الإسلام فيما بعد الثورة، لأن الحسين (ع) جعل الحق والحرية قيمة ومثوبة، فلم يهمه النصر العسكري، وقد ترجم ذلك شاعر العراق الشيخ محسن بن الحاج محمد أبو الحب الكبير (1810-1887م) (1225-1305هـ)، الكربلائي المولد والمسكن والمدفن، بالبيت المشهور عن لسان الإمام الحسين (ع):
إن كان دين محمد لم يستقم... إلا بقتلي يا سيوف خذيني
وهو من قصيدة يائية في رثاء الإمام الحسي، من بحر الكامل الثاني ومطلعها:
إن كنت مشفقة علي دعيني... ما زال لومك في الهوى يغريني
لقد وقفت الثلة المؤمنة وراء الحسين (عليه السلام) ليس لهم في إحراز النصر على عدوهم أدنى أمل، وليس أمامهم سوى القتل بأسلحة عدوهم الغادر المتوحش، ولقد كانت أمامهم فرص النجاة التي عرضها عليهم القائد، ولكنهم رفضوها طالبين الشهادة والتضحية من أجل نصرة الحق وأصحابه، ورفضوا النجاة ما دامت ستكون غمطاً لقداسة الحق وثلماً للشرف، وهكذا راحوا يتهافتون على الموت يقاتلون حول قائدهم الممجد في يوم العاشر من محرم عام 61هـ، يعانقون المنايا واحداً بعد واحد، ملبين دعوة النصرة الحسينية.
وبعد ظهيرة عاشوراء ارتفع رأس الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وصحبه الأبرار الميامين، على أسنة الرماح، وذهبت إلى الكوفة ثم الشام لتكون مشاعل على طريق الحرية ليس للمسلمين فقط، بل للإنسانية كلها، وستبقى تلك المشاعل تنير الدرب لمن يريد أن يستنير بها ويضع أقدامه على طريق الشهادة والسعادة الأبدية، أو الانتصار والإطاحة بالظلمة والطواغيت أينما حلوا.
سيدي ومولاي يا أبا عبد الله، طبت وأهل بيتك وصحبك المستشهدين بين يديك، وطابت الأرض التي فيها دفنتم، وكما قال صادق أهل البيت الإمام جعفر بن محمد (عليه السلام): (موضع قبر الحسين، من يوم دفن روضة من رياض الجنة).
فما أروع هذا الدرس من دروس الإنسانية، نأخذ منه العبر، فالدرس الحقيقي أن الحق هو المقدس، والتضحية هي الشرف، وهما ما يجعلان للإنسان والحياة قيمة ومعنى، في كل مكان وزمان.
|
|