من سيركب سفينة الحسين(عليه السلام)؟
|
*طاهر القزويني
سيركب سفينة الحسين عليه السلام أناس كثيرون لأنها تتسع للجميع بمختلف شرائحهم وطبقاتهم الإجتماعية والعلمية، وليس هناك من يعرف الحسين عليه السلام؛ ولايحاول أن يقتنص الفرصة للركوب في سفينته، ولايقتصر ذلك على عامة الناس بل حتى بالنسبة إلى علماء الدين الذين هم في الواقع ينتمون إلى مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)، فهم يحاولون وبطرق مختلفة أن يصعدوا إلى سفينة الحسين (عليه السلام)، وكان بينهم المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد رضا الكلبايكاني (رحمه الله)، فكان شديد الحب والولاء للإمام الحسين (عليه السلام)، وكان من عادته في ليلة عاشوراء أن يجمع أهله وعياله في منزله ويقوم بنفسه بقراءة المجلس الحسيني، ويسرد ما جرى على الامام الحسين (عليه السلام) وعلى أهل بيته وأنصاره من المصائب في كربلاء وكان يقول في ذلك: أريد أن يسجلني ربي من زمرة المحبين والخطباء الذاكرين لمصيبته.
وكان المرحوم الكلبايكاني يعلم جيداً حسب الروايات الواردة أن حساب وجزاء العلماء سيكون في عالم الآخرة بعهدة الإمام الصادق (عليه السلام) وأنه سيحاسبهم على كل صغيرة وكبيرة، لكنه وجد سفينة الحسين (عليه السلام) أوسع مجالاً من كل السفن الأخرى وهي أسرع وصولاً الى الجنة.
رجل عظيم ومرجع كبير مثل السيد الكلبايكاني يحاول أن يكون خطيباً بل خادماً للحسين (عليه السلام)، حتى ينتفع بهذا المقام العالي في آخرته.. لكن الحسين (سلام الله عليه) ليس للآخرة فقط بل خيره يعم الجميع حتى في الدنيا.
ونحن قد لاندرك مغزى الكثير مما يقوم به الناس من تعبير للحزن والأسى التي يظهرونها، لكننا سندرك بشكل محتم شيئاً من عظمة الإمام الحسين (عليه السلام) عندما تصدر تلك الأمور من العلماء ومن كبار المراجع العظام.
وهناك قصة ينقلها آية الله العظمى السيد البروجردي قدس الله روحه الزكية ويقول: لما كنتُ في بروجرد - مدينة وسط ايران، واجهت ألماً شديداً في عيني، فراجعت الأطباء لكنهم يسئوا من علاجي، ولـمّا حلّ شهر محرم الحرام حيث كانت تأتي بعض مواكب العزاء إلى منزلنا هناك، جلستُ أبكي في المجلس الحسيني وكانت عيني تؤلمني بشدة وبينما كنت في تلك الحالة إذ خطر ببالي أن أمس التراب الذي كان على وجوه وأبدان المعزّين وأمسحه على عيني لكي تبرء ببركة الحسين(عليه السلام).
ففعلتُ ذلك دون أن يلتفت إليّ أحد هناك، وما أن مسحتُ به على عيني حتى شعرتُ بتخفيف الألم، وأخذت عيناي بالشفاء شيئاً فشيئاً حتى زال الألم تماماً ولم يعد إلى اليوم بل صرتُ أرى بأوضح مما كنت عليه ومن دون الحاجة إلى النظارة.
هذا والغريب في الأمر أنه لما بلغ المرحوم البروجردي التاسعة والثمانين من عمره، قام بعض الأطباء الأخصائييّن بفحص عينيه، فلم يجدوا فيها ضعفاً وقالوا: ان ضعف العين في مثل هذا العمر هو أمر شائع بين الناس، فكيف بإنسان أنهك عينيه طوال عمره في القراءة والكتابة؟ بل وكان يعاني من ألم العينين في فترة من عمره؟
فبركة الحسين (سلام الله عليه) لاتقتصر على شفاء المرضى تحت قبته كما يقول الشاعر (وتحت قبته الشفاء) بل تعدت تلك البركة كل الحدود والقوميات واللغات لتصل إلى أبعد ما يكون في عالم الخلق، بما في ذلك العالم الأرضي، والعالم السماوي، لأن الملائكة أيضاً يطلبون حاجاتهم عند الحسين (عليه السلام) ويقدمونه شفيعاً لهم امام الله عزوجل.
وإذا كان الذي يملك الاسم الأعظم يستطيع أن يحل به كل العقد المستعصية، فأن المسلمين لديهم حسيناً (عليه السلام)، المفرج لهمومهم وغمهم والمعين لهم في أمورهم، وهو الذي يحل كل المشاكل التي لاتقدر عليها قوانين الطبيعة والطب الحديث.
وكلما زادت معرفة الإنسان بالحسين (عليه السلام) زاد حبه وشوقه إليه وسار في هذا الدرب الصعب حتى وإن واجه الموت المحتم والاخطار الكبيرة، وكان بين هؤلاء السيد عبد الغني الجزائري وكان من خطباء المنبر الحسيني مدة أربعين عاماً حيث عرف منبره في العراق والخليج وكان وقتذاك وكيلاً للإمام السيد محسن الحكيم- أعلى الله مقامه في مدينة الحيرة العراقية.
وفي عام 1987 وخلال التصفيات الجسدية التي شنتها السلطات البعثية ضد خطباء المنبر الحسيني، فقد اغتيل شهيدنا على أيدي الغدر البعثية بعد خطفه في ليلة 20 صفر بعد ما كان متوجهاً لإحياء مجلس حسيني في مدينة (أبو صخير) وبعد تعرضه لعمليات التعذيب التي يجيدها جلاوزة النظام.
ألقيت جثته الشريفة على الطريق بين النجف وكربلاء حيث كانت آثار التعذيب واضحة عليها، وقد وجد زوار الحسين عليه السلام بعد ما اكتشفوا جسده الطاهر قصاصة من الورق في جيبه كتب عليها هذه الأبيات:
بزوار الحسين خلطت نفسي ليُشفع لي غداً يوم المعاد
وصرت بركبهم أطوي الفيافي لأحسب منهم عند العداد
لقد ذهب إلى رحمة الله وترك لنا هذا التاريخ المرصع بالجواهر واختلطت دماءه الشريفة بقيم ومبادئ الإمام الحسين (عليه السلام) وحركته المقدسة، وحتى قصاصة الشعر التي تركها لنا هي تفتح لنا طريقاً واسعاً للوصول بأسرع ما يكون للإمام الحسين (عليه السلام).
وتختلط مصائر الناس وأرواحهم ودمائهم بقضية الإمام الحسين (سلام الله عليه) برعاية من غيب السماء، وحتى أولئك الذين يخدمون في هذا الطريق هم يلمسون حضور الغيب في كل خطوة يقدمون عليها في هذا المضمار، ومن بين هؤلاء خطباء المنبر الحسيني الذين جعلوا أنفسهم في خدمة الإمام الحسين (سلام الله عليه).
|
|