أكد أن الحضارات لا تقوم إلا على التعايش السلمي وقبول الآخر وان الخطاب الديني ليس قرآناً.. وطالب بتحديثه
اية الله السيد هادي المُدرّسي لـ «القبس» الكويتية: الاعتدال سنّة كونية والطائفية معول هدم للمجتمعات
|
اكد سماحة آية الله السيد هادي المدرسي" حفظه الله" على انه "لا قيمة لقانون لا يلتزم بالقيم، ولا مكانة لمواطن يخل بالنظام العام..". واشار سماحته، في حوار اجرته معه صحيفة «القبس» الكويتية الى ضرورة تطوير الخطاب الديني من خلال تغيير الاسلوب واستنباط الاحكام من القرآن حسب الظروف الحالية مع الحفاظ على الثوابت الدينية. وطالب سماحته بخطاب اسلامي معتدل يحترم معتقدات الآخرين ووجهات نظرهم ومقدساتهم، مشيرا الى ضرورة الاعتراف بالاختلاف وتقدير آراء الآخرين.
وفي جانب من الحوار شدد سماحته، على ان سبب الازمة المالية التي ضربت الاسواق العالمية هو استثمار الاموال دون الاستناد الى الانتاج والعمل والجهد، مشيرا الى ان هذه الازمة قد تتحول الى كارثة اذا لم يتم التدخل ووضع الحلول لها. وقال ان الاسلام وضع الحلول لمثل هذه الازمات بعيدا عن الاشتراكية والرأسمالية فلا جبر ولا تفويض، داعيا الى معالجة الخلل بإعطاء القيمة للانتاج والجهد والانماء ومنع الربا.وفي بداية الحوار تحدث اية الله المُدرّسي عن تطوير الخطاب الديني، قائلاً انه يجب تحديد ثوابت الدين ومعرفة المتغيرات، مشيرا الى ان القيم هي الثوابت ومنها العدل والحرية والاخلاق وهي قيم ثابتة، لافتا الى انه لا يصح ان نطالب بتجديد الثوابت الدينية. وفيما يلي نص اللقاء:
تطوير الخطاب
واستشهد سماحته بكلمة للامام علي عليه السلام: «لا تقسروا اولادكم على اخلاقكم فأنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم»، مشيرا الى ان الاخلاق المقصودة هي العادات والتقاليد وليس القيم، مشيرا الى ان تجديد الخطاب الديني ضرورة فهو ليس قرآنا... واوضح سماحته في جانب اخر انه لا قيمة لقانون لا يلتزم بالقيم ولا احترام لمواطن لا يلتزم بالقانون، مشيرا الى ان القانون الذي يجب ان يلتزم به المواطن ليس فيه اي مخالفة للمثل والقيم التي تعارف عليها الناس. واوضح ان الامر بالمعروف لا ينكره الناس، والنهي عن المنكر، لا ينكره الناس حسب اتباعهم لوجدانهم وضمائرهم.
احترام العقل
وبين سماحته ان أي مجتمع يريد أن يطور نفسه عليه أن يبدأ بتحديث مناهج التعليم والتربية، وخاصـــة فــــي العلاقات الاجتماعية والعلاقات الدولية وحتى العلاقات الزوجية وكيفية التعامل مع الأطراف الأخرى، مشيراً إلى الحاجة إلى وضع الأسس مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات مع الاستفادة من العقل، مشيراً إلى ان تصنيف الأشياء أبيض أو أسود وعدم إعطائها مساحة للوسط يؤدي إلى استمرار التخلف.
وطالب سماحته باستنباط الأحكام من القرآن للقضايا والظروف التي نعيشها مستشهداً بقول الإمام علي عليه السلام «استنطقوه لأدوائكم» أي حاولوا أن تستنبطوا من القرآن حلولاً لمشاكلكم حسب الظروف التي تعيشونها وليس حسب الظروف القديمة، مشيراً إلى انه يجب التجديد في فهم القرآن وحسب ظروفنا لا بمعنى ان يصبح الحلال حراماً والعكس، ولكن الموضوعات تختلف، مدللاً على ذلك بأنه لا يجوز أن يبيع إنسان أحدا أعضاء جسمه بينما يجوز له التبرع. وتابع: هناك موضوعات جديدة لابد من استنباط الأحكام لها من القرآن الكريم سواء كانت ترتبط بحياتنا اليومية أو ما يرتبط بنمط الحياة في شكل عام، ومن الضرورة تجديد الأساليب والاستفادة من العقل البشري وما توصل إليه العلماء.
الدين والمال
وعن الأزمة المالية العالمية، قال سماحة اية الله السيد هادي المدرسي، إن الأزمة كشفت وجود خلل كبير في النظام المالي المعمول به في عالمنا اليوم، مشيراً إلى ضرورة تصحيح هذا الخلل وإلا فإن هذه الأزمة ستتحول إلى كارثة بعد ان يتحول الركود إلى انتكاسة.
وأضاف: يجب ألا نغلق أعيننا وان نقول هذه أزمة عابرة، وان السوق سوف يصحح مسيرته ولا حاجة للتدخل من قبل القوانين ولا الحكومات ولا المؤسسات، والا نقف عند نظرية المفكر الاقتصادي الأميركي فوكوياما على أساس ان اقتصاد السوق هو آخر ما يمكن أن يتوصل إليه البشر، وليست هناك صيغة أخرى نافعة للبشر غير اقتصاد السوق.
وأضاف ان المشكلة في الجانب المالي بذاته وليست في الإنتاج أو في العمل الذي يبذله البشر، ومثال على ذلك انه في السابق كان كل شخص يبني ويزرع فيعيش على ما يزرع ويسكن فيما يبني، ثم دخل التبادل في حياة الناس بحيث يعطي شخص الشعير مقابل الحنطة ثم دخل المال وكان لا بد أن يبقى المال مجرد ثمن لا أن يتحول إلى وسيلة للاستثمار والربح من دون العمل.
وأشار إلى ان ما حدث في الأسواق المالية هو ان أصحاب الأموال بدأوا يستثمرون أموالهم في مشاريع من دون عمليات إنتاج وتنمية ويستدرون الارباح من دون انتاج او عمل، ومن هنا بدأ الخلل الذي ادى الى انهيارات في مجالات الاستثمار، حيث كان المال هو المستثمر الذي يدر الربح.
أين الخلل؟
وتابع بالقول: يدور الكلام الآن عن تصحيح هذا الخلل من خلال تطبيق ضوابط للسوق وقواعد للتعامل مع المال، مشيرا الى ان بعض المتطرفين في الغرب بدأوا يطالبون بتطبيق النظام الاشتراكي، اي تدخل الدولة في شؤون السوق بشكل مباشر لتنقلب المعادلة ويطالب البعض في اميركا بالنظام الاشتراكي وروسيا تتحول الى رأسمالية.
وعن الحلول التي يقدمها الاسلام، قال ان الاسلام يقول بنظام لا جبر ولا تفويض، فلا اشتراكية بتدخل الدولة، ولا تفويض من دون وجود قوانين وضوابط، ثم اعطاء القيمة للانتاج والجهد والانماء ومنع الربا، الذي هو احد اسباب انهيار المؤسسات المالية التي كانت تعتمد على ذلك.
واضاف: يجب ايضا الالتزام بالقواعد الاخلاقية التي منها منع الجشع والطمع، مشيرا الى ان من يربح الملايين يرغب في المزيد، من دون ان تكون له حاجة الى ذلك، ومن دون ان يعطي من ماله للآخرين، مما سيؤدي الى انهيار اجتماعي، والفقراء لا احد يسأل عنهم فيزدادون فقرا. العنف والطائفية
وعن العنف والاحتقان الطائفي الذي يسود المنطقة، قال سماحته: هناك ضوابط يجب ان تتحكم بسلوك الجميع، وهي اننا خلقنا مختلفين، ولا بد من الاعتراف باختلاف الاذواق لدى البشر واختلاف طريقة التفكير لدى الناس، وهذا ما تشير اليه الآية الكريمة «واختلاف السنتكم والوانكم»، فالألسن ترتبط بالعقول والالوان ترتبط بالاذواق فالاختلاف في الفهم والذوق امر طبيعي في البشر، لكننا من جهة اخرى مكلفون بأمرين، اولهما تقنين الخلاف ومعرفة القواسم المشتركة ونقاط الاختلاف، بحيث لو كنا نختلف مع طرف بنسبة 20% لا نسحب ذلك على 80% مما نتفق معه عليه.
أما الامر الثاني، فهو التحاور ومعرفة وجهة النظر الاخرى واحترام الاختلاف وليس ادانته والحكم عليه، ومن ثم، اسقاط من نختلف معه.
وتابع: مما لا شك فيه ان ديننا له مليار ونصف المليار من الاتباع وهناك اختلاف بين اتباعه. مشيرا الى انه منذ البدايات ظهرت المذاهب، وكانت تلك حالة طبيعية تستدعي التفاهم ومعرفة وجهات النظر الاخرى، وليس التناحر والتحارب..
وأردف بالقول ان التطرف في وجهات النظر واسقاط الطرف الآخر يؤديان الى ما نهى عنه القرآن الكريم، فلنختلف، ولكن بشرطين ان نتواصل رغم اختلافنا، وان نتعاون فيما نتفق عليه، فالحضارات تقوم على قاعدتي التنافس في بطن التعاون، والتعاون في بطن التنافس، ولقد خاطب القرآن الكريم الذي دعا الى التعاون اتباعه بقوله «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون».
وطالب سماحته بخطاب اسلامي معتدل يحترم معتقدات الآخرين ووجهات نظرهم ومقدساتهم، مشيرا الى وجود قضايا كثيرة ايجابية نستطيع التحدث فيها والتحاور بشأنها.
الديانات والحياة
وشدد سماحته على ان الديانات لها دور محوري في حياة الانسان في الارض، وهذه ارادة الله سبحانه وتعالى، ونرى ذلك من خلال الانبياء الذين لهم تأثير على حياة الانسان اليومية، ومثال على ذلك ان تحدد السنتان الميلادية والهجرية بميلاد النبي المسيح عليه السلام، او بهجرة النبي محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه ابسط الامور التي تنظم حياة الانسان، بالاضافة الى مكانة الانبياء، ولعل المبادئ والقيم التي دعا اليها الانبياء هي نفسها.
وجدد تأكيده على ان الاعتدال سنة كونية، كما ان الحضارات لا تقوم الا على التعايش السلمي.
المواطنة والدولة
وشدد سماحته على ان المواطنة السليمة تستلزم احترام هيبة الدولة وتنفيذ تشريعاتها ـ اذا كانت محافظة على الحقوق والحريات والقيم ولاظلم فيها ـ والحرص على الانضباط السلوكي والاخلاقي.
الاستنساخ في القرآن
وقال سماحته ان القرآن تحدث عن الاستنساخ بقوله تعالى «انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون» والآية تعني ان كل عمل يصدر منا يتكون من نسختين: نسخة في حياتنا نرى نتائجها، واخرى يحتفظ بها الله في عالم الغيب.
|
|