قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

مصادر المعرفة بين نظريات البشر، وبصائر الوحي
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *طاهر القزويني
من البحوث التي خاض العلماء غمارها مايتعلق بمصادر المعرفة وهي في ذلك تحاول الإجابة عن سؤال محدد هو: من أين حصل الإنسان على معارفه؟
وقد قدمت البشرية إجابات مختلفة ومتنوعة لهذا السؤال، وفي كل حقبة تاريخية كانت تعرض مستويات جديدة من تصوراتها لهذه القضية والنظريات التي نشأت على أثرها، فكان كل عالم جديد يتطرق إلى هذا الموضوع ويضيف شيئاً جديداً على النظرية التي سبقته.
ومع كل الجهود التي بذلت في هذا المضمار إلا إن البشرية لم تخرج بتصورات شاملة تقدم تفسيراً جامعاً لمنشأ المعرفة الإنسانية، وباتت أجزاء مهمة من المعرفة الإنسانية مغمورة في طي الكتمان لأن العلم الحديث لم يجد تفسيراً واضحاً وعلمياً لمنشئها، وهذا الحال ينطبق على المباحث المتعلقة بالمعارف الغيبية والسماوية وبمسألة الروح والجن والملائكة.
في بادئ الأمر سنلقي نظرة سريعة ومختصرة على المدارس الفكرية والفلسفية التي قدمت تصورات في هذا المجال:
*نظرية افلاطون*
يقول إفلاطون عالم اليونان القديمة، بوجود عالم للمُثل كان الإنسان يسرح فيه مدة من الزمان وهناك أحاط بكل الصور والمثل التي كانت موجودة وهذه المثل هي صور الحقائق الأرضية جميعاً، ولكنه نسيها عندما تقولب بالمادة وهبط إلى عالم الجسد، إلا إنه سيحتاج إلى تنبيه جديد حتى يتذكر ما كان قد نسيه، فيعود يعرف الحقائق التي عرفها في عالم المثل ولهذا سميت نظريته بـ (النظرية الإستذكارية) ووصف افلاطون، المثل في نظريته بأنها كلية عامة وأنها تصدق على جميع الحقائق الجزئية مثلاً: حينما يعرف رجل زيداً فإنه لايعرف بعقله الرجل المسمى بزيد إنما يعرف بعقله كلي الإنسان، أو صورة الإنسان بصفة عامة.
وتذهب هذه النظرية إلى أن للذهن البشري نوعين من التصورات؛ الاول: تصورات أولية، كتصور اللون والحجم والطعم والرائحة، وما إلى ذلك مما يتصوره الذهن عن طريق الحواس، والثاني: تصورات ثانوية؛ وهي التصورات التي يولدها الذهن البشري منتزعة إياها عن التصورات الأولية، وذلك مثل الكليات المجردة، وتصور العلة والمعلول وما أشبه.
وتقول هذه النظرية بأن التصورات الأولية هي الأساس للتصورات الثانوية، وأنه يستحيل على الذهن القيام بأي تصور ثانوي بدون التصورات الأولية، وبتعبير آخر: يقولون بان (الإحساس أساس العلم).
*النظرية الحسية التجريبية*
وكان من أول المبشرين بها هو الفيلسوف الإنجليزي (جون لوك) ثم تبنتها فلسفات أخرى بينها المثالية والماركسية ويقول جورج بوليتيريز: (ان مصدر الإحساسات وما يعالجها الإنسان بدافع من إحتياجاته الطبيعية، هي نقطة البدء في الشعور أو الفكر)، ويقول الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ: (إن مصدر كل معرفة يكمن في إحساسات أعضاء الحس الجسمية في الإنسان للعالم الموضوعي الذي يحيطه).
وهكذا يتضح أن هذه النظرية تقول بأن الإحساس هو المغذي الرئيس للذهن البشري وأن التجربة كونها نوعاً من الإحساس فهي المصدر الوحيد للعلوم الإنسانية وانه لو تجرد الإنسان عن الإحساس لتجرد عن كل معارفه.
*المثالية الفلسفية*
ويقول باركلي في هذه النظرية: (ان الناس يزعمون أن حقيقة الأشياء هي الوجودات المستقلة عنها والقائمة بذاتها)، ولكن هذا ليس صحيحاً إذ ان حقيقتها لاتعدو أن تكون مجموعة تصورات تتفاعل داخل شعور كل منا، وكل ما يقوله الناس عن العلم والصناعة والتاريخ والإكتشافات والنشاطات المادية حقيقة لاريب فيها، ولكن نسأل عن معنى الحقيقة؟
إنهم يحسبون أن معناها الوجود المادي الكثيف، ولكني أقول أن معناها الوجود الذهني اللطيف.
المثالية الفيزيائية*
قال أوزوالد: (إن العصا التي تضرب (سكايان) لاتنهض على وجود العالم الخارجي، هذه العصا ليست موجودة، وليس موجوداً إلا طاقتها الحركية).
ان الاندفاع نحو المثالية الفيزيائية بدأ بعد تفجر الذرة حيث أصيب العلماء بأزمة نفسية وقالوا: ما دامت المادة لم تكن حجراً ثابتاً لبناء صرح العلم عليه بينما كنا نعتقد نحن إنها كذلك فمن يضمن لنا أن تثبت الذرة مكانها.. أليس من الممكن أن يأتي العلم ليقول لنا يوماً أن الذرة أيضاً وهم تقليدي؟
*المثالية الفيزيولوجية*
وتتلخص هذه النظرية في عدّ الإحساس المصدر الوحيد للمعرفة الإنسانية، لكنها سرعان ما اكتشفت أن الإحساس يُخطئ في أحيان كثيرة، لذا توجب الإستفادة من الأجهزة العلمية للحصول على معلومات أدق عن الكون.
*النسبية الذاتية*
يقول كانت: (حينما رأيت مشاكل عديدة تمنع عن بلوغ حقيقة المعرفة، فعلت ما فعل غاليلو بالنسبة إلى الهيئة، فبدلاً من أن يقول الأرض مركز العالم والشمس تدور حولها، قال أن الشمس هي المركز والأرض تدور حولها فنجح وحلت مشاكله العلمية وكذلك نجحت حين قلت: الناس حتى اللحظة كانوا يحسبون أن الحقائق هي المركز والفكر يدور حولها، ولكن بدأت أقول: الفكر هو المركز والحقائق تدور حوله وأبسط الحقائق هو الإحساس: فما يزعمه الناس حول الإحساس: أنه إنعكاس الحقيقة على الذهن، بل هو صبغة الذهن للحقائق).
نحن نقول: صحيح أن هناك حقائق نحس بها، ولكن لم يكن من الممكن الإحساس بها إلا في حدود الزمان والمكان ولدى التعمق أكثرمن هذا، نرى أن الزمان لايعني سوى نسبة الإنسان إلى الأحداث وأما المكان فهو نسبة الإنسان (ونعني به هنا الفكر) إلى الأشياء فاليوم يعني: تقارن إحساسي مع دورة الشمس والمكان القريب يعني قربي إليه.
*النسبية الفردية*
وقد شهدت النسبية الذاتية تطوراً في النسبية الفردية وكان ذلك عبر مقولتها:
مادامت الذات البشرية تخلف أثراً غير واقعي على المعارف كقالبي الزمان والمكان، ولايملك الإنسان نوراً يكشف به زيف هذه الزيادة وبُعدها عن الحقيقة، مادام الأمر كذلك فإن القول بأن الناس سواسية في الإضافات قول باطل، لأن لكل إنسان شروطاً خاصة بالإدراك ليست للفرد الآخر ومن هنا فله إضافات ذاتية مخصوصة به، فكل بشر يدرك على شاكلته، ولهذا قالت هذه النسبية: لكل شخص حقيقة تخصه.
*النسبية التطورية*
ولكي نعرف حقيقة النسبية التطورية يجب أن نلقي بعض الأضواء على ديالكتيك الفكر والتي تعد الفكرة نتاجاً أعلى للمادة حيث انها تتحول في عملية فيزيائية من الكتلة إلى الطاقة، وتتحول بعد ذلك من الطاقة إلى الأعصاب في عملية فيزيولوجية وتتحول بعدئذ إلى عملية سيكولوجية، فإذا كانت المادة لوناً من ألوان الحركة، او ذات الحركة بصفاتها تحولت إلى حركة نفسية عبر حركة في الأعصاب، عندئذ لانستطيع القول: ان الإحساس يختلف عن الواقع الموضوعي.
ولـمّا إستعرضنا وبشكل موجز آراء المدارس الفكرية بشأن نظرية المعرفة، نريد الوصول من خلال ذلك إلى عدة ملاحظات هي:
أولاً/ إن هذ النظريات اسهمت في تطوير المنظومة الفكرية التي تقوم على أساس البحث والتحقيق.
ثانياً/ تمثل هذه النظريات المدخل للبحث العلمي في قضية المعرفة، ولايمكن عدّها نهاية ما توصلت إليه البشرية من إستنتاجات علمية في هذا المجال.
ثالثاً/ هذه النظريات لاتقدم تفسيراً شاملاً وجامعاً لمصادر المعرفة الإنسانية.
الجانب المهم والأساس الذي أهملته جميع هذه النظريات هو المعارف الإلهية، وقد حصل الإنسان على أولى معارفه من الله ـ سبحانه وتعالى ـ كما وردت في الآية الكريمة: "وعلم آدم الأسماء كلها" ونقرأ في القرآن الكريم إنه مع انبعاث كل نبي كان الله ـ سبحانه وتعالى ـ يبعث معه علماً جديداً؛ فآدم ـ عليه السلام ـ تعلم الزراعة ونوح عليه السلام تعلم صناعة السفن "أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا" وداود ـ عليه السلام ـ صناعة الحديد والمعادن "وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ" والصناعات الحربية الدفاعية "وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ"، وأنبياء آخرين علمهم الخياطة وعلم القضاء وغير ذلك.
وما عدا المعارف الروحانية المتصلة بالنفس البشرية وكذا المعارف الدينية فان الرسالات السماوية قدمت لنا بصائر عن عالم آخر قريب إلى عالمنا هو عالم الآخرة، ولاتجد بين نظريات البشر نظرية واحدة تفسر لك نشأة الخلق وإرتباطها بعالم الدنيا والآخرة مثلما تفعله الرسالات السماوية، فهي تقدم التفسير العلمي والموضوعي لكل ذلك.