البحث عن القدوة الصالحة والعملية
|
*كريم محمد
لابد للإنسان من قدوة في حياته يتعلم منها كيف يتعامل مع الاشياء ويتصرف مع من حوله، فمن خصائص الإنسان إنه يميل ميلاً طبيعياً إلى شخصيّة معينة يقلدها في فكره وسلوكه ويتخذها رمزاً في حياته وتصرفاته بحيث يكون صعباً التخلي عنه.
وقد أمر القرآن الكريم المؤمنين بوجوب اتخاذ قدوة حسنة تكون بالنسبة إليهم رمزاًً يقتدون به ويقتفون أثره ويسيرون بركبه ويهتدون بهديه ويتبعون خطاه بينما منع الإسلام أي طريقة أخرى في إتخاذ القدوة، وجعل من الضلال الكبير أن يتخذ الإنسان قدوة سيئة حتى لو كانت القدوة هي الأب أو الأهل أو العشيرة، حيث قال تعالى في سورة الزخرف: "وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ".
وتكتسب القدوة أهميتها في التربية إذ تُعد من أفضل الوسائل واكثرها عمليةً وأقربها إلى النجاح، فمن السهل تأليف كتاب في التربية، كما من السهل كتابة منهج حتى وإن كان مهماً وملحّاً وبالطريقة الموضوعية، لكنه يظل حبراً على ورق مالم يتحول إلى حقيقة واقعة تتحرك على الأرض، ومالم يتحول إلى بشر يترجم تصرفاته ومشاعره وأفكاره ومعانيه، ولقد أشار الله تعالى عبر آياته إلى هذه الحقيقة، حيث أنه لابد أن يحمل قلب الإنسان المنهج ويحوله إلى حقيقة لكي يعرف الناس إنه حق ثم يتبعوه لذلك بعث محمداً (ص) نبياً للانسانية ليكون قدوة للناس، فجاء في قوله تعالى في سورة الاحزاب: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"، فبعد أن وضع الله تعالى الرسول(ص) وأهل بيته(ع) قدوة للبشرية كافة، وخصّهم بالعصمة وجعل عملهم وأقوالهم وموافقهم التي تصدر عنهم بمثابة السنّة الملزمة و واجبة التطبيق، بل وعدّهم الطريق والسبيل إليه سبحانه وتعالى، وبذلك جاءت النصوص عنهم -عليهم السلام- صريحة، فليس اتباع طريقهم والإهتداء بهم مجرد دعوى يدعيها الإنسان فقط، وإنما هي التطبيق العملي.
لكن قبل ذلك لابد من معرفة سيرة الرسول(ص) وأهل بيته(ع) لمن يريد ان يعمل بسنتهم ويتحلّى بأخلاقهم، وقد كتب العلماء مؤلفات عديدة وتفصيلية بهذا الخصوص، ونحن هنا لا نتمكن من الإحاطة بذلك، ولكن نحاول أن نذكر ما يتيسر لنا من آداب الرسول(ص) وأهل بيته وأخلاقهم، حتى تكون دروساً عملية تسهل علينا علمية تزكية أنفسنا وتهذيبها، وكان الرسول الاكرم – صلى الله عليه وآله- يربي أصحابه بالقرآن كما يروى عن عبد الرحمن السلمى قال: حدثنا من كان يقرؤنا من الصحابه أنهم كانوا يأخذون من رسول الله(ص) عشر آيات فلا يأخذون في العشر الآخر حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، وعن الامام الباقر -عليه السلام- قال: قال رسول الله(ص): (يا معشر قراء القرآن! اتقوالله -عزوجل- فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي) وروي أن رسول الله(ص) قال لإبن مسعود: إقرء عليّ قال: فافتتحت بسورة النساء فلما بلغت قوله: "فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا"، رأيت عينيه تذرفان بالدمع فقال لي: حسبك الآن.
وهناك الكثير من الروايات والاحاديث عن سيرة نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله في صفاته الشخصية ومكارمه وفضائله، ولايسع الحيز التطرق اليها، فقد قال عنه أمير المؤمنين –عليه السلام- في (نهج البلاغة): (.. وكان أسخى الناس لايثبت عنده دينار ولا درهم، لايأخذ مما أتاه الله إلا قوت عامه من أيسر ما يجد من الطعام والشعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله، لايسأل شيئاً إلا أعطاه ثم يعود إلى قوت عامه فيؤثر منه حتى أنه ربما احتاج قبل انقضاء العام أن لم يأته شيء).
أما عن أخلاقه فيروى انه كان إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه فإن كان غائباً دعا له وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده.
كل ذلك يُعد منهاجاً عملياً ليس لزمان معين وانما لكل زمان، وبتصفح سيرة أهل البيت –عليهم السلام- نجد صور بديعة وأمثلة عظيمة عن حياتهم وطريقة تعاملهم مع مختلف شؤون الحياة، فقد كانوا بشراً مثلنا، يأكلون ويشربون وينامون ولديهم المشاعر المختلفة، من حزن وفرح وغضب وعتب وغير ذلك.
|
|