قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

التوكَل على الله والتخلص من القيود والأوهام النفسية
*يونس الموسوي
يتصور البعض ان مفهوم التوكل يقتصر على كلمة تقال ويتداولها الناس كأحد المفاهيم الاخلاقية الدارجة مع سلوك الانسان.. فكثير من يردد كلمة (توكّلت على الله) او حتى (إنشاءالله)، وهي من المفردات الحميدة والمحببة، لكن بشرط النظر الى ابعادها ومعانيها الواسعة، فهي تعني في حقيقتها التخلي عن التبعية للآخرين، وتحطيم الاغلال الثقافية الجاثمة على عقل الانسان وروحه، ثم التحرّر من الوهم والخرافة وهيمنة الأساطير، وإزالة حواجز التوجّس من الاحباطات الماضية، والمخاوف المستقبليّة.
إنّ التوكل الحقيقي على الله ـ جلّ وعلا ـ يحرّر الإنسان ويمنحه القوة التي تمكّنه من تذليل العقبات في طريقه، فلا يرى شيئاً يحول بينه وبين هدفه الذي يصبو إلى تحقيقه، ولا يمكن لأحد أن يصمد في مقاومته وثنيه عن بلوغ أهدافه، فتراه في ظاهره إنساناً واحداً ولكنّه أمة في واقعه، ومثال ذلك هم الأنبياء والرسل ـ عليهم السّلام ـ، فعلى سبيل المثال؛ النبي إبراهيم - عليه السّلام- الذي أصبح خليلاً لله ـ تبارك وتعالى ـ كان في شخصه بمنزلة أمّة، كما شهد له بذلك القرآن الكريم في سورة النحل في قوله تعالى: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً".
ترى كيف ارتقى النبي ابراهيم إلى هذا المقام العظيم وقد كان رجلاً بسيطاً جاء من أقصى الكوفة إلى عاصمة البابليّين، وراح يتحدّى الحضارة الوثنية وطاغيتها نمرود، فحمل الفأس لا يأبه بأحد، ولا يخشى في الله لومة لائم ومضى يحطّم الأصنام، ويحاجج قومه وطاغيتهم بحججه الدامغة، ويسخر من عقولهم وأفكارهم وحضارتهم الجاهلية المشركة، غير منخدع لعمارتهم وجنّاتهم التي شيّدوها في بابل حيث معقل حضارتهم.
وعندما راح يسخر منهم، ويستهزئ بأصنامهم كانت قوّته التي استند إليها ثقته بالله العظيم، وتوكّله عليه، على الرغم من أنهم هدّدوه بالإحراق، ونفّذوا تهديداتهم له بالفعل، إلاّ أنّ كل ذلك لم يثن عزمه قيد أنملة، مادام ربُّ السماوات والأرض معتمده وملجأه.
وكذلك كان الحال بالنسبة إلى النبي نوح ـ عليه السّلام ـ الذي ظلّ يدعو قومه إلى الإيمان ونبذ الشرك والوثنيّة، وبقي على هذا المنوال أكثر من تسعمائة عام، فلم تتعبه دعوته الطويلة المصحوبة بالمعاناة والأذى والتضييق والسخرية من قبل قومه، ولم يصبه الملل والكلل لأنه كان متوكّلاً على ربّه، يخرج إلى قومه، يواجههم في الشوارع والأسواق ويدعوهم ويتحدّاهم أيضاً كما عبّر عن ذلك القرآن الكريم في قوله على لسانه: "فَاجْمعُوا أَمْرَكُم وَشُرَكاءكُم ثُمَّ لاَ يَكُن أَمْرَكُم عَلَيْكُم غمَّة"، أي هاتوا كل قوّة لديكم، وها أنا أتحدّاكم لوحدي، ولنر من الذي سيغلب منّا في ميدان الصراع، أأنتم بمكركم وضلالكم أم أنا المؤمن بربّي المتوكّل عليه؟
وبهذه الصورة كان النبي نوح ـ عليه السّلام ـ متحرّراً من كابوس الخوف وشبح الهزيمة، لا يهاب جموع الضلالة والعصيان، فدخل ميدان الصراع التأريخي معهم حتى اندحروا، وأُفنوا عن آخرهم، بينما انتصر هو والقلّة التي آمنت معه.
ويسرد لنا القرآن الكريم قصصاً عديدة لانبياء الله الكرام وكيف شقوا طريقهم لتبليغ رسالة الله ومواجهة الصعاب والتحديات، ولم يذكر القرآن قصة نبي او رسول واجه التنكيل والاستخفاف والتكذيب ثم انهار وانتهت دعوته، لان عمل الانبياء متصل بالعلي الأعلى ولم يكن الانبياء ليفكروا لحظة واحدة بانفسهم وذواتهم، فهم من دون الله ـ تبارك وتعالى ـ لاشيء.
وبما ان الانسان يعيش حالة الحرية والاختيار في حياته الظاهرية ويتصرف كيفما شاء، فان مفهوم التوكل سيبقى في اطار الكلمة المجردة التي يتفوه بها الانسان كلما اراد القيام بعمل ما ليثبت ارتباطه بربه تعالى، وهنا تكمن العّلة والمشكلة، فالانسان الحر والمختار والماسك بأزمة الامور من حوله، يغفل في كثير من الاحيان من أن النفس في داخله يجب ان تكون مثل ظاهره، حرة طليقة غير مقيدة باغلال العقد النفسية والتصورات الوهمية من قبيل (أخذ الاحتياطات اللازمة)؛ فاذا كنا نردد كلمة (توكلنا على الله) فاننا الى جانبها ننطق باستمار بكلمة (أخاف) و (أخشى) في معظم احاديثنا وفي ميادين مختلفة، وهذا من شأنه ان يحل محل التوكل على الله تعالى، حياتنا وتفاصيلها حيث نجعل الخوف أمام أعيننا، ومقدمة لكل خطوة نريد أن نخطوها بدلاً من التوكل على الله.
فمع وضع كهذا هل من الممكن أن نتوقع تقدّماً أو نتيجة إيجابية ممّن يعيش هاجس الخوف الدائم؟ وهل يمكن أن ننتظر منه أن يعمل ويجاهد ويتحدّى الاعوجاج والانحراف والطغيان؟
البعض منّا قد يرى في نفسه القابلية والكفاءة ولكنّه وبسبب هاجس الخوف هذا نجده يتردد في المبادرة والانطلاق، ولعلّ سبب هاجس الخوف هذا أو الحاجز الذي يحول دون هذه الحركة الذاتية، بعض الأعراف الاجتماعية السائدة او التصورات الخاطئة، ومن ذلك على سبيل المثال حاجز صغر السن، حيث يشعر البعض بانه لم يبلغ من العمر ما يؤهّله للقيام بمبادرته وتقديم ابداعه ونتاجه الى الآخرين، فيعتقد أنه لابدّ أولاً من أن يعرض ما عنده على الكبار في السن لاخذ الرخصة منهم، وقد يصدّه هؤلاء ويحبطون عمله ويستهينون بمواهبه، كل ذلك يشكل مجموعة من الهواجس التي تغلّ نفوسنا وتقيّدها.
القرآن الكريم خير من يعلمنا الثقة بالنفس وتجاوز هواجس الفشل والاحباط من خلال التوكل الحقيقي على الله ـ سبحانه وتعالى ـ، ففي سورة البقرة يسرد لنا القرآن قصة بني اسرائيل مع الملك جالوت، فبعد ان أعدّ نبي الله طالوت العدّة لمواجهة الملك الطاغية قال بنو اسرائيل ان عددنا قليل مقابل جيش جالوت، وكان بينهم نبي الله داود، فبشرهم الله تعالى بقوله.. "قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ"، والقصة مفصلة في الآيات المباركات (246-251) من سورة البقرة.
إن عظمة الإنسان تكمن في مدى تمسّكه بقضيّته، والنهوض بأعبائها، والسير بها نحو تحقيق أهدافها، فإن أنت ركنت إلى زاوية الخنوع وانتظار من يحمل العبء عنك ولم تفعل شيئاً من أجل قضيّتك، فسيكون من الصعب ايجاد مكانة مقبولة ومميزة في المجتمع، كما ان المجتمع لن يجد في إنموذج كهذا ما ينفعه ويحمله الى مراتب التقدم والتطور.