(ياليتنا كنا معكم).. تاملٌ في المفهوم
|
حسين هاشم آل طعمة
بعد أن يؤدي الوافد على حرم الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ مراسيم الزيارة، يقف أمام مراقد الشهداء الاجلاء ويحييهم مسلّماً:
(السلام عليكم يا انصار ابي عبد الله؛ بأبي انتم وأُمي طبتهم وطابت الارض التي فيها دفنتم، فياليتني كنت معكم فأفوز فوزاً عظيماً).
هذه العبارة الاخيرة لم تعد مقتصرة على زيارة الشهداء، وانما اصبحت مثال البلاغة الرثائية لخطباء المنبر الحسيني، فبات جميع الخطباء يرددون هذا الدعاء والرجاء في مستهل مجلسهم الحسيني؛ وكلمة (معكم) بمنزلة القلب النابض في بدن هذه الجملة البلاغية، وهي شرطية التحقيق للفوز في جنات النعيم.
ولو تمعنا في كلمة (معكم) فان هذه المعية تتكون من عدة محاور:-
المحور الاول: هو تمني وترجّي قارئ العبارة ان يكون حاضراً في زمن الإمام الحسين (ع) وهو التمني الزماني.
المحور الثاني: هو تمني قارئ العبارة ان يكون حاضراً على أرض المعركة وبين اصحاب الحسين ـ ع ـ وهو التمني المكاني. ومن المعلوم ان غالبية من يقرأ هذه العبارة المباركة يقصدون التمني الزماني والمكاني، أي أن يكون مع الإمام الحسين (ع) ومع اهل بيته واصحابه الكرام في وادي الطف.
لكن لو سلطنا الضوء على هذا التمني لخرجنا بنقطتين.
الأولى: إن التمني والترجي بالعودة الى عام 61 هجري ويوم العاشر من محرم على ارض كربلاء مع الحسين (ع) واصحاب الحسين (ع) بحد ذاته يُعد غير عملي وغير قابل للتحقق.
الثانية: لو تمعنّا في كلمة (ليت) او (ليتني) واعطينا تعريفاً ثانياً لهذه العبارة؛ مثلاً أن تقول: (ليتني أعمل عملاً صالحاً.. يكون نافعاً ومفيداً للناس ويكون صدقة جارية من بعدي)؛ هذا التمني يكون اقرب الى الواقع، كما يمكن للمرء صاحب الامنية ان يحقق رغبته هذه في الحياة الدنيا عاجلاً أم آجلاً، لكن هذا الانسان نفسه سيكون امام الاختبار وعلى المحك اذا افترضنا حصول المحال او المستحيل وكما يقول اهل المنطق: (افتراض المحال ليس بمحال)، وبقدرة قادر بأن الزمن يعود بصاحب الامنية الى الماضي والى زمن الامام الحسين (ع) ـ زماناً ومكاناً ـ ووجد نفسه فعلاً على ارض المعركة، فان كان هذا الشخص من المؤمنين الصادقين فانه ينجح في الاختبار وينال شرف الجهاد ضد اعداء الدين وينال الشهادة مع الحسين (ع) كما فعل ذلك اصحاب الحسين (ع) ـ قولاً وعملاً لا بالتمني ـ؛ وإن كان غير متكامل من الناحية الإيمانية وذا نفس غير مستعدة لتحمل المصاعب والآلام في سبيل الله ـ عزوجل ـ فهل ينضم الى الركب الحسيني في مسيرته؟
ان مسيرة الامام الحسين (ع) وهي مستمرة مع الزمان، محفوفة بالمكاره والمعاناة، والنفس الامارة بالسوء تأمر الشخص المستسلم لها بالركون الى الراحة وتحقيق المصالح المادية الضيقة، وهذا ما حصل فعلاً في زمن الامام الحسين (ع) وهو سائر نحو كربلاء، فكان في البلاد الاسلامية الملايين من المسلمين لكنهم لم يلتحقوا بركب الجهاد والشهادة مع ابن بنت رسول الله (ص)، بمن فيهم بعض الصحابة وابناء الصحابة في المدينة المنورة وغيرها وهم معروفون برواية الحديث وتلاوة القرآن وغير ذلك.
وكانت المأساة اكبر في الكوفة، فقد استغل الطاغية عبيد الله بن زياد ضعف الايمان في القلوب وارتباك النفوس، فضلاً عن عدم مواجهته بالشكل المطلوب، وعمد الى الزج بجموع من الناس وبأسلوب الترهيب والترغيب والسير بهم الى كربلاء لمواجهة الامام الحسين (ع) واهل بيته وصحبه الابرار الاطياب.
والبعض من هؤلاء الناس ممن كره الخروج مع جيش ابن زياد في مواجهة الحسين (ع) وفي نفس الوقت كره الوقوف الى جانب الحسين (ع) والاستشهاد بين يديه ففضل الهروب الى اطراف بعيدة عن اعين جلاوزة ابن زياد وايضاً عن معسكر الامام الحسين (ع)، وهذا الصنف من الناس مشمول يقول القائل خلال معركة صفين الضروس: (الصلاة خلف علي أتم، والطعام مع معاوية أدسم، والوقوف على التل أسلم!)
وفي ظل ظروف كهذه سقط هؤلاء الناس على كثرتهم وكونهم مسلمين في فخ الباطل بان اعانوا الظالم على ظلمه وخالفوا امر إمام زمانهم وهو الامام الحسين حيث اطلق حكم الجهاد على امته في نصرة الحق، وقد وجه خطابه لهم بقوله: (من سمع واعيتنا ولم ينصرنا أكبّه الله على منخريه في النار).
ان الكرامة التي نالها أبو عبد الله االحسين (ع) لم تأت بالهين واليسير، لذا ورد في الرواية ما نصّه:- (لك يا حسين منازل مقامات لن تنالها إلا بالشهادة).
وهنا نقف عند الحقيقة وهي ان على الانسان المسلم ان يتحمل انواع البلاء من اجل المبادئ الحقة في الحياة الدنيا، وأول هذه الابتلاءات: الاستعداد النفسي الكامل للتضحية بالنفس من أجل القيم والمبادئ الذي ضحى من اجلها الامام الحسين ـ عليه السلام ـ في كربلاء.
وهنا نسأل من يتمنى ان يكون مع الحسين (ع) هل يتحمل بمثل هذه السلسلة من الابتلاءات ذات الخاتمة المروعة. وقد تضمنت مواجهة الاعداء بسلاح الكلمة والخطابة أولاً ثم القتال لكن دون وجود قطرة ماء تطفئ لهيب الظمأ تحت اشعة الشمس الحارقة، ثم التعرض للطعن والنبال وضربات السيوف القاطعة، والاعظم من كل ذلك الموت مع سابق معرفة بان النساء في بعدها سيتعرضنَ للضرب والاهانة والسبي!
ان الحسين (ع) بعظمته وقرابته من رسول الله (ص) لم ينل هذا الفوز العظيم وهذا الثواب الجزيل إلا بتلك السلسلة من الابتلاءات المروعة وبشهادة مفجعة ليس لها مثيل في تاريخ الانسانية جمعاء.
وفي هذه الاسطر القليلة المتبقية لا يسعنا إلا ان نلتمس الزائرين الدعاء وهم قرب ضريح الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ وقرب الشهداء الابرار، ونتمنى عليهم ـ وهي امنية واقعية ـ بان يضمنوا دعواتهم ورجاءهم بصدق النية وهم يرجون الله بانهم لو كانوا (مع) الشهداء، فبهده النية الصادقة النابعة من صميم الايمان جديرة لان تنقل صاحبها الى اعالي الفردوس في جنان الخلد حيث منازل اصحاب الحسين ـ عليه السلام ـ، وهي لمكرمة ومرحمة عظيمة من قبل الباري ـ عزوجل ـ نرجو ان يحظى بها الجميع ونحن منهم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
|
|