نوافذ أبي ذر الغفاري (13)
كيف ينبغي أن يكون المؤمن؟
|
في احد نهارات المدينة المنورة دخل المسجد الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري (جندب بن جنادة) رضوان الله عليه، فلم يجد فيه احداً سوى الرسول الاكرم والى جانبه الإمام علي بن ابي طالب (ع)، فما كان منه إلا ان يغتنم الفرصة، لانه من النادر جداً آنذاك ان يكون الرسول الاكرم وحده وانما بين الناس والصحابة دائماً، فطلب من الرسول الاكرم (ص) ان يوصيه، فرحب به (ص) وقال له: (إني موصيك بوصية فاحفظها فإنها جامعة لطرق الخير وسبله..)
قال ـ صلى الله عليه وآله ـ:
(يا أبا ذر، إن نفس المؤمن أشد ارتكاضاً من الخطيئة من العصفور حين يقذف به في شركه).
في هذا القسم من الوصية الشريفة، يشير النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ـ استمراراً للحديث السالف في العدد الماضي عن الهلع من الذنب، واستفادة من مثال جديد ـ الى حالة المؤمن اثناء ارتكاب الذنب، حيث يؤكد ـ عليه الصلاة والسلام ـ ان قلب المؤمن حين اقتراف الخطيئة يرتجف اكثر من ارتجاف قلب العصفور الرقيق حين وقوعه في فخ الصياد.
إنّ كلمة (ارتكاض) تعد كلمة غريبة ونادرة الاستعمال بين الكلمات الاخرى، فهذه الكلمة لا وجود لها في نصوص الروايات إلا ما ندر. والارتكاض: يعني الاضطراب، على قمة مراتب الاضطراب، فإنه لا يستعمل في اي نوع من الاضطراب كان.
ومثال ذلك: إذا القيت على رجل من الاعيان تهمة السباب والفحش في القول، فانه سينزعج لذلك ويضطرب، وفي هذه الحالة لا يعبر عن انزعاجه واضطرابه بالارتكاض، ولكن هذا الشخص نفسه ان اتهم بتهمة الفسق والفجور، فان الارتكاض في هذه الحالة سيصدق تماماً على انزعاجه واضطرابه؛ لان اضطرابه سيكون في اعلى درجاته، وقد يضطر الى الهجرة عن محل سكناه، ومن ثم فان الاضطراب ـ حسب اقوال علماء اللغة والبلاغة ـ ذو معنى مشكك، وله درجاته الخاصة به.
لكن السؤال هنا هو ما العلاقة بين الارتكاض والارتكاب؟
ان ثمة قضية لطيفة في هذا الحديث الشريف، وهي ان النبي المصطفى ـ صلى الله عليه وآله ـ عدّ حصول الارتكاض في قلب المؤمن من مجرد ارتكابه الخطأ كافياً، اي ان المؤمن الحقيقي ـ وفق المنظار النبوي ـ هو من يهتز وجوده لارتكابه الخطأ، وليس بالضرورة ان يكون خطؤه ذنباً او معصية، ويتبع ذلك الاضطراب بأشد صورة.
نعم؛ إن النص النبوي الشريف لم يستعمل كلمة (ذنب) او (معصية)، وإنما استفاد من كلمة (الخطيئة) وهي تعني في بعض الاحيان الاضطرار الى المعصية، او ترك الاولى، هذا مع الاخذ بعين الاعتبار ان وراء انتخاب المعصومين ـ سلام الله عليهم ـ لهذه الكلمة دون غيرها حكمة بالغة وبلاغة فائقة، وهم ـ سلام الله عليهم ـ لا يستعملون الكلمات المترادفة او القريبة من بعضها في المعنى إلا ضمن انتخاب دقيق وعناية خاصة، وهكذا فان النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ حينما لم يستعمل كلمة (معصية) ولجأ الى استعمال كلمة (خطيئة) يعني بانه كان بصدد تبيين مراتب خاصة وتأكيدها في هذه المعاني المتقاربة.
إذن فاستفادته ـ صلى الله عليه وآله ـ من كلمة (ارتكاض) في هذه الجملة كان هادفاً، هذه البلاغة النبوية الحكيمة انما كانت من أجل توضيح اهمية الموضوع ودرجته، ولذلك ادرج صلوات الله وسلامه عليه في حديثه كلمة نادرة الاستعمال، وإلا كان بمستطاعه ان يأتي مثلاً بعبارة (اشد اضطراباً) لانسياقها في نفس المعنى.
والقضية الظريفة الاخرى ـ في هذا الحديث ـ اختياره ـ صلى الله عليه وآله ـ للعصفور في وصف درجة الاضطراب، ولا شك ان الطير بل الحيوانات جميعاً بما فيها الانسان ايضاً، يصابون بالاضطراب حينما يسقطون في فخ من الافخاخ، ولكن يبدو ان شدة اضطراب العصفور آنذاك اكثر وضوحاً، لا سيما انه في تلك الحالة المزرية سيمتنع عن شرب الماء والتقاط الحبّ، بل عن كامل حريته، فتراه يرتطم ببدنه بهذا الجانب وذاك لعله يتخلص من فخه او شراكه.
ويتفاوت الناس في طبيعة اضطرابهم للذنوب، كما يتفاوتون فيما بينهم بكثير من الامور، فتارة يقال لاحدهم: لماذا أذنبت؟ فيجيب بانه لا يرتكب كبائر الذنوب وانما يكتفي بصغائرها مشيراً الى امله لان يحاسبه الله عليها فقط!!
وهذا النوع من التفكير في المحاسبة المأمولة في استصغار الذنوب قد عبرت عنها الروايات الكريمة بانها ذنوب لا تغفر، لان الاستصغار بحد ذاته يعد من كبائر الذنوب؛ قال الامام الصادق ـ سلام الله عليه ـ: (اتقوا المحرقات من الذنوب، فانها لا تغفر)
ووفقاً لما تقدم؛ ان الاضطراب لدى ارتكاب المعصية يعد الشرط الاول لوجود الايمان في قلب الانسان، اما من يقضي كل نهاره في ارتكاب الذنوب والمعاصي دون ان ترتجف له شعرة ثم ينام هادئ البال، فهو لا شك خارج عن دائرة الايمان، بينما لو سمع هذا الشخص نفسه بان من المقرر اعتقاله او اعتقال أحد اقاربه، فهل تراه ينام ليلته مطمئن البال؟ ام هل سيكون لنومه معنى؟ ولذلك فان نومه الهنيء بعد ارتكابه الذنب يعني انه محروم من معرفة عظمة الله ـ تعالى ـ وخارج عن دائرة الايمان.
لكن مع ذلك هناك مقاطع زمنية ذات تأثير كبير ومباشر في تحديد مصير الانسان ورسمه، وابرزها الاشهر الثلاثة المباركات التي نمر بها وهي رجب الاصب وشعبان المعظم ورمضان المبارك، ولكل من هذه الاشهر الثلاثة، ايام ذوات فضائل عظيمة جدير بنا ألا ندعها تمضي دون اكتساب تلك الفضائل في الصلوات والادعية والزيارات الخاصة ولعل ابرزها زيارة امير المؤمنين ـ عليه السلام ـ يوم المبعث النبوي وليلة النصف من شعبان وليالي القدر في رمضان المبارك..
ان التضرع والتهجد يسهّل على الانسان مهمة تزكية نفسه وتنقيتها من الشوائب والادران ليسمو بعد ذلك الى حيث رضوان الله ـ سبحانه وتعالى ـ.
|
|