قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
تأسياً بالإمام الكاظم ـ عليه السلام ـ في ذكرى استشهاده..
للكلمة جهاد وراء القضبان
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة قال تعالى: "السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ".
ما أعظم الفرق بين الكلمة واسلوبها في ظل الحرية وفي الهواء الطلق، بعيدة كل البعد عن عيون الرقابة، او بين الكلمة وأسلوبها وسط جدران مهولة تحيط بزنزانة مظلمة لا تكاد ترى النور، فيلعب الهمس أو الايماء دوراً بارزاً له، فالكلمة من النوع الثاني اكثر جرأة واطول لساناً واعلى صوتاً، لانها نابعة من رجل سجين يصارع الموت بين معترك الامواج المهلكة في السجن فلا يجد يداً تمتد لنجاته غير سياط جلاديه، فان وهت قوته، قوي فكره، وان سكن ساعده تحرك قلمه، وكم من سجين جعل من زنزانته الصغيرة سلماً لارتقاء آفاق رحبة.
ولو أردنا عدّ دعاة هذا الاسلوب لاصبحت عندنا موسوعة كبيرة من الاسماء اللامعة ومن الجراح التي نزفت منها صواعق الكلمات وهم في غياهب السجون، ومزقوا حجب الظلام باقلامهم الناصعة البياض فاخرسوا وقاحة سجانيهم بلسانهم البليغ، وجعلوا الحبس مدرسة للصبر والجلد، فروضوا فيها ابداعاتهم، ومارسوا عملية الرفض والتحدي بمهارة وجعلوا حبسهم نقطة انطلاق لا خنوع، ونقطة قوة لا ضعف، ونقطة شروق لا غروب آنسوا وحدتهم ووحشتهم بالمناغاة والمناجاة مع خالقهم فاظهروا مبدأ جديداً هو (العلاقة بين الاضداد في هذا الوجود)، فما زادهم حبسهم إلا تحدياً وتصدياً بوجه الظالم المستبد.
وفي تاريخنا الاسلامي يُعد ابرز واعلى صوت خرج من سجون الطغاة هو صوت الامام موسى بن جعفر ـ عليه السلام ـ الذي تمر هذه الايام ذكرى استشهاده.
من الرموز الاخرى ايضاً العالم المعروف (الشهيد الثاني ـ ره ـ) الذي كتب كتابه الفقهي القيم (اللمعة الدمشقية) وهو في السجن وتفنن باغتنام الفرصة المناسبة فيه.
وهناك شعراء ملتزمون احتوتهم ظلمات السجن فاذا بقريحتهم تحتوي ظلماته، هذا أحدهم يراسل أباه برسالة من داخل السجن، ليلة تنفيذ حكم إعدامه رافضاً الخضوع لظالمه يقول:
ابتاه ماذا قد يخط بناني
والحبل والجلاد منتظران
ويهدني المي، فأنشد راحتي
في بضع آيات من القرآن
ويقول: لي ان الحياة لغاية
أسمى من التصفيق للطغيان
أهوى الحياة كريمة لا قيد لا
ارهاب لا استخفاف بالانسان
دمع السجين هناك في اغلاله
ودم الشهيد هنا سيلتقيان
فالى لقاء تحت ظل عدالة
قدسية الاحكام والميزان
وكم هو رائع وجميل تصوير هذا الشاعر والسجين بامتزاج (دمعة السجين بدم الشهيد) كامتزاج المسك بالعنبر يلتقيان لدحر العدو المشترك.
وهناك مناورة أدبية لصورة اخرى، كـ(خدعة) سجين شاعر يطري المدح لساجنه مشيراً لشخص آخر يضمره قلبه، كمديح الشاعر المعروف (منصور التمري) لهارون الرشيد وكان متقصداً بكلامه الامام علياً ـ علي السلام ـ مقتبساً مضمون الحديث الشريف: (يا علي انت مني بمنزلة هارون من موسى) حيث يقول:
هارون يا خير من يرتجى
لم يطع الله من عصاكا
في خير دين وخير دنيا
ومن اتقى الله اتقاكا
وله ايضاً:
آل الرسول خيار الناس كلهم
وخير آل رسول الله (هارون)
اي امريء بات من هارون في سخط
فليس بالصلوات الخمس ينتفع
فكياسة هذا الشاعر الشيعي مكنته من خداع (هارون الرشيد) لينال عفوه، فعفا عنه واطلق سراحه.
وفي تاريخنا المعاصر هناك ابطال سجنوا، ولم ينسوا دورهم في تغيير انماط مجتمعهم وتسييره نحو القمة والعزة منطلقين بهم من عتمة السجن ومنهم من اكلت حبال الظالمين في العراق اعمارهم.
يذكر أن الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي اجاد باستغلال فترة سجنه على يد نظام الطاغية في سبعينيات القرن الماضي، بالكتابة بعيداً عن عيون جلاديه فما توقف عنها، بل نذر ان لو خرج من السجن سيكمل كتابه سلسلة الكلمة لاهل البيت ـ عليهم السلام ـ فوفق في ذلك فتمكن من ان يثري المكتبة الاسلامية بمعارف جمة رغم عمره القصير والذي قضى بضعاً منه في الاسر او الهجرة.
وهناك لون آخر من جهاد الكلمة في السجن تمثل في شعر الموعظة والنصح، كما قاله ابو العتاهية في سجن هارون العباسي لما ضربه وحبسه ووكل على احد السجانين ليكتب اليه كل ما يسمعه، فكتب لهارون انه سمعه ينشد:
اما والله ان الظلم لؤم
وما زال المسيء هو الظلوم
الى ديان يوم الدين نمضي
وعند الله تجتمع الخصوم
فبكى هارون، وامر باطلاق سراحه واعطاه الف دينار.
ويقول
هذا غيض من فيض جهاد الكلمة خلف القضبان اتت باذواق مختلفة واتجاهات متعددة، خالدة لعاطفتها المتأججة التي ستبقى كالدرّ المتالق وجاءت باسلوب قوي وبيان رقيق وجب ان تميل اليها الاذهان.
وكان واضحاً ان يمثل هذا الاتجاه الادبي الرائع بجد واجتهاد آل بيت الرسول (ص) في صراعهم الدائر مع طواغيت عصرهم الذين حاولوا طمس الشريعة المحمدية والتنكيل بها من خلال القائهم في قعر السجون متناسين انهم امل متلألئ وبيرق لم ينطو ونسائم تحرك سنابلنا ومن هؤلاء القادة الاولياء الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) الذي الف سجون الظالمين اربعة عشر عاماً من مدة امامته لا يخرج من سجن حتى يدخل سجناً آخر.
ولربما المؤثرات الايمانية والعرفانية التي تركتها بصماته داخل السجن تفوق خارجه، فجعل (ع) حبسه وسيلة روحية تقربه الى الرفيق الاعلى، فاندفع اليه كمن يريد حرية هام فيها، وشاءت الاقدار ان تشيعه جدران السجن الاربعة.. بعد ان اختنق مصباحه وذابت زهرته فيه، وكم كان يتمناه ليكون قفزة للتوجه الى الله ومن دعائه في السجن: (اللهم انك تعلم اني كنت اسألك ان تفرغني لعبادتك، اللهم وقد فعلت فلك الحمد).
وعن عبادته وورعه (ع) وهو سجين، حكي انه ارسل هارون الرشيد الى الامام الكاظم (ع) في الحبس جارية لها جمال لتخدمه واستهدف اللعين من هذا العمل الاساءة الى سمعة الامام وبعد مدة ذهب الخادم ليستفحص عن حال الجارية فرآها ساجدة لربها لا ترفع رأسها وتقول: قدوس، قدوس، سبحانك، سبحانك، فاتى بها الى الرشيد وهي ترعد شاخصة الى السماء بصرها فاقبلت في الصلاة فقيل لها ما شأنك؟ قالت: هكذا رأيت العبد الصالح موسى بن جعفر (ع) فما زالت الجارية كذلك حتى ماتت!
ومن جهاده العبادي في السجن، ينقل ان هارون كان يصعد سطحاً مشرفاً على الحبس كل يوم فقال للربيع ـ وزيره ـ ما ذاك الثوب الذي اراه كل يوم من ذلك الموضع، قال: (يا امير المؤمنين) ما ذاك بثوب وانما هو موسى بن جعفر له كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس الى وقت الزوال، وقال الربيع: فقال لي هارون: اما ان هذا من رهبان بني هاشم، قلت فما لك فقد ضيقت عليه في الحبس قال: هيهات لا بد من ذلك!
قالت اخت السندي بن شاهك ـ سجان الامام (ع) ـ: وقد سجن الامام (ع) في بيت اخيها، كان اذا صلى العتمة حمد الله ومجده ودعاه، فلم يزل كذلك حتى يزول الليل، فاذا زال الليل قام يصلي حتى الصبح، ثم يذكر قليلاً حتى تطلع الشمس، ثم يقعد الى ارتفاع الضحى، ثم يتهيأ ويستاك ويأكل ثم يرقد الى قبل الزوال، ثم يتوضأ ويصلي حتى صلاة العصر، ثم يذكر في القبلة حتى يصلي المغرب، ثم يصلي ما بين المغرب والعتمة، فكان هذا دأبه، فكانت اخت السندي إذا نظرت اليه قالت: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل.
ويروى انه استشهد (ع) بالسم بأمر من هارون الرشيد في حال سجود لله تعالى، ودفن مع قيوده، وقد اوصى (ع) بذلك ليخاصم ظالميه يوم االقيامة.
أجل، أي سيف اقوى فتكاً واشد وقعاً من خطاب الامام (ع) لهارون وهو سجينه: (انه لن ينقضي عني يوم من البلاء الا انقضى معه عنك يوم من الرخاء، حتى نمضي جميعاً الى يوم ليس فيه انقضاء هناك يخسر المبطلون).
(فالسلام على المعذب في قعر السجون وظلم المطامير ذي الساق المرضوض بحلق القيود والجنازة المنادى عليها بذل الاستخفاف).
امثل ولي الله موسى بن جعفر
يموت ولا من نائح فينوح
ايقضي ولي الله في السجن نحبه
وهارون في سجن الضلال يميح