قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

بفوضى أو بنظام.. على أميركا أن تنسحب من العراق
وليام فاف (*)
تصاغ السياسات الخارجية عادة تبعا للمصالح والتهديدات. ومنذ تضخيم التهديدات الارهابية بعد هجمات 11 ايلول على الولايات المتحدة عام 2001، انعكس الوضع، وشدد المحللون على التهديدات أكثر من المصالح. لكن التهديدات عديدة، والمصالح - الحيوي منها المتعلق بأمن الدولة - محدودة بطبيعتها. وعندما تصبح الأثنان مشوشتان، يصبح من السهل الفشل في التمييز بين الضرورة والفائدة والمصلحة لدى وضع السياسة وأكثر من ذلك، المخاطرة بأن تفقد حسك بما هو ممكن تطبيقه.
الأسبوع الماضي، نشرت نيويورك تايمز افتتاحية تطالب أن يناقش المرشحان للرئاسة خططهما حيال "انسحاب سريع ومنظم من العراق". إن مثل هذا الانسحاب مرغوب فيه بالتأكيد، وهو ما وعد به باراك أوباما، لكن هل هو ممكن؟ ماذا عن انسحاب غير منظم؟ ماذا لو كان هذا هو الانسحاب الوحيد المتاح؟ في هذه الحالة، هل من مصلحة أميركا البقاء إلى ما لا نهاية في العراق، وأن تقاتل هناك من أجل البقاء، أو أن تنسحب انسحابا غير منظم؟ ماذا لو أن الحكومة العراقية طلبت من الأميركيين أن يغادروا، كما هدد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في مفاوضاته مع واشنطن حول الشروط التي تتيح للولايات المتحدة البقاء في العراق بعد انتهاء التفويض الممنوح لها من الأمم المتحدة نهاية هذا العام. لقد رفض المطالب التي قدمتها الولايات المتحدة أصلا - سيطرة عسكرية غير عادية على الأرض وحرية تامة في العمل، تترافق مع حق اعتقال وسجن المواطنين العراقيين.
وزارة الدفاع والإدارة الحالية متمسكتان بشدة بالبقاء في العراق، من أجل إحكام القبضة على القواعد العسكرية الضخمة التي أنشئت هناك ومن أجل النفط. إنهم على استعداد لدفع الكثير مقابل ذلك، لكن إذا ما اصر المالكي على مطالبه في الحفاظ على سيادة العراق، فإنهم سوف يبحثون عن بديل. هل يكون حكومة عراقية جديدة؟ ربما كان المالكي نفسه يراهن على حكومة بديلة - لكن في واشنطن.لكن ما مدى أهمية القواعد الأميركية هناك؟ إدوارد ليتواك، وهو معلق ذكي وعقلاني، كتب مؤخرا في مجلة بريتانز بروسبكت أن الشرق الأوسط لم يعد مهما بدرجة تكفي للتقاتل حوله. وأن الصراع العربي - الإسرائيلي أصبح إلى حد بعيد غير مهم استراتيجيا منذ انتهاء الحرب الباردة، وأن "الاعتماد العالمي على نفط الشرق الأوسط يتناقص"، وهو أمر صحيح - بغض النظر عن أسعار النفط التي ما زالت تتصاعد. إن إمكانية الحصول على النفط لا تعتمد على الهيمنة العسكرية على المنطقة. النفط يباع في السوق العالمي لمن يملك ثمنه، وليس هناك منتج يستطيع ان يتحمل مقاطعة المشترين الكبار، كالولايات المتحدة واليابان وإوروبا الغربية. وكما علق شارل جلاس (وهو سجين سابق عند حزب الله في لبنان) فإن الخاتمة المنطقية لمقال ليتواك يجب أن تكون توقف الولايات المتحدة عن منح إسرائيل 5,5 مليار دولار مساعدات سنوية.
يجب على الولايات المتحدة أن تخرج من العراق، سواء بصورة منظمة أو غير منظمة، وما سيحدث بعد ذلك هو بالتأكيد شأن العراقيين، الذين كانوا قادرين في الماضي - قبل الاجتياح عام 2003 - بطريقة أو بأخري على إدارة شؤونهم. ما يحدث للعراق الآن لا يمكن أن يشكل أي تهديد للولايات المتحدة. الاعتراض الأحمق الذي نسمعه عادة فيما يتعلق بالخروج من العراق بصورة غير منظمة هو أنه "قد يصبح أرضا لتدريب الإرهابيين". لكن من المؤكد أن الأرهابيين ليسوا بحاجة للمزيد من "أراضي التدريب" أكثر مما لديهم الآن. إن مزرعة معزولة في أتاوا يمكن أن تستعمل أيضا للتدريب، وهو يأتي دون تكلفة عبر الإنترنت.
سيمون سافارتي، أحد الأشخاص المهمين في مجتمع السياسات في واشنطن من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وضع مؤخرا لائحة بالأمور التي "تتزايد الموافقة" على أنها تهديدات 'غير تقليدية' يتعين على الأوروبيين والأميركيين أن يقلقوا بشأنها" بالإضافة لتهديد "المجموعات الإرهابية القادرة على الوصول إلى أي مكان في العالم واحتمال وصولها إلى أسلحة الدمار الشامل". وهذه التهديدات هي: "تنوع أسلحة الدمار الشامل وانتشارها، والدول الفاشلة، والجريمة المنظمة، ومدخل إلى مصادر الطاقة، والتغيرات المناخية، والأوبئة... وغيرها". لنفترض أنه لا الأميركيين ولا الأوروبيين استطاعوا حل هذه المشاكل، ربما يجب علينا حينها التعايش معها، أو ربما اعتبار بعضها غير هام. لقد هنأت النيويورك تايمز في افتتاحيتها باراك أوباما لأنه ينوي حمل الولايات المتحدة على "الانسحاب من العراق، وهكذا يمكن لها أن تنهي القتال في أفغانستان"، حيث تتدهور اوضاع حلفائها ويقتل من الجنود الأميركيين عدد أكبر من الذي يقتل في العراق. لكن كيف يمكن للرئيس أوباما (أو الرئيس ماكين) أن يقضي على طالبان؟ في بداية الحملة الانتخابية، اقترح أوباما القضاء على طالبان عن طريق اجتياح الدولة الحليفة لأميركا، الباكستان، التي تتخذ منها القاعدة وطالبان ملجا لهما. بعد ذلك يمكن للولايات المتحدة أن تحارب في الوقت ذاته الجيش الباكستاني، وطالبان والقاعدة ومقاتلو القبائل في وزيرستان. أين هي المصلحة الأميركية الحيوية في ذلك؟.
(*) موقع «تروث ديغ»