الإنسان بين الانطواء على الذات والاتصال بنور الهداية الإلهية
|
*أنور عزالدين
يرتكب الواحد منّا خطأً كبيراً إذا اعتقد انّ الإنسان مخلوق عادي كسائر المخلوقات، بل هو مخلوق متميز؛ له من الصفات والقابليات ما لم يحظ بها مخلوق آخر. فهو قادر كل القدرة على التسامي والارتفاع، إلى درجة حيث روي في حديث قدسي أن الله تعالى يقول: "يابن آدم؛ أنا حي لا أموت، أطعني فيما أمرتك، حتى أجعلك حيّاً لا تموت.. يابن آدم؛ أنا أقول للشيء كن فيكون، أطعني فيما أمرتك، أجعلك تقول للشيء كن فيكون".
فهذا الرّب العظيم كتب على نفسه أن يسمح لبني البشر بالارتفاع والسمو ما أرادوا وما قوت عندهم العزيمة والإرادة، كما ان من آيات هذه الخاصيّة التي يتمتع بها الإنسان أنه يحكم على نفسه بالهبوط والانحدار نحو الهاوية في حال عصيانه لرب العالمين ومخالفته لتعاليم دينه.. فهذا الإنسان الذي لا يمثل شيئاً يذكر في الكون الواسع بمقدوره أن يقتحم هذا الكون ويسبح في فضاءاته اللامتناهية، كما بمقدوره أيضاً أن يتحوّل بكل بساط إلى كائن حقير بالقياس إلى ما هو أصغر منه خلقة.
فياترى ماذا يمثل ابن آدم من وجود أمام وجود الكون بمجراته وكواكبه وشموسه التي خلقها الله لتكون له آية يمعن التفكر فيها؛ وهو –الإنسان– لا يعدو كونه إلاّ واحداً من مائة مليون نوع من الأحياء في كرتنا الأرضية؟
يشعر من يسير نحو الانحدار بان لا وجود للرقابة السماوية، نافياً وجود الحساب والعقاب، فيرتكب الذنوب تلو الذنوب، ويتجاهل ما تتلى عليه من الآيات في كل حين، ويتغافل عمّا تأتيه من نذر تحملها الرسل. فهو قد يحضر مجالس القرآن الكريم وايضاً مجالس الذكر والوعظ والارشاد ويشارك في الشعائر الدينية ويشاهد بأم عينيه كيف يقضي إخوانه ورفاقه نحبهم الواحد تلو الآخر، غير أنه وبكل إصرار وعناد يظن أنه ليس معنيّاً بهذه الإشارات والتوجيهات الإلهيّة، أو أنه يتصور انها تعني غيره.
إن الإنسان مدعو بالدرجة الأُولى إلى اتخاذ قراره الحاسم في الحياة لتحديد مصيره الأُخروي، لاسيّما وأن ثَمَّ عوامل نورانيّة مساعدة تعينه على هذه المهمة، إذ أن رحمة الله ـ سبحانه وتعالى ـ حَريّة ألاّ تترك الإنسان يخوض وحده متاهات الدنيا. هذا من جانب، ومن جانب آخر؛ فإن الكمّ الهائل من الواجبات الشرعية والمناسبات الدينية التي يحويها التأريخ والتشريع الإسلامي مليئة بما يكفل للإنسان المسلم المصمم على العبور إلى جنان الخلد أن ينجح في الاختبار والوقوف موقف الايمان الكامل بها.
ولكن الشيطان يقف للإنسان بالمرصاد، حيث يحاول بوساوسه ونفثاته أن يزيغ قلبه وأن يضلّه عن الطريق.. حتى يأخذ بيده إلى أسفل سافلين. وذلك لأنه أقسم لرب العزّة أن يغوي بني آدم أجمعين ويقعد لهم صراطه المستقيم؛ إلاّ عباده المخلصين.
إنّ الشيطان يحث الإنسان المؤمن على ارتكاب المعاصي وركوب مَطيّة الغفلة ألف مرّة قبل أن يسوق الإنسان الفاسق إلى الإصرار على مواصلة فسقه مرّة واحدة. وبما إن الشيطان الرجيم –بما يمثل من نفس أمّارة وعوامل ضغط أخرى– يجري في الناس مجرى الدم، فهل يستطيع الإنسان أن يتخلص من دمه؟ إنه عاجز عن الخلاص من ربقة الشيطان تماماً دون التوجه إلى الله والدعاء إليه بأن تكون الملائكة قرينه. وقبل هذا وذاك لابدّ من قرار حاسم يتخذه المرء مع ربّه بأن يكون مصدّقاً لأوامر الشريعة، وبالعمل الصالح يتمكن من ترجمة هذا القرار.
فالإنسان حينما يهدف الوصول إلى الجنّة ودخولها وملازمة الأبرار فيها يكون ملزماً بمعرفة ان لهذه الجنّة ثمناً، ولهذه الملازمة الخالدة تضحية يجب أن يقدمها في سبيل ذلك.
ولعل عملية دفع ثمن الدخول إلى الجنّة تتمثل بالدرجة الأُولى في أن يتخلص الواحد منّا من أسباب الانحراف عن الصراط المستقيم؛ حيث التكذيب الذي تدور مئات الآيات القرآنية الكريمة حوله كونه قرينة كاملة وتجسيداً واضحاً للكفر. والعكس هو الصحيح أيضاً. فالإيمان يعني التصديق والتسليم والإذعان للحق وللحقيقة، فيما التكذيب يعني الكفر بالحقائق. فالمرء لا يكون مؤمناً حتى يصدق ويسلّم ويذعن بأن ثَمّةَ إلهاً واحداً أحداً وأن هناك يوماً للحساب، يُثاب فيه الصالحون ويعاقب فيه المجرمون، وأن الله بعث الرسل مبشّرين ومنذرين، وأن الجنّة حق والنار حق والموت حق، وعليه فإن الإنسان إذا أراد التخلص من نار الآخرة عليه أن يغلق بابها اولاً، وإن أراد أن ينعم بنعيم الجنان فعليه أن يعمل على فتح أبوابها.
إن باب التكذيب الذي هو أسّ الانحراف لابدّ وأن يغلق، فما أردى ولا أودى ولا أهلك القرون الماضية والأمم الغابرة إلاّ التكذيب، لقد كذّبوا بـ "النُذُر" لمّا جاءتهم، والتكذيب بها يعني محاولة يائسة لدحض الوحي والملائكة؛ وهذا يعني إنكاراً لوجود ـ الله سبحانه وتعالى ـ، أو على الأقل تكذيب حكمة الله وإرادته، ونسبة ما لا ينبغي إليه.
إن الناس مدعوّون في هذه الدنيا لأن يسلموا بالحقائق الكونية، وبالأهمية ذاتها مدعوون لأن يفهموها ببساطة ويسر؛ فليس هناك ما يحملهم على التعقيد واللّبس. فالله ـ تبارك وتعالى ـ لم يتفضل على الإنسان بالقوى والإمكانات لكي يستكبر ويصعّر خدّه للناس، بل العكس هو الصحيح تماماً، ولم يأمر عبده بالصلاة لكي يتاجر بها، ولم يؤتَ من العلم لكي يخدم الشيطان ويعلو على الناس به، وغالباً ما كان أئمة الهدى ـ عليهم السّلام ـ يأمرون أصحابهم الخُلَّص بأن لا يفخروا على الناس وبقية الأصحاب بما كانوا يخصونهم به من رعاية وتعليم وتربية، فالقضية لا تستدعي ذلك أبداً، لذلك نجد أن حواريّي الأئمة -عليهم السّلام- استوعبوا الدرس والحكمة جيداً، ونقرأ آيات التواضع والتفاني في الله في سيرتهم – رضي الله عنهم- .
|
|