التبذير أقرب الطرق إلى الإفلاس
|
* جمال عبد الامير
أرأيت من يفعل سيئاً ويفخر به؟ ذلك هو المبذِّر المتفاخر الذي يضع المال في غير موضعه ويُسرف في البذل على من لايستحق، فيقيم مأدبة لشخص واحد ويحشدها بالطعام والشراب لما يكفي لعشرة أشخاصٍ، وبعد أيام يبدء بالحديث عن مأدبته وفيما قدمه لضيفه من الطعام والشراب.
يظن البعض أن التبذير لايكون إلا في المال الحرام والطعام والشراب الحرام، كأكل الخنزير وشرب الخمر، فعن أبي بصير قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن قوله "لاتبذّر تبذيراً"، قال بذر الرجل ماله ويقعد ليس له مال، قال: فيكون تبذيراً في حلال قال: نعم" (بحارالأنوار، ج75، ص302)
ويقول الرجل هو مالي أتصرف به كما أشاء وكما يحلو لي، وليس لأحد أن يمنعني التصرف في مالي، ولاشك أن الرجل حرٌ في التصرف بماله كيفما يشاء إلا إن هذه الحرية محدودة أيضاً في إطار العقل والمنطق، فليس من العقل أن يرمي الرجل ماله في البحر ويقول "هو مالي وأنا حرٌ بالتصرف به"، فمن يفعل ذلك فهو يخالف قواعد العقل ومبادئ الدين التي تحث على التدبير والتصرف الحسن بكل شيء بما في ذلك المال، فالدين ليس صلاة وصوم فقط بل هو نظام للحياة وعلى المرء أن يتقيد بمبادئه ومعاييره حتى يتنعم ببركات وفضائل هذا النظام.
وبالنسبة إلى كيفية التصرف بالمال فقد بيّن لنا الإمام علي (عليه السلام) جانباً من هذا النظام فهو يقول "كن سمحاً ولاتكن مبذراً، وكن مقدراً ولاتكن مقتراً"(شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد، ج18، ص150) وهنا يحذر الإمام علي (عليه السلام) من وقوع الإنسان في الإفراط والتفريط بالنسبة إلى العطاء وبذل المال فلا تبذير ولاتقتير وعوضاً عن ذلك يطالب بالوسطية والإعتدال بأن يكون سمحاً مقابل التبذير ويكون مقدِّراً مقابل التقتير.
وفي التبذير تفريط بالمال وفي البخل تفريط بالحقوق، وكلاهما مذموم لأنهما يوقعان الإنسان في شرك المعصية ومزيد من الأنانية، فالمبذر يدفعه إلى فعله رغبته في مديح الناس له بأنه كريم وهو ليس كذلك، والبخيل غير مهتم لمديح أو ذم الناس له إلا إن الحرص والطمع يدفعانه إلى تجميع الأموال ومنعها عن أقرب المقربين إليه وهم أبناءه.
إن المال الذي في حلاله حساب وفي حرامه عقاب هو مورد إبتلاء الإنسان ومحل فتنته، ولابد أن يمتلك المرء بصيرة واعية لكي يحسن التصرف به، وقد سمعنا الكثير من الحكايات عن دور المال في التفريق بين الإخوان والأزواج والأب وإبنه.. وكذا عن الصراعات والنزاعات التي إستمرت لعشرات السنين نتيجة الاختلاف على مقدار من المال، فالحكيم هو الذي يعرف قيمة المال ويضعه موضعه ولايجعله بديلاً عن أمه وأبيه وشقيقه وصديقه.
فلو كان الانسان مبذَّراً فقد ظلم نفسه بأن أوقعها في إحتمال الإفلاس وإن كان بخيلاً فقد ظلم نفسه وظلم الآخرين لأنه لم يعطهم حقهم، ومن إفتخر بالتبذير فقد عجّل على نفسه الإفلاس، وقد ورد عن الإمام علي (عليه السلام) قوله: "من إفتخر بالتبذير، إحتقر بالإفلاس" وعنه عليه السلام أيضاً قال: "التبذير قرين مفلس"، فالذي يفتخر على الآخرين بأنه فعل كذا وكذا وصرف الأموال على الأمور التافهة ففي كلامه إشارة إلى فقرهم وضعف حالهم، إضافة إلى أن عمله لم يكن مما يتباهى به ويفتخر له، فهو يستحق الإفلاس نتيجة تفاخره على الفقراء والمساكين الذين لايجدون إلا القليل مما يأكلونه أو يشربونه، بينما يفتخر أمامهم هذا الرجل بتبذير أمواله وطعامه.
ويجب أن نفهم بأن المال أمانة يجب أن نحسن التصرف به ونضعه في مواضعه المناسبة من دون إفراط أو تفريط وإذا نظرنا إلى المسائل الدينية بهذا الخصوص نجد أن العقل يحكم بها ويؤيدها، وعندما نفهم بأن المال منتقل من يدٍ إلى يد ندرك إنه ليس بملكية خاصةٍ للإنسان فهو يتحول من يد إلى يد ضمن سنةٍ حياتية لايقوى الإنسان على الخروج من حتميتها.
فالعقل يحكم بحسن التصرف بهذا المال، لكي لايقع المرء فريسة الإفلاس، ولكي لايُدان أيضاً من جانب العقل أولاً والإنسانية ثانياً وفي القيامة ثالثاً على ما فرط وأساء التصرف بهذه النعمة التي أنعمها الله عليه.
فليس كل ما في يديك من مال هو حقك الخاص بك، بل هناك جزء من مالك هو حق للناس والفقراء والمساكين، وإن التبذير في هذه الأموال هو تبذير بحق هؤلاء الناس، فلذلك فإن الإنسان مسؤول أمام عقله والإنسانية وأمام الله فيما يجب أن يفعله بماله.
|
|