قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

فاطمة الزهراء... الإمتداد الطبيعي للرسالة الاسلامية
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *يونس الموسوي
العلاقة العاطفية بين الأب وابنته تُعد من أرقى العلاقات الإنسانية وأسماها، فكيف إذا كانت تلك البنت هي فاطمة الزهراء - سلام الله عليها- وكيف ستكون هذه العلاقة؟
فاطمة ليست كأية بنت أخرى، اذ انها في ولادتها لم تكن كأية مولودة أخرى، وهنا سنحاول مواكبة مسيرتها مع والدها النبي الأكرم - صلى الله عليه وآله- وهو يتحدث بنفسه عن تلك الأحداث الكبرى التي تزامنت مع ولادة سيدة نساء العالمين ونموها.
لقد أحسّ النبي الأكرم أن المولود القادم ذو شأن عظيم، فقد قدر الله ـ سبحانه وتعالى ـ على نبيه الكريم أوضاعاً تشبه الحالات الطارئة والأوضاع الخاصة حيث منع الرسول الأكرم(ص) من الاقتراب إلى خديجة الكبرى - سلام الله عليها- مدة أربعين يوماً، وأكثر من ذلك إذ نزل عليه جبرائيل -عليه السلام- بأمر الله أن يترك مخالطة الناس ويختار العزلة، ويشتغل بعبادة الله سبحانه، ولايأكل من طعام أهل الدنيا ولو لقمةً، ولايشرب من مياههم ولو جرعة بل يكون صائماً أبداً ويفطر برطب الجنة أوتينها أو تفاحها... ويقول النبي - صلى الله عليه وآله- انه لما عُرج به إلى السماء ودخل الجنة: (... ثم قدمت امامي فإذا أنا برطب ألين من الزبد وأطيب رائحة من المسك وأحلى من العسل فأخذت رطبة فأكلتها فتحولت الرطبة نطفة في صلبي فلمّا أن هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، ففاطمة حوراء إنسية فإذا اشتقت إلى الجنة شممت رائحة فاطمة).
ان حياة سيدة نساء العالمين إستثنائية منذ تكوّن نطفتها وحتى وهي جنين في بطن أمها خديجة – عليها السلام- ثم عند ولادتها السعيدة، ففي كل لحظة من لحظات عمرها الشريف كان النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ يشعر بالاعجاز الرباني في وجودها، ففي كل مرحلة من مراحل تكونها كانت هناك ذكرى غيبية تذكر النبي الأعظم بلحظة جميلة قضاها في الجنة، وبقربه من العلي الاعلى.
وقد استغرب كثير من الصحابة اهتمام النبي الأعظم بابنته فاطمة، فكانوا يرونه وهو يشمها ويضمها ويقبلها، فيسألونه عن سرّ هذه العلاقة فيجيبهم بأنها تذكره بالجنة فإذا إشتاق إلى الجنة قبلها وضمها إليه.
فاذا كان تكوين وولادة وحياة فاطمة الزهراء - سلام الله عليها- مسألة استثنائية، فلا غرابة أن تصدر منها أشياء هي فوق مستوى العقل والإدراك البشري، ومن ذلك أنها كانت تسلي أمها في فترة حملها وتتحدث إليها وهي في بطنها، وذكروا أن خديجة -عليها السلام- لما تزوج بها رسول الله(ص) هجرتها نسوة مكة فكنّ لايتحدثن إليها ولايدخلن عليها ولايسلمن عليها ولايتركن امرأة تدخل عليها فاستوحشت خديجة لذلك فلما حملت بفاطمة كانت فاطمة -عليها السلام- تحدثها من بطنها وتصبرها وكانت تكتم ذلك من رسول الله – صلى الله عليه وآله- فدخل عليها يومأً فسمعها تتحدث فقال لها: يا خديجة من تحدثين؟ قالت: الجنين الذي في بطني يحدثني ويؤنسني! قال: يا خديجة هذا جبرئيل يخبرني أنها أُنثى وأنها النسل الطاهر الميمون وأن الله ـ تبارك وتعالى ـ سيجعل نسلي منها وسيجعل من نسلها أئمة ويجعلهم خلفاءه في أرضه بعد إنقضاء وحيه.
لقد كان النبي الأعظم – صلى الله عليه وآله- يدعو الناس إلى الإسلام، فما كان جوابهم إلا الانكار والأذى الذي كانوا يلحقونه بالنبي، فكانت ابنته فاطمة هي السلوى الوحيدة، فكان إذا رآها ينسى همومه وآلامه وعذاباته التي يلقاها على يد المشركين، وأقول بأن هذه الفضيلة هي من الله ـ سبحانه وتعالى ـ لإزالة الهمّ والغمّ عن قلب نبيه الكريم الذي واجه الأذى الكبير من قومه بما لايطيقه بشر، لكنه - صلى الله عليه وآله- استطاع أن يتحمل ذلك الأذى بفضل وجود فاطمة الزهراء - سلام الله عليها- ولذلك لاعجب أنها كانت تحدث والدتها وهي في بطنها، لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ جعل إحدى خصالها هي تسلية والديها في أوقات العسرة.
ويتبين من ذلك أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ اختصها منذ نعومة أظفارها بل وقبل ولادتها، بمكرمات وفضائل جعلتها في خدمة الرسالة الإسلامية وهي بعد لم تبلغ الحلم، ولنا أن نتصور كيف سيكرم الله ـ سبحانه وتعالى ـ ذلك الإنسان الذي يكون في خدمة الرسالة منذ فترة الحمل وحتى آخر يوم ولحظة من الحياة؟
وكان النبي الأعظم - صلى الله عليه وآله- كلما عزم على سفر تكون فاطمة آخر من تودعه وتسلم عليه، وعندما يعود يكون بيتها هو الاول الذي يدخله، فعن عائشة قالت: كان النبي - صلى الله عليه وآله- إذا قدم من سفر قبل نحر فاطمة وقال: منها أشم رائحة الجنة، وكان إذا أراد النوم لايذهب إلى الفراش قبل أن يسلم على فاطمة، وعن حذيفة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله- لاينام حتى يقبّل عرض وجه فاطمة وبين يديها.
ولنا أن نتساءل ونقول: لماذا يفعل رسول الله كل ذلك؟ هل لكي يظهر مودته وحبه لابنته فاطمة ـ عليها السلام ـ وحسب؟ وهل المطلوب هو إظهار صورة نموذجية لكيفية العلاقة السليمة بين الأب وابنته؟
يمكن أن تكون هذه القضايا واردة في الموضوع، غير أن الإكثار من هذا العمل يبين أن ثمة حقيقة وراء ذلك، وهي أن الرسول الاكرم كان بحاجة إلى فاطمة الزهراء - سلام الله عليها- عاطفياً، فكانت بالنسبة إليه بمنزلة الأم وبخاصة وهو قد فقد والدته في باكورة حياته، ومن هذا الباب قال - صلى الله عليه وآله-: (فاطمة أم أبيها) فكانت هي الأم وهي البنت في وقت واحد، فإذا أراد العطف والحنان لايذهب إلاّ إلى فاطمة فقد كانت ينبوع المحبة والحنان.
ومن شدة حبها لأبيها، ننقل هذه الرواية التي وقعت بعد وفاته - صلى الله عليه وآله- إنه لما قبض النبي الاكرم وامتنع بلال من الأذان وقال: لا أُأذن لأحد بعد رسول الله، فجاءت فاطمة وقالت اني ارغب أن أسمع صوت مؤذن أبي وهو يرفع الأذان، فبلغ ذلك بلالاً، فأخذ في الأذان، فلما قال: (الله أكبر، الله أكبر) ذكرت أباها وأيامه، فلم تتمالك من البكاء، فلما أن بلغ إلى قوله: (أشهد أن محمدا رسول الله)، شهقت فاطمة شهقة وسقطت لوجهها مغشياً عليها، فقال الناس لبلال: أمسك يا بلال فقد تكون إبنة رسول الله قد فارقت الحياة!، وظنوا انها قد ماتت فقطع أذانه ولم يتمه، فبعد أن أفاقت وسألته أن يتم الأذان، لم يفعل وقال لها: يا سيدة النسوان أخشى عليك مما تتنزلينه بنفسك إذا سمعت صوتي بالأذان، فأعفته عن ذلك.
وكان الإمام علي -عليه السلام- يقول: غسلّت النبي - صلى الله عليه وآله- في قميصه فكانت فاطمة -عليها السلام- تقول: أرني القميص، فإذا شمته أغمي عليها، فلما رأيت ذلك منها غيبته.
وفوق هذا الحنان وهذه العاطفة الجياشة كانت هناك علاقة رسالية تربط سيدة نساء العالمين بأبيها رسول الله، فكانت فاطمة الامتداد الطبيعي لنبوة وإمامة الرسول الأكرم وأن رسالته لم تكتمل إلا عن طريقها والسلالة الطاهرة التي جاءت بها لتحفظ هذا الدين من التحريف والتزوير، فان كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- هو أبا الرسالة الإسلامية، فأن فاطمة الزهراء هي الأم.