قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
حضارة الأخلاق الفاضلة .. الحلقة الثالثة
معرفة النفس أصل الحياة
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *علي ضميري
يحتاج المهندس إلى معرفة مساحة الأرض وتشكيلة طبقتها ليتمكن من وضع خارطة مناسبة للبيت الذي يريد تشييده، كما يحتاج الطبيب الذي يريد معالجة مريض ما إلى جملة من الإجابات الشافية عن المرض وأسبابه ليتمكن من وصف الدواء المناسب له.
ومن يريد تهذيب نفسه وتشذيب سلوكه، ليضمن النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، فلا يتعرض لجسيم الخسائر وعظيم المخاطر، نجده بأمسّ الحاجة إلى معرفة نفسه، والإطلاع على حقيقة كيانه، وما تتشكل عنه ذاته، وطبيعة المحفزات والمؤثرات التي تترك بصماتها بارزة على مجمل ونمطهما تفكيره وسلوكه..
ومن المعروف أن للإنسان بُعدين أو ركنين يعتمد كل وجوده عليهما: البعد المادي والبعد المعنوي... وقبل هذا وذاك، فإن الخالق سبحانه وتعالى قد تحدث عن طبيعة الخلقة التي جبله عليها وصار منها.. إذ أكد سبحانه أنه خلق الإنسان ضعيفاً. فهو كائن محتاج أبداً... محتاج إلى عناية فائقة منذ تشكل نطفته وانعقادها في رحم أمه، وحين الولادة يخرج مستسلماً بصورة مطلقة، لا إرادة له في الخروج إلى عالم الدنيا. وإذ يغادر عالم الاجنة والأرحام، يجد نفسه محتاجاً إلى الغذاء والحنان والرعاية، يأخذ ولا يعطي شيئاً، ثم إنه كلما يقطع شوطاً زمنياً تتضاعف حاجته، ويزداد اعتماده على والديه ومن يرعونه، حتى يصبح شاباً يافعاً، فتزداد مسؤولية المحيطين به لحفظه ورعايته بشتى الأشكال، وفي نفس الوقت يزداد هو مسؤولية إزاء الآخرين، وهكذا يتنقل بين الفقر والحاجة إلى غيره وإلى مصادر الطعام والشراب والملبس والمسكن والسفر والمال والصحة وغير ذلك، حتى يجد نفسه قد بلغ من العمر مسافة، عاد فيها الضعف إليه، والحاجة لغيره.. حتى يتأكد له أنه قد وصل مرحلة الانتكاس، وها هو على أعتاب الموت ومغادرة الدنيا..
هذا في مجال المادة... أما على الصعيد المعنوي، فحدّث ولا حرج، إذ إنه يولد ولا يعلم شيئاً، إلا ما كان لديه من فطرة دفينة هي بأشد الحاجة إلى من يثيرها فيه، لتصبح جاهزة إلى التلقّي، والتلقي يعني الاحتياج والفقر.
حتى أن الله سبحانه وتعالى قد بعث الأنبياء والرسل والأئمة ومن بعدهم العلماء ليثيروا دفائن عقله... ولو أنه خرج عن جادة تعاليمهم قيد أنملة، لوجد نفسه في مستنقع الذنوب والأخطاء التي تصل به إلى حد الكفر والتمرد على إرادة الحق القيوم.
وسبب هذا الخطر المحدق به، جهله بما يليق به كمخلوق من قبل الرب المالك من عقيدة وسلوك، وايضاً تربص الشيطان به وبواقعه ومصيره، كونه العدو اللدود الذي أقسم في محضر الله العظيم أن يرديه إلى كل مهلك، ويزيحه عن الصراط المستقيم.
هذه ربما تكون صورة موجزة عن واقع الذات الإنسانية، فهي جهل وحاجة واضطرار، حولها أعداء ألدّاء، وفيها قدرة على التعلم والاتقان والسمو والكمال عبر العقل واتباع مبعوثي الخالق الرحمن الرحيم، ويبقى هذا الانسان عاجزاً عن وضع قدمه على جادة النجاح والتقدم، مالم يدرك هذه الحقائق عن نفسه، بل سيعجز عن إدراك وجهة مسيرته في الحياة، وقد تتناوشه ذئاب الجهل والحاجة والرذيلة، ليبقى قابعاً في طبقات الظلام المتراكمة، جاهلاً بكل شيءٍ، حتى يجد الموت وقد سلب منه وجوده الدنيوي، ليتفاجأ بوجوده في عالم جديد متمخض عن عالمه الدنيوي القديم، وليس معه إلا أثقال ومخلفات يحاسب عليها أشد الحساب، وينال في قبالها أشد العقاب.. حيث العقاب والنار يخلد فيها أحقابا.
ولا نعلم بوجود أشياء أخرى يعيشها الإنسان ويتعرض لها، مهما صور لنا الجهل المركب والعناد والممارسات الباطلة من صور خيالية وأساطير خرافية عن أكاذيب كافرة ملحدة ما أنزل الله بها من سلطان، فهذه هي حقيقة الإنسان الجاهل الضعيف المحتاج والفقير إلى الخير دائماً.
ولكن هذا الإنسان المتصف بهذه الصفات، قادر في الوقت نفسه على أن يحولها إلى نقاط قوة ومصادر دعم، بشرط أن يقرر ويعمل على ربط نفسه بمصدر القوة المطلق، وهو الله الخالق ـ عزوجل ـ بواسطة توحيده وعبادته، واستلهام تعاليمه من قبل أنبيائه وسفرائه الكرام البررة.
وليس للإنسان الراغب في القوة وإلغاء عوامل الضعف لديه سوى هذا الخيار ليخرج به من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن الرذائل إلى الفضائل، ومن اليأس إلى التفاؤل، ومن الفشل إلى النجاح، ومن النار إلى الجنة.
ومع وجود هذه الحقيقة الإنسانية، لكن "قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ" بهذه الحقائق، وما أكثر عناده للحق، والحال أنه مطّلع على نشأته وحياته، فيبقى يختزل كل الرذائل في ذاته ويجانب الحقيقة، ولعل ثمة من يكرر المقولة التي وردت في القرآن الكريم على لسان فرعون "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ" فهو يريد أن يناطح النجوم والسماوات. ظناً منه أنه إله – والعياذ بالله-.
بلى... إن للإنسان أن يتقدم ويصل، لكن عليه أن يعلم بأن ثمة طريقاً قد رسمه الخالق من قبل، كما بامكانه أن يحكم ويسيطر، لكن له أن ينال ذلك بما أنزل الله من أحكام وتعاليم وغير ذلك، يعني الفسوق والظلم والكفر، كما له أن يأكل ويشرب ويسكن وينام ولكن بما أحلّ الله تبارك وتعالى، وله أن يُصادق ويعمل ويترفّى ويسعى إلى الرزق، بل ويقاتل ويتصارع ولكن بالطريقة التي رسمها الله له.
بمعنى أن روعة الإنسان ومهمته ونجاحه تكمن في هذه المهمة حيث يعي حقيقته، ثم يعي قدرة خالقه ثم يعي تعاليم هذا الخالق، ثم يسعى بجد وإخلاص إلى تطبيق هذه التعاليم... كما جاء في الآية الكريمة "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ"، وجاء في الحديث الشريف (من عرف نفسه، فقد عرف ربه)، و(رأس العلم معرفة الله).
فلا يظن الإنسان أنه مجرد آلة مجبرة على التعلم والمعرفة والعبادة.. بل هو مخلوق في أحسن تقويم، ومختار بعد أن زوّده الله بالإرادة الحرة المقدسة، وهي مقدسة لأنها نعمة ربانية عظمى، ولولا وجودها، لما كانت للإنسان حرمة تُذكر.
فأما من يختار لنفسه اتباع هواه والخضوع لضغوط الباطل، فإنما يضحي بنفسه من أجل ميول نفسه وشهواته وغرائزه المجردة.. ومن ثم فهو يعبد هذه الميول.. ألم تر إلى الذين يعبدون الدينار والجنس والسلطة والشهرة؟ فعاد ذليلاً خائر القوى لايعرف حتى كيف يندم على ما فرط في واقعه ومصيره.. بعد أن نسي الله، وأضل الطريق، وتورط في المتاهات..
بيدَ أن الذي يعرف نفسه، ويطّلع على قابلياتها وحدودها والهدف والحكمة من وجوده ويعي تعاليم الخالق الرحمن وقيمه، ويسعى في ترجمتها في نفسه وفكره وسلوكه، فذلك الذي يضمن لنفسه الاطمئنان والنجاح والموفقية طيلة وجوده في الحياة وبعد الممات، وشهادة الله وتجربة الإنسان أصدق برهان على ذلك... وليس بعد الحق إلا الضلال.