مقاربات وتأملات في نقد العقل الاكاديمي.. التفكير الإبداعي أنمودجاً
|
*د. حازم موجد عباس
من البديهيات التي لاتحتاج مقدماتها الى استنتاج هي الفقر والانهيار المعرفي للامة الاسلامية المعاصرة على مستويات الانتاج والاستهلاك المعرفي فترى القلب يتألم من (أمة اقرأ) التي لا تقرأ وان قرأت فلا تطبق.. والانحطاط الفاحش للعقل الاكاديمي الرسمي في الجامعات والمعاهد والمدارس وغيرها من المؤسسات الرسمية التعليمية التي اصبح همها الاساس صناعة مسودات من الورق على الرفوف يسمونها اطروحات دكتوراه او ماجستير، علما ان هدف معظم هذه الاطروحات هو زيادة راتب صاحب الاطروحة وليس معالجة الواقع وصناعة المستقبل المنشود، والاسباب كثيرة منها غياب وسائل التنفيذ، لكن النتيجة المأساوية واحدة، وهي عدم وجود تطبيقات عملية لتلك الاطروحات على ارض الواقع.
وبعد ان اصبح هدف تلك المؤسسات التعليمية هو صناعة الموظفين – اشخاصاً ينحصر همهم بين اربعة جدران وقمة احلامهم استلام المرتب الشهري واطعام عيالهم- وتكريس حالة النمطية في التفكير، فاصبح تفكير الطلبة منصباً على الشهادة والدرجة العلمية وليس على العلم والتعلم، فالعلم وسيلة لا غاية.. أي لايجب ان يتحصل باي وسيلة كالغش وفنونه او الرشوة وغيرها من فنون الدجل المعروفة.. فتسأل الطالب ما هدفك في الحياة عندما تكبر؟ يقول طبيب او مهندس او اي مهنة تجلب اموالاً كثيرة فليس المهم هو خدمة البشرية او صناعة حضارة البلد ومستقبله، فتجد مع الاسف الشديد بعض الاساتذة الاكاديميين يتغافلون عن اختصاصهم فضلا عن جهلهم في أساسيات الحياة الاخرى وبهذا اصبح العلم والعلماء في خدمة السياسي والتاجر ولا وجود لاي قداسة للعلم.
ان حضارة الاسلام قامت بعد نزول أول آية في القرآن الكريم: "إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق إقرأ وربك الاكرم الذي علّم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم"، فقد دعت الانسان والبشرية الى قراءة كل شيء باسم الله تبارك وتعالى.. فالكون والحياة والعلوم كافة كالفيزياء والكيمياء والطب وغيرها يجب ان تقرأ باسم الله عز وجل، وفي غير ذلك تكون النتيجة هي الدمار الشامل واستعباد الشعوب وسحقها ودفن الانسان بمعول العقل الاداتي من اجل المادة وسلطة اللذة السريعة ولو بسحق الانسان وكرامته وكبريائه والايمان بوحدة الوجود للمادة فقط فلا وجود للروح وللقيم والاخلاق ابدا.. .فيتحول الانسان الى كائن يخدم الآلة ويعيش من أجلها في حين العكس هو الصحيح.
ان غياب الهمّ المعرفي يعد من اخطر عناصر الفشل في حضارة المسلمين بعد ان كان الاساس لبناء حضارة القرآن السامية برعاية العترة الطاهرة لنبي الله الاعظم ـ ص ـ.. فالتدريس في مؤسساتنا التعليمية من مرحلة الروضة وحتى مرحلة الاختصاص الدقيق ومرحلة ما بعد الدكتوراه مبنية على اساس واحد تقرببا وهو النمطية والتفكيرالجامد والتدريب الثابت طول حياة الكائن مثالها التحفيظ والترديد لمفردات معينة بعيدا عن الاستنتاج والتفكير والتأمل والابداع ووضع العقل البشري في قيود وأغلال وقوالب وسجون محددة الى ان يموت الانسان. فتحفيظ المادة العلمية واعادتها بعيدا عن التفكير والتربية الابداعية والتأمل الابداعي يؤدي الى انهيار النظام المعرفي والمؤسسة التعليمية والانتاج العلمي كما هو حاصل الآن.
وبالرجوع الى التربية الابداعية من خلال مفاهيمنا القرآنية من قبيل ما استنتجه المفكر الاسلامي سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي في المجلد السادس من موسوعته العلمية (التشريع الاسلامي- مناهجه ومقاصده)، نجد مثلاً: النظر الى نعم الله والسماع والاستجابة والاستذكار والتفكر والتبصر والعبرة والاعتبار والحذر والرشد وتثبيت الفؤاد بالقرآن والاستبشار بالآيات ووضوح الرؤية - البصيرة- والتعقل والحكمة والتوسم ولمعرفة تفاصيل وابعاد ومعطيات المفردات القرآنية السابقة الذكر يرجى الرجوع الى نفس المصدر تحت عنوان (ضياء العلم).
ومما كتبه سماحة المرجع المدرسي في مقدمة كتابه المذكور وفي نفس المجلد، الصفحة السابعة الآتي: (اما الجامعات فانها تأسست على قاعدة اللحاق بركب الحضارة والانبهار بها، ومن هنا فان اهتمامهم باتباع الآخرين كان اكثر من اهتمامهم بالابتكار والابداع. والكثير من الاساتذة تراهم يهتمون بقضايا البلاد المتطورة اكثر مما يهتمون بقضايا بلادهم...من هنا فان على الجامعات ان تقوم بامرين: الاول ان تعيش هاجس الابداع لا الاتباع والامر الثاني ان تعيش في قضايا الوطن.. وهكذا ترانا ننطلق في مسيرة النهضة الثقافية الشاملة من افق الحوزات المعصرنة ومن افق الجامعات الموطنة، اما حوزات التراث وجامعات الغربة فانهما لن يساهما الا قليلا في الانبعاث الثقافي).
الى هنا رأينا ان الاساس في البناء المعرفي هو التربية الابداعية والتعليم الابداعي القائم على ترك الحالة النمطية في التعليم وفلسفته لكي ننتج اناساً لهم شعور وعواطف وافكار تهتم ببناء حضارة الحق ولهم رسالة في الحياة وليسوا فقط موظفين هدفهم في الحياة استلام الراتب فالمطلوب هو اشخاص يغيرون مسار التاريخ والبشرية نحو الكمال والتسامي كما كان يفعل الانبياء واتباعهم والغاية المطلوبة منا لكي تكون لنا الريادة لقيادة العالم نحو نعيم الدنيا والآخرة هي افراد رساليون لهم هم الحياة وطموح الحضارة وتحقيق العدالة والعلم والتطور على جميع الاصعدة.. فالحضارة تُبنى على يد أقلية تبدع واكثرية تتبع وفق سنن الله التي وضعها للنجاح في هذا الكون الرحيب... وأمامنا مجموعة توصيات بسيطة في التفكير الابداعي:
1ـ أنظر إلى المشاكل بطرق عديدة ومختلفة وجد جوانب جديدة لم يتطرق إليها أحد (أو لم يعلن عنها أحد).. لقد رأى ليوناردو ديفنتشي أنك إذا أردت اكتساب المعرفة عن مضمون مشكلة ما، فإنه عليك أن تبدأ من خلال التعلم حول كيفية إعادة هيكلة هذه المشكلة بطرق عديدة ومختلفة. لقد شعر أن الطريقة الأولى في النظر إلى المشكلة تكون غير موضوعية بشكل كبير، ففي كثير من الأحيان نجد أن ذات المشكلة تعاد هيكلتها وتصبح مشكلة جديدة.
2ـ استعمل الصيغ التصويرية.. فعندما كان أينشتاين يفكر في حل مشكلة ما كان يجد أنه من الضروري أن يصيغ موضوعه بأكبر عدد من الطرق بما في ذلك استخدام الرسم البياني، وفي النهاية يقدم حلولاً مصورة دون حاجة لاستخدام أرقام وكلمات لم تلعب دوراً ذا أهمية في عملية التفكير لديه.
3 ـ أنتج.. والإنتاجية صفة مميزة للعبقري، فقد سجل توماس أديسون (1093) اختراعاً، وعمل على تشجيع وضمان استمرار الإنتاجية من خلال تحديد حصص معينة أو عدد معين من الأفكار التي يجب عليه وعلى الفريق الذي يعاونه أن يأتوا بها، وفي دراسة قام بها (دين كيث سيمونتون) من جامعة كاليفورنيا في ديفيز شملت (2036) عالماً عبر التاريخ، وجد فيها أن أعظم العلماء ليسوا من الذي ينتجون الأعمال الجيدة فقط وانما الأعمال السيئة أيضاً، فهؤلاء العلماء لم يكونوا يخافون الفشل أو إنتاج أعمال متوسطة الجودة وذلك عن طريق الوصول إلى تحقيق الأعمال الممتازة.
4ـ اصنع مجموعات جديدة.. إمزج وأعد تجميع الأفكار والصور واحصل منها على مجموعات أو تشكيلات مختلفة بغض النظر عن غرابتها أو خروجها عن المألوف.
إن قوانين الوراثة التي يقوم على أساسها علم الجينات الحديث، جاء بها القس النمساوي (غريغور منديل) الذي قام بالجمع ما بين علم الرياضيات وعلم الأحياء للوصول إلى مبادئ وقوانين جديدة في علم الوراثة.
5 ـ كوّن علاقات وأنشئ روابط بين المواضيع مهما بدت لك غير متشابهة.. فقد أوجد (دافينتشي) علاقة ما بين صوت الجرس وبين صوت الحجر الذي يسقط في الماء، وقد مكنّه ذلك من الربط واستنتاج حقيقة أن الصوت ينتقل على شكل موجات، وقام (سامويل مورس) باختراع محطات المتابعة الخاصة بإشارات التلغراف وذلك من خلال ملاحظته لمحطات المتابعة الخاصة بالخيل.
8ـ الاستعداد للفرصة.. اذ كلما حاولنا القيام بشيء ما وفشلنا، نلجأ إلى القيام بشيء آخر. وهذا هو المبدأ الأول للصدفة الإبداعية. إذ يمكن أن يكون الفشل مُنتجاً بمجرد عدم عدّه شيئاً أو كونه نتيجة عقيمة. إذ يجب علينا تحليل العملية ومحتوياتها ومعرفة كيفية تغييرها للوصول إلى نتائج أخرى.
مع العلم والتأكيد على ان حب الحقيقة هو ما يُطلب أولاً وأخيراً من العبقري، وهذا الذي نراه من خلال تدبّر كتاب الله المجيد ومن خلال دراية احاديث الرسول الاعظم وعترته الطاهرة -عليهم افضل الصلاة والسلام- ونختم الكلام بحديث مروي عن الامام الصادق-ع- حيث سأله احدهم عن العقل وما هو؟ فأجاب الامام -ع-: (ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان) فقيل للامام الصادق-ع- وتلك التي عند معاوية فقال -ع-: (تلك شيطنة نكراء).. فالعقل والابداع والذكاء وفق المنظور الحضاري هي لاجل خير الدنيا والآخرة.
|
|