الحرية والعبودية من منظور الشرع والوضع 2-2
العبودية لله منطلق الحرية
|
*د.نضير الخزرجي*
ان الحرية والعبودية تنسحب على جميع مناحي الحياة، ولكن هذا لا ينافي فضيلة الدفاع عن الكرامة والعرض والمال، فالموت دون هذه الحرمات شهادة، وليس من الطمع أو الحرص من يدافع عن حقه وماله، فالطمع هو النظر إلى ما في أيدي الناس، فمن الحرية أن يدافع الإنسان عن ما يقع في حوزة ملكه الشرعي، ومن العبودية التنازل عنها، إلا إذا اُجبر الإنسان على ذلك في وضع لا حول له فيه ولا قوة، فقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق – عليهما السلام - قوله: (إن الحر حرٌ على جميع أحواله، وان نابته نائبة صبر لها، وإن تداكت عليه المصائب لم تسكره، وان أُسر وقُهر واُستبدل باليسر عسرا) كما كان يوسف الصدّيق الأمين لم يضرّ حريته إن اُستعبد أوقُهر ولم تضره ظلمة الجب ووحشته وما ناله، أن مَنّ الله عليه فجعل الجبار العاتي له عبداً بعد إذ كان له مالكاً، فأرسله ورحم به أمّة، وكذلك الصبر يعقب خيراً، فاصبروا ووطنوا أنفسكم على الصبر تؤجروا"(1).
فالإنعتاق عن ذلك الطمع وتلك الشهوات والرغبات الحيوانية هي عبودية وحرية في آن واحد، عبودية لله وحرية لنفس الإنسان، ويرى العلامة المجلسي – صاحب بحار الانوار- (ت 1111هـ) وجود علاقة مباشرة للحرية مع عبودية الشهوات، فالحرية عنده: (تحتمل المعنى الظاهر فإنها كمال في الدنيا وضدها غالبا يكون مانعا عن تحصيل الكمالات الأخروية، ويحتمل أن يكون المراد بها الإنعتاق عن عبودية الشهوات النفسانية والانطلاق عن اسر الوساوس)(2).
والحرية في واقع الحال اصل الفضائل وسنامها، يقول مصباح يزدي وهو فقيه إيراني: (كلمة الحرية تستعمل في الأخلاق بمعان متعددة، ولكن متقاربة في كتبنا الأخلاقية الفلسفية وعند الكلام على خصائص النفس الإنسانية وملكاتها، وينظر إلى الحرية على أنها أصل الفضائل (3)، وهذا ما يؤكده قلم نسوي مثل القاصة السورية ابتسام شاكوش: (إن إطلاق النساء من القيود الأخلاقية، ليس من الحرية أو التحرر بشيء، بل هو عبودية للجسد وشهوات الجسد، وهو أمر يثير القرف والاشمئزاز) (4).
أما السيد محمد باقر الصدر (ت 1980م) فيعد الإنعتاق عن عبودية الشهوات أصل الحرية، فليس من الحرية أن يُقال للإنسان: (هذا الطريق قد أخليناه لك فسر بسلام، وإنما يصبح الإنسان حرا حقيقة حين يستطيع أن يتحكم في طريقه ويحتفظ لإنسانيته بالرأي في تحديد الطريق السليم ورسم معالمه واتجاهاته، وهذا يتوقف على تحرير الإنسان قبل كل شيء من عبودية الشهوات التي تعتلج في نفسه)(5).
الحرية عين العبودية
إذن.. نحن أمام مفردة تتوزع معانيها على العبودية لله، والعبودية لشهوات النفس، والعبودية للطاغوت، والعبودية لكل من أو ما يتم الخضوع والإنقياد إليه أو طاعته حتى لو كان المطاع صنماً من تمر يؤكل عند المجاعة، أو من خشب يستعمل حطباً عند البرد القارص أو دجال يغري الناس بقراءة الطالع والمستقبل عن بعد، عندما تجف النفوس عن تلمس برد الحقيقة والطمأنينة!
وكما إن الحرية أصيلة في كينونة الإنسان، فان الأصل في الإنسان العبودية، ولكنها للخالق، لان: (الأصل في الإنسان الحرية في قبال الإنسان الآخر، بجميع أقسام الحرية إذ لا وجه لتسلط إنسان على آخر وهو مثله، كما إن الأصل في الإنسان العبودية لله سبحانه، فانه هو الذي خلقه وكل أموره بيده، لا تصرفا فقط، بل بقاءً أيضا حيث إن الإنسان باق بإرادة الله تعالى، فان اقل لحظة يصرف الله لطفه عن الإنسان يلحقه بالعدم، وقد مثل الحكماء لذلك – والأمثال تضرب يقرب من جهة ويبعد من جهة- بالصورة الذهنية، فإنها موجودة في الذهن، مادام اللاحظ يعيرها الانتباه، فإذا صرف ذهنه عنها لم تكن شيئا"(6).
وهذا المعنى ربما اُخذ من حديث الإمام جعفر الصادق –عليه السلام- الذي جاء فيه: (التشهد ثناء على الله، فكن عبدا له بالسر خاضعا له بالفعل كما انك عبد له بالقول والدعوى، وصِل صدق لسانك بصفاء صدق سرك فانه خلقك عبدا وأمرك أن تعبده بقلبك ولسانك وجوارحك وان تحقق عبوديتك له وربوبيته لك وتعلم أن نواصي الخلق بيده فليس لهم نفس ولا لحظة إلا بقدرته ومشيته وهم عاجزون عن إتيان أقل شيء في مملكته إلا بإذنه وإرادته، قال الله عز وجل: "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عمّا يشركون" القصص/68، فكن له عبدا شاكرا بالقول والدعوى وصل صدق لسانك بصفاء سرك فانه خلقك، فعز وجل أن تكون إرادة ومشية لأحد إلا بسابق إرادته ومشيته، فاستعمل العبودية في الرضا بحكمته والعبادة في أداء أوامره)(7)، فالسنّة الإلهية كما يقول العلامة الطباطبائي (ت 1982م) في تفسير قوله تعالى في قصة نوح بن لمك بن متوشلخ بن إدريس (ع): "إنه كان عبدا شكورا" الإسراء/3: (جرت على هدايتهم إلى طريق العبودية وسبيل التوحيد وأمكنهم من الوصول إلى ذلك باختيارهم)(8).
قيود مشروعة
ولكن هل تعد المحرمات التي يضعها الإسلام على تصرفات الإنسان، مثل حرمة البهتان والغيبة والكذب والسرقة وغيرها، ويعاقب عليها، قيوداً على حرية الإنسان كما يبدو من ظاهر الأمر؟ يقول الدكتور عبد المجيد، إن هذا السؤال: (يقودنا إلى البحث عن نقيض الحرية، وهو العبودية، لنجد أن كمال الحرية في الإسلام يبدو في أن عبودية الإنسان لله وحده، تحرره من أنواع العبودية كافة"(9)، وهنا يقع الاختلاف بين النظرة الإسلامية للعبودية، ونظرة الليبراليين، يقول باروت وهو باحث سوري: (إن النظرية الليبرالية تترجم مفهوم الحق الطبيعي بحق الفرد المستقل بقدر ما تترجمه النظرية الإسلامية بعبودية الفرد لله، إن هذه العبودية هي التي تضمن حريته، ويتلخص مفهوم الحاكمية هنا في أن الله خلق الإنسان حرا وانه لا سيادة لأحد على أحد بل يخضع الجميع لسيادة الله العادل)(10).
ربما كان استدلال السيد حسن الشيرازي (ت 1980م)، اقرب الاستدلالات إلى الواقعية لبيان أهمية العبودية وعلاقتها بالحرية، حيث يقول: (ومن الحقائق أن الإنسان أبداً يكون خاضعا لاثنين من هذه العبوديات الاربع: (الله، العقل، السلطان الجائر، النفس) ولا يستطيع التحرر من اثنتين منها إلا ليرضخ لأخريين، فإما ان يكون الإنسان خاضعا لله والعقل، وإما أن يستعبده السلطان الجائر والنفس، ولايمكن أن يتحرر من عبودية السلطان الجائر والنفس، إلا إذا رضي بعبودية الله والعقل.. ولا ريب أن عبودية الله والعقل، خير من عبودية السلطان الجائر والنفس، بل العبودية الأولى، شرف لا يدانيه شرف، وفوق النبوة والرسالة، كما نقرأ في الصلاة: اشهد أن محمدا عبده ورسوله، ولولا أن العبودية لله أشرف من رسالة السماء، لما قدمت عليها، بينما تكون العبودية للسلطان الجائر والنفس جريمة لا تدانيها جريمة، حتى جعلها الله أول جريمة يحاسب عليها الإنسان قبل الموت، كما في قوله تعالى: "إن َّ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها" النساء/ 97).(11)
ويخلص الشيرازي إلى النتيجة التالية: وإذا كان الإنسان مخيرا بين آن يختار أي نوع من هذه العبوديات الاربع، فالذي يرضى بعبودية الله والعقل يكون حرا بأكمل معاني الحرية وأنبلها، فيما يكون الذين يجدون حريتهم في مخالفة الله والعقل، قوما مستعبدين، قد استعبدهم سلطان جائر بأفكار مزيفة، واستعبدتهم شهواتهم، فانجرفوا في تيارها المسعور، وهم حينما يعيبون على المؤمنين عبوديتهم لله والعقل، يعبدون أتفه ما في الحياة من أفكار وغايات، وها هي صورتهم تظهر في القرآن الكريم بكل وضوح: "أرأيت من اتخذ إلهه هواه" الفرقان/43.
فمن يتمرد على عبودية الله تعالى، يكون قد استسلم – سلفا- لعبودية الهوى، وما أجمل قول ابن خضرويه - أبو حامد احمد البلخي المتوفى 240هـ- (في الحرية تمام العبودية، وفي تحقيق العبودية تمام الحرية)(12). وجاء في كتاب منهاج الكرامة أن الإمام موسى بن جعفر الكاظم –عليهما السلام- اجتاز على باب دار بشر الحافي (بن الحارث المروزي المتوفى 227هـ) فسمع منها الغناء واللهو – في أول شباب بشر وهو ببغداد – ورأى على باب الدار جارية، فقال لها: أيتها الجارية مولاك حر أو عبد؟ فقالت: حر، فقال لها: صدقت! لو كان مولاك عبدا لعمل بمقتضى العبودية وخاف الله تعالى..
فذهبت الجارية إلى داخل الدار وأخبرت بِشراً بذلك، فأثر فيه هذا الكلام وكان سبب هدايته، وخرج حافيا إلى خارج الدار وجعل يركض خلف الإمام حتى وصل إليه فوقع على قدميه وتاب على يده وأناب وبقي حافيا طوال عمره(13).
أقول إذا كانت كلمة (الحر) لغةً هي نقيض العبد، والحرية نقيض العبودية، فان العبودية لله، من حيث الاصطلاح والممارسة هي عين الحرية لا نقيضها، لان العبودية لله رفعة وسمو وكمال إنساني، بل هي أعلى مراتب الكمال.
...................
(1) النوري، حسين بن محمد تقي، مستدرك وسائل الشيعة (بيروت، مؤسسة آل البيت) :12/67، :2/427، :12:68.
(2) بحار الأنوار (مصدر سابق) :1/83.
(3) مصباح يزدي، محمد تقي، "حق الحرية في المنظور الإسلامي" كتاب: حقوق الإنسان في الإسلام (طهران, العلاقات الدولية في منظمة الإعلام الإسلامي, 1408هـ/1988م) ص253.
(4) شاكوش، ابتسام، "في العنف الأسري.. حوار" صحيفة السلام (بيروت، تجمع المسلم الحر، السنة 2، العدد 24، 1421هـ) ص2.
(5) آل نجف، عبد الكريم، "الحرية من وجهة نظر السيد الشهيد الصدر" مجلة المنهاج (بيروت، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، السنة 5، العدد 19، 1421هـ/2000م) ص174.
(6) الشيرازي، محمد، السياسة (بيروت، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع، ط6، 1407هـ/1987م):2/213.
(25) بحار الأنوار (مصدر سابق) :85/284.
(7) الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن (بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط3، 1973م) :13/35.
(8) الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن (بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط3، 1973م) :13/35.
(9) عبد المجيد، د. احمد فؤاد عبد الجواد، البيعة عند مفكري أهل السنة والعقد الاجتماعي في الفكر السياسي الحديث (القاهرة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1998م) ص123.
(10) باروت، محمد جمال، "نظرية الحاكمية في الخطاب الإسلامي المعاصر" كتاب: الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية (دمشق، المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، ط3، 2000م) :2/8، 2/8.
(11)(12) الشيرازي، حسن، حديث رمضان (الكويت، هيئة محمد الأمين، ط3، 1415هـ/1995م):117:118.
(13) انظر: الأمين، محسن بن عبد الكريم، أعيان الشيعة (بيروت، دار التعارف):3/579.
* إعلامي وباحث عراقي مقيم في لندن
|
|