قبسات من نور الامام زين العابدين (ع)
سجود الكلمات
|
*خالد عبد الامير
قُلت: هم أئمة الهدى أعلى سنام البشر...
قالوا: هم أفرادٌ بين البشر...
قُلت: حتى وإن كانوا كذلك، لا أجد لهم مكاناً إلا بين الأعالي... هاكم إقرأوا قصة أحدهم وائتوني بمثله من عندكم إن استطعتم.
أجدبت مكة وقد اشتد بالناس العطش لقلة الغيث (المطر)، وكان الوقت حجاً والناس يفدون إلى مكة من كل أمصار المسلمين، وكان من جملة الحجيج وفد عباد البصرة مثل ثابت البناني وأيوب السجستاني وصالح المري وعتبة الغلام وحبيب الفارسي ومالك بن دينار، ففزع إليهم أهل مكة والحجاج لكي يستسقوا لهم أي يصلوا لهم صلاة الإستسقاء، وفي ذلك يقول ثابت البناني: أتينا الكعبة وطفنا بها ثم سألنا الله خاضعين متضرعين بها فمُنعنا الإجابة! فبينما نحن كذلك إذا نحن بفتىً قد أقبل، وقد أكربته أحزانه، وأقلقته أشجانه، فطاف بالكعبة أشواطاً، ثم أقبل علينا فقال: يا مالك بن دينار، ويا ثابت البناني، ويا أيوب السجستاني، ويا صالح المري، ويا عتبة الغلام، ويا حبيب الفارسي ويا سعد ويا عمر ويا صالح الأعمى ويا راعبة ويا سعدانة ويا جعفر بن سليمان! فقلنا: لبيك وسعديك يا فتى فقال: أما فيكم أحد يحبه الرحمن؟ فقلنا: يا فتى علينا الدعاء وعليه الإجابة، فقال: ابعدوا من الكعبة، فلو كان فيكم أحد يحبه الرحمن لأجابه. ثم أتى الكعبة فخر ساجداً فسمعته يقول في سجوده: سيدي... بحبك لي إلا سقيتهم الغيث، قال: فما استتم الكلام حتى أتاهم الغيث كأفواه القِرب، فقلت: يا فتى من أين علمت أنه يحبك؟ قال: لو لم يحبني لم يستزرني، فلما استزارني علمت إنه يحبني، فسألته بحبه لي فأجابني. فقلت يا أهل مكة من هذا الفتى؟ قالوا: علي بن الحسين بن علي بن أبيطالب عليهم السلام.
ربما نكون من الموالين لأهل البيت -عليهم أفضل الصلاة والسلام- غير أن هؤلاء العباد والزهاد من أهل البصرة والذين ذُكرت اسماؤهم، هم أعرف منا جميعاً بعد تلك الحادثة بمنزلة ومقام الإمام السجاد -عليه السلام- فربما نحن لانستطيع أن نستوعب تلك المنزلة العالية لهؤلاء العظماء، إلا إن كبار القوم الذين وفقهم الله سبحانه وتعالى لعبادته وطاعته، عرفوا تمام المعرفة مقام وعلو منزلة الإمام السجاد عندالله، وقد بذلوا قسطاً وافراً من عمرهم في طاعة الله إلا إنه عزوجل لم يسمع نداءهم ولم يستجب دعاءهم، غير أنه عزوجل استجاب لنداء ذلك الفتى الهاشمي... ومن حق كل أحد أن يتساءل لماذا يستجيب الله سبحانه وتعالى لدعاء الإمام السجاد -عليه السلام- ولايسمع نداء عبّاد أهل البصرة؟!
لابد أولاً أن نعرف طبيعة العلاقة التي كانت بين الإمام السجاد -عليه السلام- وبين ربه؟ ثم علاقته بالناس وطريقة التعامل معهم؟ بل كيف كان يتصرف مع الأشياء؟
لو قرأنا كلمات الإمام السجاد -عليه السلام- وما يقوله عن الله سبحانه وتعالى نعتقد بأن هذا هو الرجل الوحيد الذي عرف الله حق معرفته وسنكتشف جانباً من ذلك في هاتين القصتين:
عن إبراهيم بن أدهم قال: كنتُ أسيم في البادية مع القافلة فعرضت لي حاجة فتنحيت عن القافلة، فإذا أنا بصبي يمشي فقلت: سبحان الله بادية بيداء وصبي يمشي؟ فدنوت منه وسلمت عليه، فردّ عليّ السلام فقلت له: إلى أين؟
قال: أريد بيت ربي!
فقلت: حبيبي إنك صغير ليس عليك فرض ولا سنة.
فقال: يا شيخ ما رأيت من هو أصغر سناً مني مات؟!
فقلت: أين الزاد والرحلة؟
فقال: زادي تقواي وراحلتي رجواي، وقصدي مولاي.
فقلتُ: ما أرى شيئاً من الطعام معك؟
فقال: يا شيخ هل يستحسن أن يدعوك إنسان إلى دعوة فتحمل من بيتك الطعام؟!
قلت: لا...
قال: الذي دعاني إلى بيته هو يطعمني ويسقيني.
فقلت: إرفع رجلك حتى تدرك الحجيج –أي إصعد معي على الفرس.
فقال: عليَّ الجهاد وعليه الإبلاغ، أما سمعت قوله تعالى: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" (العنكبوت/69).
قال: فبينما نحن كذلك إذ أقبل شاب حسن الوجه عليه ثياب بيض حسنة، فعانق الصبي وسلّم عليه، فأقبلت على الشاب وقلت له: أسألك بالذي حسّن خلقك من هذا الصبي؟
فقال: أما تعرفه؟! هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فتركت الشاب وأقبلت على الصبي وقلت أسألك بآبائك من هذا الشاب؟ فقال: أما تعرفه؟! هذا أخي الخضر، يأتينا كل يوم فيسلم علينا، فقلت أسألك بحق آبائك لما أخبرتني بما تجوز المفاوز - المعابر والحدود- بلا زاد؟ قال: بل أجوز بزاد، وزادي فيها أربعة أشياء، قلت وما هي؟ قال: أرى الدنيا كلها بحذافيرها مملكة الله، وأرى الخلق كلهم عبيد الله وإماءه وعياله، وأرى الأسباب والأرزاق بيد الله، وأرى قضاء الله نافذاً في كل ارض الله فقلت: نعم الزاد زادك يا زين العابدين وأنت تجوز بها مفاوز الآخرة، فكيف مفاوز الدنيا؟!.
وهنا يجدر بنا أن نتعمق بمقالة الإمام السجاد - سلام الله عليه- بينما هو طفل صغير، هل يمكن أن تخرج مثل هذه الكلمات العميقة التي تدل على معرفة عالية بالله سبحانه وتعالى من إنسان عادي؟ لماذا لانسمع مثل هذه الكلمات من كبار عباد المسلمين؟ لماذا لايذكر التاريخ لنا مثالاً واحداً لرجل قال مثل هذه الكلمات وعبَّر مثل هذه التعبيرات؟
وهذه ليست القصة الوحيدة التي ينقلونها عن الإمام السجاد فهناك عشرات القصص والروايات ومنها هذه الرواية التاريخية التي يرويها حماد بن حبيب الكوفي القطان فيقول: إنقطعت عن القافلة عند (زبالة)ن وهي موضع بطريق مكة، فلما جن عليّ الليل آويت إلى شجرة عالية، فلما اختلط الظلام إذا أنا بشاب قد أقبل وعليه أطمار بيض تفوح منه رائحة المسك، فأخفيت نفسي ما استطعت فتهيأ للصلاة، ثم وثب قائماً وهو يقول: (يا من حاز كل شيء ملكوتاً وقهر كل شيء جبروتاً، أولج قلبي فرح الاقبال عليك، وألحقني بميدان المطيعين لك...)، ثم دخل في الصلاة، فلما رأيته وقد هدأت أعضاؤه وسكنت حركاته، قمت إلى الموضع الذي تهيء فيه إلى الصلاة، فإذا أنا بعين تنبع، فتهيأت للصلاة، ثم قمت خلفه، فإذا بمحراب لم أرَ مثله في ذلك الوقت، فرأيته كلما مر بالآية التي فيها الوعد والوعيد يرددها بانتحاب وحنين، فلما أن تقشع الظلام وثب قائماً وهو يقول: (يا من قصده الضالون فأصابوه مرشداً، وأمّه الخائفون فوجدوه معقلاً، ولجأ إليه العابدون فوجدوه موئلاً متى راحة من نصب لغيرك بدنه، ومتى فرح من قصد سواك بنيته؟ إلهي قد تقشعَّ الظلام ولم أقض من خدمتك وطراً، ولامن حياض مناجاتك صدراً، صلّ على محمد وآله وافعل بي أولى الآمرين بك يا أرحم الراحمين)
فخفت أن يفوتني لشخصه وأن يخفي علي أمره، فتعلقت به فقلت: بالذي أسقط عنك هلاك التعب، ومنحك شدة لذيذ الرهب، إلا ما لحقتني منك جناح رحمة وكنف رقة، فإني ضال فقال: لو صدق توكلك ما كنت ضالاً، ولكن اتبعني واقفُ أثري، فلما أن صار تحت الشجرة أخذ بيدي وتخيل لي أن الأرض تمتد من تحت قدمي، فلما انفجر عمود الصبح قال لي: أبشر فهذه مكة، فسمعت الضجة ورأيت الحجة، فقلت له: بالذي ترجوه يوم الأزفة يوم الفاقة، من أنت؟ قال إذاً أقسمت... أنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
هذا هو الإمام السجاد -عليه السلام- فهل تعرفون له مثيلاً في هذا الكون يجاريه في عبادته وإيمانه ومراتب القرب التي وصل فيها إلى الله سبحانه وتعالى، كانت كلماته ذات تأثير على الحجر الصلب فما بالك بقلوب الناس، ولاينسى التاريخ ذلك الموقف الذي أبكى فيه الإمام السجاد -عليه السلام- بكلماته القوية طاغية مثل عبد الملك بن مروان، إذ دخل عليه يوماً فاستعظم عبد الملك ما رأى من أثر السجود بين عيني علي بن الحسين -عليه السلام- فقال: يا أبا محمد! لقد بيّن عليك الإجتهاد، ولقد سبق لك من الله الحسنى، وأنت بضعة من رسول الله -صلى الله عليه وآله- قريب النسب وكيد السبب، وإنك لذو فضل عظيم على أهل بيتك وذوي عصرك، ولقد أوتيت من الفضل والعلم والدين والورع مالم يؤته أحد مثلك ولاقبلك، إلا من مضى من سلفك، وأقبل يُثني عليه ويطريه، قال: فقال الامام -عليه السلام-: كلّما ذكرته ووصفته من فضل الله سبحانه وتأييده وتوفيقه، فأين شكره على ما أنعم؟ كان رسول الله(ص) يقف في الصلاة حتى تورمت قدماه، ويظمأ في الصيام حتى يُعصب فوه، فقيل له: يا رسول الله ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول(ص) أفلا أكون عبداً شكوراً؟!
ثم أردف الامام السجاد –عليه السلام-: الحمد لله على ما أولى وأبلى وله الحمد في الآخرة والأولى، والله لو تقطعت أعضائي، وسالت مقلتاي على صدري، لن أقوم لله جل جلاله بشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه التي لايحصيها العادّون، ولايبلغ حد نعمة منها على جميع حمد الحامد، لا والله أو يراني الله لايشغلني شيء عن شكره وذكره في ليل ولانهار، ولاسر ولا علانية، ولولا أن لأهلي عليَّ حقاً، ولسائر الناس من خاصهم وعامهم عليَّ حقوقاً لايسعني إلا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أوديها اليوم، لرميت بطرفي إلى السماء وبقلبي إلى الله، ثم لم أرددهما حتى يقضي الله على نفسي وهو خير الحاكمين.
وبكى عليه السلام وبكى عبدالملك وقال: شتان بين عبد طلب الآخرة وسعى لها سعيها، وبين من طلب الدنيا من أين جاءته، ماله في الآخرة من خلاق...
ولشدة تأثر الحاكم الاموي عبد الملك بن مروان، أقبل يسأل الامام عن حاجاته وعما قصد له، فشفعه فيمن شفّع، ووصله بمال.
|
|