قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
نخيل البصرة
آهات من الماضي وآمال نحو المستقبل
تعتبر محافظة البصرة من أبرز المناطق المتخصصة بزراعة النخيل في العالم، وقد تعرضت هذه الزراعة للكثير من المشاكل خلال العقود الماضية.
واليوم، ومع إنطلاق عجلة إعادة الإعمار في جنوب العراق في مرحلة ما بعد الحرب، ثمة آمال كبيرة معقودة على النهوض بهذه الزراعة مرة أخرى.
وأشجار النخيل ما زالت من أبرز سمات المشهد الطبيعي البصري منذ قديم الزمان، بحيث يرى العديد من الباحثين بأن البصرة كانت "أكبر غابة نخيل في العالم"، ولكن وكما كل شيء في العراق، فقد عانت زراعة النخيل في البصرة خلال السنوات الماضية من مشاكل عديدة أدت إلى تدهورها.
ويوجز الدكتور عباس مهدي جاسم، مدير مركز أبحاث النخيل في جامعة البصرة، الذي يعنى بدراسة كافة الجوانب المتعلقة بالنخيل وتطوير تقنيات زراعته، واقع تدهور زراعة النخيل في المحافظة من خلال مقارنة إحصائية بسيطة.
ويقول جاسم إن بعض الإحصائيات تشير إلى أن البصرة كانت تحتوي في عام 1968 ما يتراوح بين 9 ملايين و15 مليون نخلة، إلا أن عدد أشجار النخيل فيها تضاءل ليصل في الوقت الحاضر إلى ما يقدر بحوالي 3 ملايين نخلة.
ويضيف جاسم أن انتشار زراعة النخيل في البصرة لم يكن سوى نتيجة طبيعية لما تتفرد به بيئتها الطبيعية من سمات خاصة،
ويعدد بعض العوامل التي توفرها هذه البيئة قائلا: "البيئة الطبيعية تعني درجة الحرارة، الوحدات الحرارية التي يحتاجها النخيل، توفر المياه، الري بالمد والجزر الذي يغسل دائما التربة، فبالمد تروى النباتات وبالجزر يُغسَل الملح ويُعاد إلى شط العرب ومن ثم إلى الخليج".
ويرى أن هذه الظروف البيئية المتوفرة تتيح زراعة ما يربو على 15 مليون نخلة في محافظة البصرة.
والمشاكل الكثيرة التي ألمّت بزراعة النخيل في البصرة تختصر في الكثير من جوانبها تاريخ العراق الحديث والأحداث العاصفة التي شهدها.
ويعزو المهندس طه زويِّد عبيد، مدير قسم النخيل في دائرة الزراعة في البصرة، الإنخفاض الكبير في الأعداد المزروعة والمغروسة من النخيل في المحافظة إلى عدة عوامل، ويقول إن من بين هذه العوامل سياسات اتبعها النظام العراقي السابق كنقل أشجار النخيل إلى مناطق أخرى من البلاد.
ويوضح أن أعدادا كبيرة من النخيل قد نُقِلت إبان الحرب العراقية-الإيرانية من محافظة البصرة إلى المنطقة الوسطى، وخصوصا محافظتي الأنبار وصلاح الدين.
كما يشير عبيد إلى العمليات العسكرية التي كانت البصرة مسرحا لها إبان الحروب التي تعاقبت على العراق وأدت إلى جرف وإحراق وتدمير أعداد كبيرة من أشجار وبساتين النخيل، فضلا عن هجرة أصحاب البساتين.
وقد جاءت الطامة الكبرى عندما تضافرت الآفات الزراعية مع الدمار الذي خلفته الحروب والسياسة لتكتمل الصورة المأساوية لزراعة النخيل في البصرة.
ويقول المهندس عبيد إن الحرب الأخيرة التي شهدها العراق أدت إلى توقف "المكافحة الجوية على أشجار النخيل ولم تتم لسنتين متتاليتين"، وذلك جراء عدم الحصول على "الموافقة للطيران بسبب إجراءات تعاقدية أو فنية"، ويمضي قائلا إن ذلك أدى إلى "استفحال حشرتي الحُمّيرة والدوباس في نخيل محافظة البصرة".
من جهة أخرى، يشير عبيد إلى أن معدل إنتاج النخيل في البصرة قد شهد أيضا تراجعا، حيث يبلغ هذا المعدل 39 كيلوغراما من التمر للنخلة الواحدة، وهذا الرقم الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء في العراق أقل بكثير من المعدل العالمي الذي يتراوح ما بين 50 و60 كيلوغراما للنخلة.
وتُبذَل حاليا جهود حثيثة لإحياء زراعة النخيل في البصرة والعودة بها إلى سابق عهدها، وثمة محاولات جادة تجري حاليا لاستعادة بساتين النخيل في البصرة، ويقول الدكتور عباس مهدي جاسم من مركز أبحاث النخيل: "إن هناك تعاونا وثيقا مع هيئات دولية مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومنظمات غير حكومية لإقامة مشاتل للنخيل في البصرة".
ومن بين المشاريع التي ترمي إلى النهوض بزراعة النخيل: (البرنامج الوطني لزراعة النخيل) برعاية وزارة الزراعة والذي تعمل على تنفيذه دائرة الزراعة في البصرة.
وقد تمت في إطار هذا البرنامج زراعة 50 دونما في منطقة الهارثة شملت 71 صنفا مختلفا من النخيل، وإعتمدت فيه تقنيات الري بالتنقيط، وقام البرنامج بزراعة 1000 فسيل في منطقة البرجسية الصحراوية إلى الجنوب من البصرة.
كما يعكف مركز أبحاث النخيل على إجراء تجارب ترمي إلى تطوير تقنيات زراعة الأنسجة، ويصف جاسم هذه التقنية بأنها "تقنية زراعية متطورة تعتمد على أخذ جزء من النبتة وزرعه في وسط غذائي إصطناعي يحتوي على جميع العناصر الغذائية".
ويؤكد أن هذه التقنية العلمية الحديثة تتيح تكثير إنتاج فسائل النخيل بمعدل يربو على معدل تكاثره بالطريقة التقليدية بآلاف الأضعاف.
والحديث عن النخيل في البصرة ذو شجون، وهو حديث لا يكتمل من دون الحديث عن ثمارها من التمور، وخصوصا البرحي الذي لا يكاد بيت بصري يخلو من نخلة من نخيله.
وقد انسابت صورة النخلة وثمارها إلى التراث الشعبي البصري كرمز لوفرة الخير والبركة، وكثيرا ما يردد البصريون أحاديث نبوية وأمثالا شعبية تتبدى فيها النخلة أو التمور أو كلاهما معا كعنوان للخير والبركة، وتحث على الإكثار من زراعتها.
أحد هذه الأحاديث النبوية يقول: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها"، ومن بين أبرز الأمثال الشعبية مثل يقول: "هزي تمر يا نخلة"، وهو مثل يُضرَب للتدليل على زيادة الخير.
واليوم، يتطلع البصريون إلى زمن تعود فيه فسائل النخيل لتفيض عليهم المزيد من الخيرات.