عمود للمتزوجين فقط
تصوّر أنكما في حالة إستثنائية
|
جاءتنا إمرأة وهي أم لثلاثة أولاد، ذات يوم تشتكي من زوجها وبكت من سوء معاملته لها، وفي أثناء كلامها كانت تدعو الله أن يخلّصها منه وترجو أن تنفصل عنه، نصحناها بأن لاتفعل، لأن فرصة أن تتزوج هي فيما بعد من جديد كانت شبه معدومة بالنسبة إليها مع عمرها من جهة، وأولادها الثلاثة من جهة أخرى. ولم تمضي أربع وعشرون ساعة، إلا وجاءت وهي باكية تنقل إلينا نبأ إصطدام زوجها بسيارة ووفاته، وفي أثناء كلامها كانت تتذكر حديثها بالأمس وتقول: ياليتني لم أدعو عليه ولم أشتكي منه ولم أطلب من الله عزّوجل الإنفصال عنه. وبقيت لأكثر من أربعين يوماً وهي تنتحب لمقتل زوجها. قلت للبعض: لو إفترضنا أن هذا الزوج حدثت له معجزة وقام من قبره حيّاً وعاد إلى داره، كم كانت زوجته تفرح لعودته سالماً، كم كانت ترعاه بحنانها، كم كانت تشعر بالدفء لوجوده معها، لكنها اليوم تشعر بأن دارها قد اُصيبت بالزلزال، وأنها تعيش في عراء، بل وربما تشعر بأنها فقدت مصيرها ومستقبلها.
والسؤال الآن هو: ماذا لو أن أحد الشريكين لم يصبّ بشريكه بهذه الصورة، وإنما عرف أن الطرف الآخر مصاب بمرض عضال، بمشكلة صحية قد تقضي عليه في فترة معينة من الزمن، أليست كل الخلافات الجانبية ستوضع على جانب؟ أليس الشعور بإقتراب الإفتراق النهائي بين الزوجين سيؤدي بهما إلى مزيد من الإنسجام ومزيد من الترابط؟ لقد حدث مثل هذا الأمر لزوجين كثيري الشجار والإختلاف، حيث في اكتشافنا دوري عام تبيّن بعده أن الزوج مصاب بالسرطان في كبده، الأمر الذي ربما كان سيؤدي إلى الوفاة بشكل أسرع من الإصابة بالسرطان في أماكن أخرى من جسمه، وعندما عرفت زوجته بهذا الأمر تناست كل خلافاتها معه وتناست كل سيئاته بالنسبة إليها وأحاطته برعايتها وإزدادوا إنسجاماً ومحبة وترابطاً وتواصلاً.
ولكن هل لابد أن يموت أحد الشريكين، حتى يعرف الشريك الآخر قدره ويهتم به؟ أو لابد أن يصاب بالسرطان حتى يأتي بينهما الإنسجام؟ لماذا لانفترض أننا مررنا بنفق، حالة إستثنائية أو مرض عضال، ثم كشف الله ذلك عنّا، لماذا لايعرف الزوج قدر زوجته، بأن يفترض أنها تعرضت لحادث ثم نجّاها الله بالمعجزة؟ ولماذا لاتفترض الزوجة أن زوجها تعرّض لمحاولة إغتيال، ثم أخطأته العملية؟ إننا عادة نعرف قدر الصحة بعد غيابها، ونعرف قيمة الأمن بعد فقدانه، فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لايراه الاّ المرضى، و"نعمتان مجهولتان: الصحة والأمان" كما تقول الرواية الشريفة.
وأية صحة أهم من حياة زوجية بلا مشاكل كبرى، بلا حادثة سير، بلا محاولة إغتيال، بلا مرض عضال! فلماذا لانعرف قدر هذه العافية؟
إن بعض الأزواج والزوجات يقولون أحياناً إن وضعنا المزري وخلافاتنا المستمرة وشجارنا الدائم له جذور، ولا يمكن أن نتغير فجأة، لكنني أقول: كيف تتغير تلك المرأة التي بكت من زوجها ودعت عليه وطلبت من الله الإنفصال عنه، ثم بعد أربع وعشرين ساعة كانت تبكي من أعماق قلبها لفراقه وتتمنّى لو كان حيّاً لم يصبه ما أصابه؟ وكيف أن تلك المرأة التي عرفت بأن زوجها قد أصيب بالسرطان غيّرت طريقتها معه، وربما إلى الأبد، ثم نقول: ليس بإستطاعتنا أن نتغيّر مرة واحدة ونحسن التعامل فيما بيننا؟!
إن من نعم الله عزّوجل على الإنسان قدرته على أن يتبدّل وأن يتغير، سواء بالتدريج، أو بشكل مفاجئ، والبعض يفضّل التدريج والبعض الآخر يفضّل بشكل مفاجئ.
المسألة هي مسألة عقلية، فحينما يتخذ العقل قراراً، فإن بإستطاعتنا أن نقوم بما يجب، كما يقول الإمام علي (عليه السلام): "ماضعف بدن عما قويت عليه النية"، ألا ترى أن بعضنا يمكنه أن يترك التدخين مرة واحدة حينما يعرف عن أخطاره، والبعض الآخر يفضّل أن يقلّل من عدد السجائر التي يدخنها ثم ينقطع عنها، لكن كلاهما قادر على أن يبدّل وأن يغيّر ماتعود عليه، كذلك فيما يرتبط بالعلاقات الزوجية، فالتحول المفاجئ ممكن في أي وقت وفي أي مكان وفي أية ظروف.
الشيء الوحيد المطلوب أحياناً هو: أن نتصوّر الأسوءاً على الإطلاق، أن يتصوّر أحد الشريكين غياب شريكه المفاجئ، أن يتصور أحد الشريكين إنهيار العلاقة الزوجية أو أن يتصوّر إصابة أحدهما بمرض عضال، والأفضل من ذلك أن يتصوّر الإنسان غياب نفسه، ومن ثم محاسبة الله له في عالم البرزخ.
فتعالوا.. مادامت الفرصة سانحة، وربنا عزّوجل أعطانا العمر والسلامة والصحة والقدرة العقلية، أن نجعل علاقاتنا مع بعضنا أحسن وأن نكون ممن يلتزم بالعدل والإحسان في العلاقات الزوجية.
|
|